الشبح (6)

إبراهيم الوراق
2018 / 10 / 11

الشبح
(6)
ما قبل النهاية
وإذا كانت فلسفة الهبوط من الأفق الذهبي، إلى الأفق البرونزي، قد علمت الإنسان كيف يجعل من التماثيل إلها، وكيف يقدسها بما يقدمه لها من ضحايا، وقرابين، لئلا يذهب به التصور مذاهب شتى، فإن فلسفة الصعود التي نادى بها الراهب حين استثقل ذاته المتعبة بالرغبات الفادحة، واستمرأ ما فيها من أحزان، وعصيان، قد أربكت الإنسان في مسيرته الكونية، وغيرت ملامح عودته إلى السماء التي أخرج منها بخطيئته، وفارقها بجريرته، وأفسدت عليه كثيرا من أوقاته التي قدمها لفداء الصورة من صخب الأرض، وهرجها، ومرجها، لأنه حين أوهمه الراهب بوأد ذاته، وذبح روحها، لكي تستنسخ منها روح أخرى، تعود به إلى مقامه الأبدي، لم يبين له طريقا لقطع تلك المراحل الطويلة بلا تعب، ونصب، ولم يكشف له عن غوائل الطريق، وآفاتها الجمة، بل زج به بين أتون متاهات ممتلئة بالكائنات المخالفة لما اعتاده، وألفه، ودسه بين تصورات تختلط فيها رائحة الطين بلون الدم، والخمرة، وتمتزج فيها كل عناصر الكون، وأخلاط الإنسان. فلم يدر كيف سينتصر لذا، أو كيف سيهتدي إلى ذاك. فإذا انتصر للطين، فهل سيعرج به على رفرف أمنيته، ويحلق به إلى بؤرة الفيض التي سالت من خوابيها كل المعاني التي فتنت هذا الكائن عبر التاريخ، ثم يجلسه على أريكة انتظار رؤية إله الآلهة التي قدسها الإنسان بالدم، وعبدها بالخمرة.؟ أم سيكبو جواده، وينحرف عن وجهته، فتغتاله وحوش الغابة، وأشباحها النهمة إلى الدم المهدور بلا قيمة.؟
شيء من ذا، أو ذاك، لم يحدث، ولو حدث في زمن انتصرت فيه إرادة الراهب، فإنه لم يحدث في أزمان أخرى، ردد فيها الإنسان الأساطير، وكتبها، ودونها، وعظم ما فيها من أرواح، وأشباح، لأن ما تعوده الإنسان من زيارة المراقد، والانتقال إليها لكسب أمانها، وجلب بركاتها، لم يكن رواية متواترة، وحكاية متوارثة، إلا حين أحس هذا الكائن الميتافيزيقي بفقدان أمنه بين الأكوار المنتفشة بالغدر، والكدر، فانزاح إلى مجاثم الأموات طلبا للنجدة، وبحثا عن الخلاص، إذ لو لم يحمل ذلك معناه الذي سلب لبه، وأنساه غيره، لما كانت له قيمة الاستمرار في الزمان، والمكان، لأن ما يخلده التاريخ للأجيال القادمة، لا يكون إلا وجودا مفعما بروح الفكرة، وقوتها، وشدة مراسها، وصلابتها في غرس فسيلة الوهم، أو الحقيقة. لكن، أي معنى تحمله زيارة المقابر، وهي في عين الراهب لا تستكنه صوتا، ولا تستهدي نظرا.؟ لعل ما جسده الإنسان من صور للطهارة، وقدسها في الديار، والأشجار، والأحجار، وغيرها، لم يكن له ذلك المعنى الوجودي، إلا حين أيقن بأن فيها هدوءا، وسكينة، لا تنالان إلا باحترام الأشياء التي تدل عليها في الطبيعة، إذ لو كانت تلك المعاني خلاء من روح الموجود المحظور، والمعدوم المطلوب، لما تجسد فيها المراد الممنوع، ولما اكتفى بها اليائس عن كلام الراهب، ووساوسه التي زرعها في المعبد، والقداس، والترانيم، وغرسها في الدروب، والأسواق، والغابات، لأن قصارى الجهد في الفعل البشري، ونهايته في تصور ضرورة الصعود للتخلص من نجاسة الإنسان، وقذارته التي حرمته من طهرانية السماء، لم تلتف حوله كل النيات فيما عقدته من قوي العزائم، والرغبات،ولم تتفق عليه في كل المراحل التي قطعتها للوصول إلى عالم الإله السماوي، أو الابتعاد عنه لمناصرة الإله الأرضي، إذ رأى الإنسان خلاصه في ذاته، وفي أرضه، وفي ترابه، وفي مائه، وفي زرعه، وفي وديانه، وفي أنهاره، واعتبرها إلهه الذي يعرف حقيقته، ويدرك طبيعته، ويرتاح لجنابه، ويحادثه عيانا، ويهرع إليه لوذا، وهو معه حيثما سافر، وارتحل، لا يناديه إلا واستجاب له، ولا يرافقه إلا وأرشده، ولا يحتمي به إلا ووقاه، لأن تخيله كائنا ملازما له، هو الذي يجعل لنسمته روْحا في ذاته، وعطرا في كونه.
