النكبة:وعي الهزيمة والذاكرة المثقوبة

محمود الصباغ
2018 / 10 / 13

قيض لي أن أكون من الجيل الذي عايش نهوض العمل الفدائي الفلسطيني وألقه وقد شكلت أهازيج المقاومة لنا- نحن أشبال الثورة كما كان يطلق علينا آنذاك بفخر مبالغ فيه -مادة غنية في بلورة وعي بدئي لدينا لمعنى فلسطين و الثورة و النكبة , ومازلت أشعر بذات الدرجة من الحماس المجبول بالمرارة كلما سمعت تلك الأغاني ,ولعل أشدها وقعاً ورفضاً للهزيمة تلك التي تقول في أحد مقاطعها
"من قلب الخيمة 
وليل المنفيين
من ذل الوقفة على باب التموين 
فجرنا ثورتنا 
على دربها مشينا" ,,, إلخ 
لا يؤرخن المرء لهزيمته. بل يحتال عليها لتبدو نسقا "عقلانيا" ضمن سرديته حيث تقيد الذاكرة آلية السرد لجهة إضفاء الشرعية على مقولات السارد لتبرير هزيمته، فالمهزوم يمتلك عجزا، ريما فطريا، على التفكير والتصرف بلغة الماضي والمستقبل، فالمنتصر الذي يخلق سرديته سينكر بكل تأكيد خصوصية المهزوم، ولن ينظر للمهزوم كصانع للتاريخ والذاكرة، بل ربما سيتم نكران امتلاكه حتى للتاريخ، تاريخه الخاص به لن ولم يعد ملكه. ولكي يعود للمهزوم تاريخيه يتوجب علينا فتق غلالة الذاكرة وعدم اعتبارها النموذج الحاكم لسرديتنا التاريخية، فالتاريخ بشكل عام يقدم لنا استنتاجات وملاحظات لا علاقة لسردية الذاكرة فيها وهي مختلفة كليا عما يحتويه خزاننا السردي وجهازه المبني على الرواية الشفوية. ونفي مثل هذا الجدل سيصيبنا في الفشل في التعرف على ما هو على المحك في طبيعة أحداث حياتنا اليومية, نظرا لأن وعي الهزيمة المثقوب يتمثل من خلال قيامه بعملية تشويه واسعة الطيف للذاكرة وتشظيتها وتحريفها، وهو أمر منطقي بطبيعة الحال لاسيما حين نبتعد في الزمن عن لحظة الحدث أو حين انتقال عملية السرد لأجيال أحدث لم تعش الحدث ذاته وهو ما نلاحظه على سبيل المثال في ذكرى نكبة فلسطين، حيق مازال اللاجئون وأبنائهم وأحفادهم يصرون على سردية النكبة كما لو أنه حدثت للتو وهم بذلك يساهمون بطريقة أم بأخرى ببقاء هذه السردية حية نابضة، غير انها ذات أوجه مختلفة، حتى يخال للمرء أنها أكثر من نكبة.
غالبا ما يكون الناس مدفوعين بضغط الجماعة و العمليات التي تنطوي عليها ظاهرة الحرب أو التهجير لخلق رغبة ملحة للمساهمة في بقاء هذه المجموعة حية عبر نسيج معقد من الذكريات جوهره قصص و سرديات تمت للواقع بصلة ما، وهم لا يصبحون حقا متعلقين جدا بذكرياتهم ما لم تحتضنها مأساة .وعادة، تنتمي جذور السرد إلى شبكة ديناميكية اجتماعية فعالة ترتبط بعلاقات القربى بالدرجة الأولى ثم بالاشتراك بالمأساة المعاش وبالجهاز التعليمي التربوي ذو السمات الوطنية-القومية الواضحة وغيره من الشبكات الاجتماعية ,ما يجعل السردية عرضة للمبالغة و التهويل لا سيما إذا كانت هذه السردية غير رسمية و مدونة والتي هي بدورها-أي السردية غير الرسمية –مستقلة تماما عن التأثيرات الإيديولوجية, ثمة تحيز معرفي واضح ,هنا,لجهة الافتراض بأن دافع المبالغة في تفاصيل السرد للذاكرة قد يكون "لمعظم الأفراد المشاركين فيها" مدفوعا باعتبارات كبرى. ونظرا لأن المثقفين يميلون إلى أن