أليس الجندى سليمان خاطريستحق التكريم؟

طلعت رضوان
2018 / 10 / 13


أعتقد أنّ شعبنا (مثل كل شعوب العالم) يعى أنّ (حدود الوطن) مثلها مثل (حرمة السكن الشخصى) بالمعنى الحرفى والواقعى، أى بدون تشبيه أومجاز..ولعلّ التعبيرالشهير(الأرض= العرض) لخـّـص تلك العلاقة الوطيدة بين حدود الوطن، وحدود الملكية الخاصة (سكن أوأرض زراعية إلخ)
وبالرغم من أننى بدأتُ كلامى بصيغة التعميم، حيث قلتُ (شعبنا) بما يعنى- وفق قواعد اللغة- أننى ساويتُ جميع طبقات الشعب (فقراء وأغنياء) ثـمّ شغلنى سؤال: هل ما فعله سليمان خاطرالذى قتل سبعة مواطنين إسرائيليين، كان من الممكن أنْ يفعله شاب من أسرة أرستقراطية/ ثرية..ويعيش حياة مُـرفــّـهة..وليست لديه أدنى مشكلة اجتماعية..وليست لديه أدنى (معرفة) بمشكلات الفلاحين ومعاناتهم مع الأرض الزراعية (من رى وبذورإلخ) وهل هذا الشاب ابن الأسرة الثرية لديه أدنى (معرفة) عن الظروف المعيشية للعمال الزراعيين؟
وإذا كنتُ أزعم أنه لايعرف، فإننى أزعم- أيضـًـا- أنه حتى لوعرف، فإنه لايـُـبالى..وحتى لوتعاطف معهم وتأثربظروفهم المعيشية، التى تصفها التقارير الدولية أنهم يعيشون (تحت خط الفقر) فهل كان سيكون هوسليمان خاطرالذى أطلق الرصاص على الإسرائيليين، لأنّ خاطركان (يعرف) الظروف المعيشية للفقراء مثله..وجسّـد له تفكيره الطفولى/ الفطرى أنّ الاعتداء على حدود مصر، كأنه اعتداء على كرامته المُـفتقدة..وعلى حريته التى لايشعربها، فانفجرالمكبوت فى اللاوعى (كما يذهب إريك فروم ومعظم علماء النفس) ولذلك لم ترتعش يداه وهويمسك بندقيته ويـُـصوّبها على أعداء (الأرض..العرض) فمن هوسليمان خاطر؟
سليمان خاطر(1961- 1986) أحد عناصرقوات الأمن المركزى..كان يؤدى مدة تجنيده على الحدود المصرية مع إسرائيل..وفى يوم5 أكتوبر1985وقف أمام محكمة عسكرية..حكمتْ عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال.
فلماذا كانت تلك المحاكمة العسكرية؟ لأنّ هذا الشاب ابن الفلاحين البسطاء الذين غرسوا فى وعيه معادلة: الأرض، العرض، تحرّكتْ خلايا الدم فى رأسه..وفى كل بدنه..ووصل نشاط تلك الخلايا لدرجة (الغليان) عندما رأى سبعة إسرائليين وهم يتسلــّـلون إلى منطقة حراسته..وبدون تفكير(كأنما بداخله روبوت وجدانى) أمسك سلاحه وقتلهم.
فى تلك الفترة الحالكة من تاريخ مصرفإنّ الصحف الحكومية، بدلامن أنْ تقف بجانبه..وتـُـدافع عن غيرته الوطنية، إذا بها تصفه بالجنون، بينما تولــّـتْ بعض صحف المعارضة (خاصة صحيفة الأهالى) حملة غاية فى الأهمية لتحويل سليمان خاطرإلى محكمة الجنايات بدلامن المحاكمة العسكرية..وردّتْ صحف الحكومة بأنّ خاطركان يرى الأشباح..وصوّرله خياله المريض أنها (أشباح صهيونية)
ولكن خاطرنجح فى تكذيب القضاء العسكرى..وتكذيب الصحافة الحكومية، حيث قال للمحقق العسكرى: كنتُ على أرض مرتفعة، شفتْ مجموعة أجانب: ستات وعيال ومعاهم راجل..ولابسين مايوهات كاشفه جسمهم. قلت لهم يقفوا..دحكو..وما وقفوش..ولما سأله المحقق: طيب ليه قتلتهم؟ قال: عشان التعليمات اللى خدناها من الظباط الكبارممنوع مرورالإسرائيليين والأجانب..ولما إنتوبتحاكمونى كنتم قلتولنا سيبوهم يمرو..وإحنا كنا سبناهم..وسأله المحقق: إنت ليه معمّـرسلاحك علا طول؟ قال: اللى يحب وطنه لازم يعمـّـرسلاحه..وعندما تأكد خاطرأنّ النية مُـبيتة لإدانته، فإنه أبدع مشهدًا دراميـًـا (بشكل تلقائى) حيث نظرلعساكرحراسته وقال لهم: روحو احرسوسينا..سليمان مش محتاج حراسة.