وهنا ابتدأت رحلة الإنسان مع الإله الإنسان، ومرافقته له في أزمنته التي قضاها بين جدران المعبد، وفضاء الطبيعة، وآفاق الكون، على اعتباره مطلقا وجوديا، له خصوصية الأبدية، والديمومة. وهنا خطت الفلسفة خطوات متقدمة في تقريب الصورة بين الإله، وبين طالبي مجده، وخلده الأبدي، على اعتبارها جماع التجربة التي أبرزتها الدهشة، وأشعلت جذوتها الخبرة. وهنا نحت اللغة منحى آخر في التعبير، وسلكت مسلكا آخر في سبك المعاني، وارتحلت من اللسان العام إلى اللسان الخاص، على اعتبارها مخاض الإنسان في صراعه الذاتي مع مفاهيمه، ونزاعه مع دلالتها على وقائعها، ومواضيعها. ولذا، فإن تصور الإله بهذا المعنى المستوحى من أعماق الذات، ومن أغوار التجارب المحددة لكليات المعنى، ومن أنجاد الخبرات الممحصة لمعاني الوجود، يقرب المسافات بين الصورة، وماهيتها، وبين الماهية وكليتها الكونية، ويدنو بحقيقتها الماهوية إلى رسم الكمال، ونحت الجلال، ونقش الجمال، إذ تصوره كائنا هلاميا، متماهيا في عتمة العماء، لا تطيق اللغة التعبير عنه بمعانيها المطلقة، (وإن كانت قد عبرت عنه بما رصته من ألفاظها، لكي تحصره عن غيره، وتلزم الناس بما كتب من عبارات على باب المدينة المقدسة، وتوجب عليهم ما رسمت من طقوس لسكان الدير الصامت في اكفهرار، وانتظار)، لم ينجز ذلك المشترك الذي تتلاحم البشرية حول مفهومه، ولا ذلك الهدف الذي تسعى إليه في كبدها، وترنو إليه بنظرها، وترقب خلاصه الآتي من أقصى الأماكن المرئية بثاقب بصر البصراء، بل غمسها ذلك التأثيل في خدعة اللغة، وألاعيبها الفاتنة، وغطسها في لجة الحدود، وأوهامها الفاتكة، فظنت تبرج الألفاظ يحمل ما حُملته من أفكار، وما حشيت به من أسرار.
