الامتثال للحزن انهزامٌ للنفس ، و إحباطٌ للعقل .

يوسف حمك
2018 / 10 / 14

اتصل بي من بعيدٍ يشتكي من تردد حيرةٍ ، و ارتباكٍ من الهموم ، و شبه ضياعٍ من نفحات شجونٍ تهب عليه بين الفينة و الأخرى .
استذكرته أن :
الاشتباك مع هبات الحزن المشبعة بالكآبة المنهمرة علينا ، و محاولة طردها
، و رصد تحركاتها لدفنها قبل أن تسمم حياتنا ، خير وسيلةٍ للدفاع كي لا تتجاوز قدرات احتمالنا . فننهزم و نفقد السيطرة على الذات .
هذا إن تعذر علينا تجفيف منابعها .
لأن ردم المنبع أجدى و أنفع من مقاومة التبعات و نتائجها حسب مبدأ ( الوقاية خير من العلاج )

محاكمة تلك الهبات في جوٍ مرعبٍ ، و اتهامها بالغباء أفضل علاجٍ ، و توجيه السؤال المحرج إليها : لماذا اخترت الشخص الخطأ ؟

إطلاق الأحكام القاسية في قاعة محاكماتٍ عادلةٍ مدخلها من القلب إلى الروح ، و توجيه كلماتٍ لاذعةٍ من العقل كسوطٍ مؤلمٍ إلى نزعات الحزن تلك ، تشعرها بالوجع ، فتفقد الحماس ، مهما استجمعت قواها متنمرةً ، و تفننت لاختراع حجج البقاء ، و ستذبل رويداً رويداً إلى حد الزوال .
ثم تختفي كغيمة ضبابٍ ، تطردها أولى خيوط الشمس حينما تكون جادةً في إصدار أحكامها المنصفة ، و كسر الظلام لاختراقه ، و تدمير سواده .

هكذا العقل حينما يكون ثرياً و أكثر نضجاً ، لمواجهة جلاده الذي يستدرجه
آخذاً به إلى سردابٍ مظلمٍ ، يصر على سرقة مادته الفاعلة المنشطة ، و إطفاء شمعته المتقدة .
ذاك الجلاد هو الحزن القادم إلينا من أقبية هذا الزمن الذي يلفه الغموض .
فيمنحنا قروضاً من المواجع ، كبنكٍ مركزيٍّ للهموم ، على أن يكون سدادها
الركوع طويلاً ، حتى نفقد القدرة على النهوض ، أو ننسى الوقوف مرةً أخرى .