تكون هذه الاعتبارات ذات دوافع أيديولوجية في المقام الأول، فإنهم يميلون نحو "تعيين" دوافع ايديولوجية مهيمنة على كل من المشاركين والناقلين والرواة. علاوة على ذلك، عندما لا تكون هناك ثمة مزاعم من هذا النوع أو ذاك، فإن شمولية الاستدعاءات الإيديولوجية يتم الترويج لها عبر وسائل التعابير الثقافية التقليدية وهي لا تختلف في كثير من الأحيان عن تلك التي تستخدمها المؤسسة الرسمية لبناء سرديتها الخاصة .من هنا يمكن القول أن الذاكرة الفلسطينية تبدو غريبه عما حولها " لنتذكر كلمة تغريبة ووقعها النفسي و الدرامي في نفوس اللاجئين أكثر من غيره" .إذ ترتكز هذه الذاكرة على جملة "مطالب" تسعى لتكريسها كنص تاريخي شمولي من خلال العودة لماضي -متخيل أو حقيقي- سردي أو نصي ,لبلورة مداركنا و نفسياتنا و سلوكنا على مختلف الجوانب بما في ذلك رؤيتنا للعالم بحد ذاته .علما أن هذه المطالب ليست مستقلة بذاتها , إذ يشترك فيها الإسرائيلي الذي يدعي ذات المطالب و بذات الدرجة النفسية التي يتمتع بها الفلسطيني .
وإذا كان من المستحيل واقعيا وعمليا استعادة الماضي –كما يرى ميشيل فوكو-, فإنه يمكن على الأقل تمثله، وبتوجه مباشر نحو المقصد يمكن القول: ينفرد تاريخ اللجوء الفلسطيني، ومن خلفه ربما تاريخ فلسطين بأكمله بنسق افتراضي غير نقدي ينبع جوهره من قراءة ذاتية تغلب عليها العاطفة و "ذاكرة المهزومين". والمعضلة التي تواجهنا لفهم سردية اللجوء هي في الآلية المتبعة في قراءة وتفسير وتأويل الذاكرة، من حيث اختيار تقنيات او استراتيجيات القراءة التي تقودنا لتفسير و-أو تأويل النص. وتنطوي مثل هذه الاستراتيجيات على افتراضات يتم تبنيها حول نص ما وسرديته ولغته. كما يدور سؤال مركزي آخر هو لماذا نتبنى لروايتنا هذه الطريقة من السرد وليس تلك؟
مثل هذه الافتراضات تلعب دورا في فهمنا للنص وآلياته السردية وما قد يعنيه لنا. ونحن على العموم ننخرط في تقنيات القراءة هذه دون وضع حدود معينة أو أطر لهذه القراءة، على أننا نكون واعين لما نقوم به عندما نقرأ، وهذا ما يخلق أنماطا مختلفة من هذه التقنيات، التي تصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض في قراءة النص الواحد، الأمر الذي من شأنه أن يخلق جدلا يستطب في محرقه التأويل "المرغوب فيه" مما يمهد لنا سبل الدفاع عن قراءتنا (بمعنى موقفنا). وهذا هو، ربما، جوهر تأويل النص، ففيه ومعه تظهر أسباب الخلاف مع الآخرين حول معنى التأويل وغايته.

وباختيار طريقة ما لقراءة سردية النكبة يتولد انطباع مبدئي للمتلقي بحجم المبالغة في هذه السردية، بعيدا عن الأنماط الثقافية الحاملة لها. ولعل ما هو مربك هنا هو الطريقة التي تيم فيها المزاوجة القسرية بين تدوين الحدث التاريخي (النكبة) وتفسير-تأويل هذا الحدث(الهزيمة)، والمحاولة بهما (أي التدوين والتأويل) لخلق ذاكرة جديدة ناجزة "مقاومة" وقد يميل البعض –بطريقة متطرفة للغاية-للاستغناء عن الماضي، كل الماضي باعتباره سببا للهزيمة وتحويله إلى مكب نفايات ممتلئ بسمومها وذكرياتها البائسة. ومن الواضح أن قليلا من هذا السم قد تسرب عميقا في وعينا.
