إبَّغدادْ عيب اندل حرِثتَه !!*

عمّار المطّلبي
2018 / 10 / 14

بعد ألف قُبلة و قبلة ، تجلس القرويّة أم لفتة على البساط، ليتصاعد النواح السومريّ :
البداية لأمّي :
إبَّغدادْ عيب اندل حرِثتَه
تُجيب أم لفتَه، بصوتٍ حزينٍ يُشبه السكّين حين تحزّ القلب :
وِ الرَيلْ ما عِدّيْ إجِرتَه !
أمّي : بِدموعِي ربّيتَه و هِجرْني
أم لفته : بُگْتِيه وِچْ بغداد مِنّي
أمّي : يا وَسفَه مِنّي ضِعِتْ يَبْنِي
أم لفته : إبْدَلّاليْ وَيَّتْ نارْ لَفتَه !
لا يلبث هذا الغناء الحزين، حتّى يتحوّل إلى حشرجة و آهات و صيحة آخ يُمّه ، ثمّ يتوقّف فجأةً كما تتوقّف الخيبة التي لا جواب لها، تلك التي تُشبِهُ الغصّة و هي تنام عميقاً من غير أن يكترث لها ذلك الكون القاسي و المُسرع أبداً !
أتوقّف عن اللعب، و أُنصِت و قد سمّرني في مكاني وجومٌ لا تستطيع سنِيّ عمري القليلة فهمهُ أو استيعابه .. تلتفت أم لفته، و كأنّها اكتشفت وجودي فجأةً ، فتنشر ذراعيها باتّجاهي و يُشرِقُ وجهها من تحت الدموع التي كانت ما تزال تنتقل ببطء فوق خَدَّيها المغضّنَين .. تحتضنني و تُقبّلني، ثمّ تجلسني في حجرها، فأجلس ساكناً كما طائرٍ أسكرتْهُ رائحة المِسِچ التي كانت تنبعث منها .. أعود إلى مكاني في باحة البيت، مُستغلّاً حديث أم لفته مع أمّي ، و انشغالها بإشعال الجِكارة و نفث دخانها في الهواء !
بيتنا الطينيّ القديم لم يعد له وجود .. قام محلّه بيت أخرس من طابوق .. إختفى عش الخطّاف، و اختفت الرازُونه القريبة من السقف، مع الشمس التي كانت تحاول عبثاً الدخول إلى الحجرة منها .. أمّا السماء، فكان عليّ أن أرتقي إلى السطح، لأراها كما كنتُ أراها من قبل !
لم يكن لفته في بغداد، لكنّ تلك المرأة التي لم تسافر قطّ، كانت ترى في كلّ مكانٍ آخر بغدادَ النائية و الغامضة.. إحتفظتْ، كما احتفظت القرويّات بإحساس الصِّغار بالبعد و القُرب .. كانت ترى المسافات بعينَي طِفل، و تُحِسُّ بالزّمان كما يُحِسّ به طفلٌ: مديداً بعيداً كأنّهُ البحر !
كان لفته جنديّاً سِيقَ إلى شمال العراق، ليُقاتل أناساً لا يعرفهم، و ليُدافع عن جبلٍ شاهقٍ صامتٍ أجرد لا يعنيه، لكنّ تلكَ القرويّة لم تكن تعرف سوى ذلك الاسم المُخيف القاهر : بغداد !!
تقول أم لفته لأمّي و هي تنفثُ دُخان الجكاره الثانية : ليش خَيّه بدلتُو البيت .. چان وسيع و فرِه .. بيوت الطابوگ چنهه بيوت الحکومه .. سجن تقبض الروح ! ..
تضيف : البيت مثل الجِلِد يا خَيَّه ما يتبَدَّل !
الحجي ما چان راضي .. تجيب أمّي
بس الولد كبروا و تعلموا على بغداد !
آخ يمّه لفته .. تقول تلك القرويّة، صديقة أمّي، فجأةً ، و كأنّها تؤنّب نفسها على نسيانهِا له في خضمّ الحديث ..
خَذوهِ الظِّلّام !
في تلك اللحظات يدخل أخي الكبير الذي قدم في الإجازة الصيفية .. سيمكث شهراً ، أُحِس فيه أنّي في سجن ! أنسلُّ في الظهيرة على أطراف أصابعي خوف أن يستيقظ !
أمسكني بين يديه قبل يومَين، و قال لي كلاماً غير مفهوم .. ضربة الشمس .. تيفوئيد، عليكَ أن تنام الظهر .. لكن كيف لطائرٍ صغيرٍ أن ينام ؟! أركض جرياً إلى الگرمَه التي تعجّ بالصغار .. قبل أن أصل إلى الباب شعرتُ بعطش شديد .. تسلّقتُ الكرسي الخشبي إلى ( الحِبّ ) الفخاريّ البارد ، بدا لي الماء مثل ينبوع صاف، لكنّه بدا لي أيضاً بعيد الغور، ثمّ لاحتْ لي الطّاسة النحاسيّة الصّفراء ترقصُ على صفحة الماء .. مددتُ يدي نحوها، فلم أستطع سوى مسّها بأصابعي .. حاولتُ ثانيةً فتحرّكت الطّاسة بعيداً و اصطدمت بجدار الحِبّ .. إنّها النهاية .. حبستُ أنفاسي و انتظرت .. مرّ الأمرُ بسلام .. لم يوقظ الصّوت أخي الذي كان ينام في الغرفة المحاذية !
لا فائدة من المحاولة .. أمسكتُ بحافة الحِبّ، و طفقتُ أُدلي رأسي في ذلك الحِبّ الفخاري .. لا حاجة للطاسة .. سأشرب الماء بفمي !
هوى نصف جسدي في غيابة الحِبّ، و لم يلبث رأسي أن غطس في الماء.. كانت رجلاي مثل جَناحَي طائرٍ أمسكَ به شرَك، و رحتُ أصرخ، لكنّي لم أكن أسمع سوى صوت بقبقة تُشبهُ صوت طبلٍ ضخم .. كنتُ أختنق وحدي في تلك البئر !!
قالتْ لي أختي و هي تمسح دموعي التي امتزجتْ بماء الحِبّ : إشلون تِشَلْبَه على الحِب ؟! چان مِتتْ ولَك .. الله ستَر!
ضاعتْ الگرمه عليّ هذا اليوم .. هذا ما كنتُ أفكّرُ فيه .. و قلتُ لأختي و هي تحملني إلى الحجرة : يمتَه يرجع إلبَغداد يمتَه؟!!
.....................
بعد ثلاثة أيّام، كانت أمّي تمسكُ بيدي، و نحنُ نعبرالقنطرة الخشبيّة فوق النّهر، سائرَين في ذلك الطريق الذي غطّاه العشب .. منْ بعيد لاحتْ راية العباس الخضراء تُرفرف فوق ذلك الكوخ بجانب شجرة الصفصاف ..
إنّه بيت أمّ لفته ، لكنّهُ بدا هذه المرّة مختلفاً .. كان يعجُّ بالنسوة المتّشحات بالسّواد، و كلّما اقتربنا، كان صوت النحيب و العويل يصّاعدُ منه، و لم تلبث أمّي أنْ صرخَت، حين رأتْ أم لفته تخرج لملاقاتها مُحاطةً بالنّساء المُعْوِلات!!
..................................................................
عاد لفته هذه المرّة جثّةً هامدة !!
.................
* ببغداد لا أعرف دربَه !