وهكذا، فإن حقيقة ما تحاوله الكتب التي حبرت هذا المعنى، وزينته بتصورها المحدد، وأقامت له معابد، وأهانت من أجله أقواما، وأذابت في سبيله أمما، لم يكن إلا تجميعا لمتفرق لا تستوعب جمعه المعاجم، ولا تحصر حده العبارات، ولا تدرك وحدته الأذهان، ولا تعي معناه العقول حين تبني بتصورها له قيم الأفكار، ودوافع السلوك، وروافد الأخلاق، إذ اهتمت بالحد لا بالمحدود، وبالبيان، لا بالمبيَّن، فانتقت جزل الألفاظ لغامض المعاني، وظاهر المباني، ولم يأت منها الإفهام للمقصود، ولا الإعراب عن المراد، لأن الإله في الاعتبار الذي استشاط الراهب غضبا لفرض مداره، وجبر الناس على اعتقاد ما يدور في فلكه، لن يكون حقيقة غير متناهية عند المتولهين، ولا ماهية غير محدودة عند الإشراقيين، ما دمنا لم نطق أن نعبر عنه بالألفاظ، ولا أن نحصره بالمعاني، ولا أن نقيده بالحدود، فيكون كلامنا عنه دالا عليه بلا اختلاف، ولا التفات، إذ تعتبر ماهيته سديما في خواء، لا نشاهد عماءها في كوة الوجود، إلا إذا شربناها خمرة على بساطه، ورقصناها رقصة في فضائه، وجنيناها لحظة من كونه الذي لا تحتل أجرامنا فيه إلا نقطة مطموسة، تلاشى مدادها في قعر سنائه، وغور بهائه؛ وهي التي نملأها بزفير أحزاننا، وآلامنا، وأوجاعنا، وهي التي يمكن لها أن تحتوي بلايين الخلائق المنتشرين في كل الأجرام، والكواكب، والأفلاك، وبلايين البشر المسرعين في مشيهم، والطائرين بمراكبهم، والراحلين من الأقصى إلى الأدنى، لكي يروا الشمس في منبتها، والقمر في مولده، لأننا إذا وصلنا إلى هذه القطرة التي نسمت الدم في روح الوردة، فخلبت لب العاشق الذواق، لن نجسد الإله، ولن نسبكه في نظم البيان، ورص الحدود، بل نجعله كل شيء، وحقيقة كل شيء، ومعنى كل شيء.!
وبعد مضي ردح من الزمن، كان الأغرب في العقل البشري، ولو طالتنا حروب مجنونة، أنه ما زالت فيه للدم صولة، وللخمر جولة، إذ جسدها الأدب الصوفي بجلاء، ومثلها في أشعاره، ومواويله، وموشحاته، لأن الغاية من سماع ذلك، والتطرب به، هو العودة بالإنسان إلى الامتزاج بلحظة البساطة التي فارقها بكثافة المادة، وفاصلها برغبة الصعود عن قفص جسده، وحضن شهواته، ودفء لذاته، وهو ما وجد إلا ليدرك ذاته بذاته في أرضه، ويستلهم منها المعاني التي ينصهر بها مع لحظة تفجر الإشراق في الكون، وفيضه الممتد إلى كل كائن متصف بالوجود، حيث كان الدم روحا، وحيث كانت الخمرة نفسا، وزالت عن الأشياء أضدادها، وتخلصت من أشباهها، وأعربت عن كنهها بحقيقتها، وأفصحت عن مرادها برغبتها. لكن، ولو تعقلن العلم في كثير من مراحله، وعظم بما احتواه من معارف جمة، كشفت قناع الادعاء عن الراهب، وفضحته في قعر ديره، ونفت المطلق عن هيكله، والطهارة عن قداسه، فإن الخرافة في بساطتها، ودماثة سلوكها، وعفة مظاهرها، ما فتئت تمثل مرحلة البداوة في الفكر البشري، وتجسد ذلك الزمن البريء في البحث عن الحرية، والطلب لكل ما هو طفولي، ورومانسي بريء، بينما العلم الذي انتجع العالمُ مرتعه الخصيب، كان من لازم حظه الجميل، وكسبه الجليل، أنه ارتحل في الزمان، والمكان، وسافر بعيدا عن أكنانه، ودياره، والتقى بثقافات شعوب كثيرة، وقرأ تواريخ أمم عظيمة، فتطور حدسه، وتمدن ذوقه، واستطاع بتجاربه المكتنزة لإدراكه القوي، أن يضع تصورا كليا للأشياء، ويؤسس لمهاد جديدة في الفهم، والوعي، والمعرفة، بينما بقيت الخرافة جاثمة على ركبتيها المرتجفين، وعينيها المرتعشتين، لا تبرح خوفها، ولا تفارق ألمها، بل قاومت من أجل بقائها، وناضلت، وجابهت، لئلا تموت، وتفنى، وأنى لها أن تزول من العقول، والقلوب، لأن في نهايتها خمود لألم العالم، وصوته الباطني المعبر عن العجز في تصوره للخلاص، إذ في جؤار عمق هذا الإنسان، وصخب صدره شيء من الفراغ، لا يملأ عينَ الضائع فيه إلا وهمٌ يخفف من حيرته، ويعيد إليه بعض سكينته، ما دام تعقل العالم، وعقلانيته، لا ينتجان إلا الحروب، والخراب، والدمار، لأن الخرافة في عفويتها، وسذاجتها، لا تستلهم قوتها إلا في كونها ذات مغزى، إذ تسبل على الجماد والوحوش وغيرها معنى الإنسان، وتمنحه القدرة على إنجاز ما منع منه هذا الكائن العاقل، والواعي، ما دامت حقيقته الكونية معطلة، وأجهزة فعله الأخلاقي مختلة، لأن غاية الخرافة، هو أنسنة الموجود، وتخليق الطبيعة، لكي يتمتع الكون بنسيم الوجود.