وحيث يتم التشديد على أوجه التشابه الرئيسة بين الناس المشتركين في الحدث , فكثيرا ما نصطدم بتنوعات سردية تشترك في الحبكة المركزية للحدث وهو ما يحيلنا إلى القيام بالبحث عن رمز ما أو رواية متينة أو غيرها لتأويل و دعم حجج السردية المركزية (النكبة) و البحث عن آليات تكيف هذه السردية مع بيئتها الجديدة ( المنافي ) ,فسردية المخيم مثلا ,ذات بنية جوهرها فعل رمزي "ذكوري" يطمح لإعادة الاستيلاء على الوطن ضمن الإطار العام للنضال الوطني للشعب الفلسطيني وهو بذلك يختلف عن سردية أماكن أخرى يعيش فيها الشعب الفلسطيني ,كما تؤكد على ذلك الكثير من الأشياء . لعل أهمها . اللغة الخاصة للمخيم والتطور السياسي و الاجتماعي لسكانه , و موقفه من المدينة ...وملصقاته و أسماء شوارعه وحساسيته المفرطة تجاه القضايا الأمنية ..إلخ. وربما يتجلى الفعل الذكوري في المخيم من خلال "النزق " الحاد الذي يميز سكانه فالمخيم -أي مخيم-هو باختصار التبسيط المعجز في حلقة النضال الوطني والذي لن تكتمل السردية الفلسطينية بدونه بأي حال من الأحوال.
لا يقتصر التحيز التأويلي على الفلسطيني، فللإسرائيلي نصيب وافر منه وهو لا يتوقف -أي التحيز-عند أسطرة الحدث، بل يتعداه إلى ما يمكن وصفه بالتحيز في استخدام المتغيرات المختلفة لتفسير السياسات. وسيكون من الواجب علينا إدراك هذا التحيز، فعملية استحضار التاريخ، عبر روايات متماثلة لا تتطلب منا أن نتخيل للحظة ما كل اللحظات التاريخية لتلك الروايات، ويمكن توضيح ذلك بمثال يتم اشتقاقه من لعدو "الوجودي" والتاريخي" للفلسطينيين، أي إسرائيل المعاصرة التي بنت سرديتها على متكآت تاريخية متمثلة في سرديات العهد القديم عن إسرائيل "القديمة". ومن خلال فهمنا لاستخدام المتغيرات لتفسير السياسات يظهر التحيز التأويلي الإسرائيلي في محاولته الحثيثة لبناء "تاريخ متماسك " يحمل طابع الاستمرارية والتواصل لإسرائيل القديمة. وبناء على ذلك لا يبدو "نسق" تاريخ إسرائيل القديم –كما يرى توماس طومسون - تاريخا بل هو مجرد صياغة عقلانية لإسرائيل التوراتية. وعليه فإن آثاريات فلسطين لم و"لن" تثبت أو تؤكد ولو رواية واحدة من المرويات "التاريخية" التوراتية، بل يمكن القول بأن الأمر يبدو بحسب تعبير جون فان سيترز بأن هناك "افتراض غامض يتبناه علم الآثار التوراتي بخصوص العصور القديمة، مثل هذا الافتراض لا ينبغي استخدامه كوسيلة للبرهان على أن هناك ثمة تاريخ"متصل" لبني إسرائيل منذ أقدم العصور حتى وقتنا الحاضر ",وبالتالي سيتحدد مفهوم هذا النسق من التاريخ الافتراضي من خلال نظرتنا إلى البنية ككل و ليس من خلال نظرتنا إلى العناصر التي تتكون منها و بها البنية وهو في كل الأحوال ليس معادلا بسيطا أو مباشرا لمجسد مادي، حيث نرى نزوعا واضحا لجهة إنتاج تواريخ تختزل أو تطهر الأصول "الغريبة" من تاريخ إسرائيل ليصبح تاريخا "يهوديا" نقيا، يخص أرض الرب و شعب الرب دون سواهم.