بعد الحكم عليه تعاطفتْ معه أغلب جماهيرشعبنا..وانطلقتْ مظاهرات طلبة الجامعات، حتى جامعات المحافظات مثل جامعة المنصورة..وبعض تلاميذ المدارس الثانوية..وبعد إغتياله داخل زنزانته قالت أمه: ابنى ما انتحرش، ابنى اتقتل عشان ترضى أمريكا وإسرائيل على حكومتنا.
دراما سليمان خاطرانتهتْ بمشهد مأساوى، يصلح لعمل درامى رفيع المستوى، بدلامن الأعمال السطحية الفجة، إنه مشهد السماح لعناصرمن المخابرات الإسرائيلية اقتحموا زنزانة سليمان خاطروقتلتوه..وما يـُـرجـّـح تلك الرواية أنه تـمّ العثورعلى خاطرمشنوقــًـا..ولأنّ أداة الشنق- كما قالت صحف الحكومة- غاية فى السذاجة- كأنما موجهة لمعتوهين بلهاء بلا عقل: أنّ خاطرشنق نفسه ببطانية. ونتيجة غباء من كتب سيناريوالشنق، انكشفتْ الحقيقة..وأنّ خاطرلم ينتحركما قالته أمه..ولكن قــُـتل سواء بأيدى إسرائيلية أوبمعرفة المخابرات المصرية.
وإذا كانت دراما إغتيال سليمان خاطرنالتْ حظها من الشهرة والانتشار، فإنّ دراما قصة الجندى أيمن محمد حسن، تستحق حفرها فى وجدان شعبنا..ولولدينا تعليم وطنى فإنّ قصة البطليْن أيمن محمد وسليمان خاطريحب أنْ تكون ضمن مقررات مادة التربية الوطنية..وذلك لأنّ أيمن قتل21 ضابطــًـا وجنديـًـا إسرائيليـًـا، وجرح عشرين آخرين. لماذا فعل أيمن ذلك؟ لأنه رأى جنديـًـا إسرائيليـًـا يلقى بالعلم المصرى على الأرض..ويدوس عليه بحذائه..ولم يكتف بذلك وإنما أمسك العلم ومسح به حذاءه.
كان المشهد الثانى (رد الفعل على أرض الواقع من النظام المصرى) تقديم أيمن للمحاكمة..والحكم عليه بالسجن.
أيمن مواليد نوفمبر1967من الزقازيق محافظة الشرقية..وفى يوم26نوفمبر 1990كان بموقعه على الحدود المصرية الفلسطينية، أثناء قيام الجيش الإسرائيلى بمذبحة المسجد الأقصى..ولما رأى سيارة جيب إسرائيلية تقتحم حدودنا المصرية/ الفلسطينية، هاجم السيارة لوقفها..وأطلق الأسرائيليون عليه الرصاص..وأصيب فى رأسه بجروح سطحية..وكان رد فعله الطبيعى (بعد أنْ رأى عربات نقل إسرائيلية) تتبع السيارة الجيب أنْ قتل وأصاب الضباط والجنود الإسرائيليين.
فهل هذا الفعل من أيمن يـُـصنـّـف على أنه (من الأعمال الوطنية) أوأنه من الأعمال التى يستحق (مرتكبها) العقاب؟ كان من رأى النظام المصرى (آنذاك) أنّ أيمن يستحق العقاب، فصدرضده الحكم بالسجن12سنة، قضى منهم عشرسنوات. وكل (جريمته) أنه مارس حقه المشروع فى الدفاع عن (حدود الوطن) لأنه تربى على ثقافة قومية غرستْ فيه القيمة المصرية الأصيلة: حدود الوطن مثلها مثل حدود السكن..وتلازمتْ مع هذه القيمة ثنائية: الأرض، العرض.
***