إن مفهوم الذاكرة وآلياته السردية هو إشكالي من الناحية التحليلية لأنه من غير الواضح ما إذا كان يشير إلى الأسباب والدوافع، أو يشير إلى مسوغات تبريرية، نظرا لأنه يميل في كثير من الحالات لتقمص دور الضحية والبحث عن مبررات غير ذاتية للهزيمة والمشكلة التي تواجهنا إزاء هذه الحالة هي اتجاه السببية. هل يقوم الناس ببناء سرديتاهم من أجل تبرير الهزيمة أو الفشل؟ هل نستغرب أو نندهش حين نتذكر أحداث حياتنا اليومية فتبدو لنا مبالغ فيها؟ أو غير واقعية رغم أنها مستمدة من الواقع؟ وإذا كانت هذه الحالة الأخيرة هي السبب، فإن الدراما بوصفها عملا ابداعيا يندرج في إطار الفن قد لا تختلف عن الممارسة السردية للتذكر المقبولة على نطاق واسع. أم أنها أقل قابلية لمثل هذا التبسيط؟
مثل هذا التبسيط بلور نسقا اقتات منه حركة المقاومة الفلسطينية منه، ولم تزل، من اجل استكمال مهامها الوطنية. فبدلا من عالم الأبيض والأسود سوف نكتشف سلسلة من المواقف المتميزة، كل منها يمكن أن يستدعي تطوره الداخلي الخاص به. ذاكرة المخيم تقوم على سردية النفي و التهجير و فقدان الارض .بيد أنه بقليل من التمحيص نرى أن هذا ليس أمرا منفردا ومقتصرا على التاريخ القلسطيني ,فثمة في التاريخ الانساني أمثلة لا تحصى لعمليات تهجير قسري لشعوب تم اقتلاعها من مواطنها و تشتت في أصقاع الارض , بل هناك ثمة ما هو أقسى من ذلك من تدمير و إبادة لشعوب و حضارات بأكملها .إذن الوضع الفلسطيني ليس استثناء و لا هو حالة مميزة , إلا من ناحية اشتراكه بتجارب إنسانية متعددة عبر التاريخ و من خلال امتلاكه لسرديته الخاصة به ولروايته و ذاكرته ولكونه يواجه عدوا "ليس كمثله شيء" ,وهذا ما يشكل أحد اكثر الملاحظات ديمومة واتساقا في الوعي الفلسطيني.
غير أن واقع الحال يبين أن كل الفلسطينيين "نكبوا"، فنسيج الذاكرة ما زال لم يبلى بعد والذكريات لا تزال قائمة، وكذلك الأفكار، وإن كان كل ذلك ملغزا ويظهر بشكل متكرر. وهي كابوس حقيقي يقيد أي شخص يسعى إلى الحقائق. حتى المعلومات البسيطة، ليس من السهولة الحصول عليها، ويكمن خلف احصائيات الموت بكل بساطة عالم مهيمن من غموض وندرة المعلومات، فالنكبة عالم ضبابي "عالم ما بعد الفردوس. عالم يجعل المرء أحيانا يؤمن بأن الصراع في فلسطين له وجوه عديدة، في جزء منه هو عالم مزيف ذو مخيلة متورمة. تقوم على بنيان هش من الأسطرة والتحامل وتضخيم الذات وتبرير الهزيمة ينتقل لنا بطريقة تناصية حصرية من القاعدة إلى القمة مستسلمين لفكرة مريحة ترى في إسرائيل قوم من القتلة المتعطشين للدماء نشروا الرعب والدمار والموت في بلادنا حيث كنا نعيش بوئام ومحبة 
أليست هذه الصورة تعكس في جنباتها تحيزا ما؟ ألا تمثل هذه الصورة وجهة نظر النخب الفلسطينية، التقليدية القديمة منها والمعاصرة؟ أليست هذه الصورة هي التي أنتجت مقولة "شعب الجبارين؟”، وقد ساهمت دول ومنظمات وأنظمة على مدى قرن تقريبا في إعادة تدوير هذه الصورة ولم يحاول أحد -إلا من رحم ربي-إظهار ولو بخجل الفجوات هنا وهناك، بل على العكس تماما لقد ساهمنا جميعا في اعتماد هذا التصور، وبطريقة سيئة من خلال رجال دعاية سذج أعاقوا ومازالوا يعيقوا فهم طبيعة وجوهر الصراع وتناقضاته الأساسية.
بعد كل شيء، هذه الصورة ليست خاطئة تماما، وكان لها الفضل في توعية الرأي العام الدولي إلى إعادة النظر في المصير الكارثي للملايين من الفلسطينيين الذين وقعوا ضحية سطو في وضح النهار. لكن هذه الصورة ليست كافية، وطابعها العاطفي يلقي بقناعه على تعقيد وعمق العمليات الاجتماعية والسياسية التي تجري على الأرض والبشر والذاكرة، الأمر الذي يتطلب منا الولوج للبحث الدقيق في عمق ذاكرتنا .... فهناك ثمة حيز للشفق في الظلام الذي يتحدى سرديتنا، سواء كانت خاصة أو رسمية