هكذا يكون في حقيقة الخرافة شيء من العلم، على اعتبار عودتها إلى الطبيعة الساكنة، وتقديس ما فيها من معاني الروح الكلية، وفي ماهية العلم شيء من الخرافة، على اعتبار انطلاقته من حيث انتهت هي، وبدايته من تصورها للحقيقة، لأن العلم، حين لا يكون مستوعبا للثقافات، ومستجمعا للحضارات، ومستهديا إلى سبيل لم شتات العالم، وإمتاعه بأنس الوحدة المتكاثرة، لا يكون ثقافة إنسانية، ومعرفة كونية، بل تبرز في حضيضه آليات الممانعة، والمقاومة، وتظهر عليه ملامح الشبحية، والتبعية، فيغدو مع طول الزمن في الانكسار خرافة تتحصن بلباس المطلقات، وتتزين بحلي الكليات، لا تفسر الأشياء الظاهرة بمنطقها المادي، وإنما تحتاج هي في بنائها إلى تفسير لمركبها النفسي، ومكونها الاجتماعي، لكي نتعرف من خلال دراستها على مراحل تطور العقل البشري، وفترات توقفه، وانكفائه على ذاته، ولحظات تحول قوامته إلى عقل آخر، يكمل مسيرة الحضارة في الكوكب الأرضي. ولذا لا غرابة إذا عاد العقل العربي إلى أفلاطون بعد أن غدر بابن رشد تلميذ أرسطو، وحواريه، واستساغ في حرب حامية الوطيس أن ينتصر للغزالي، ويتخلى عن الفارابي، وابن سينا، لأن الغزالي، لم يكن إلا لحظة لبداية الرجوع إلى الوراء، لكي تتناكح الخرافة مع العلم على سرير الراهب، فينجبان في شهوتهما شعوبا متخلفة، وأمة مترهلة، جعلت الدين متصلا بما لا علاقة له به؛ وهو التنظيم الاجتماعي، والتدبير للجماعي، وهما لم يكونا عقودا التزمت بمقتضاها البشرية، وتآلفت على الإلزام والالتزام بها، إلا حين حين وضعت الحروب الدينية أوزارها، فلم تجد لها إلا معاد السلم ملاذا، ومآل الأمن مرفأ، إذ ذلك، هو الذي سيمحنها القدرة على التفكير العقلاني، ويهبها وسائل قلع أشجار الكراهية، والعنف، والإرهاب، ويهديها إلى أقوم سبل الحضارة، والتقدم العلمي، والتكنولوجي.
وإذا كان الدين هو علاقة الإنسان بصورة الإله المتعالية، أو بفكرته المطلقة المتسامية، فإن الخرافة التي غمرت الدير، وسودت جدارنه، ونفخت في هياكله وتماثيله روحا أخرى، قد صيرته سيفا مسلولا على إذلال الرقاب، وسجنا رديئا لذوي الألباب، وسواء ما واجه به المخالفين، أو ما قاوم به المعارضين، لأن استعمال الدين فيما حقُّ معرفته السؤالُ عن المُغرب، والاستفسار عن المغلق، والاستيضاح للمبهم، وواجبُ أدبه الجلوس على مائدة الحوار المتخلق، والنقاش المتأدب، والخروج من ضيق الفكرة إلى سعتها، ومن تفسير مقصور على نظر واحد إلى تأويلات متعددة، هو الذي أذهب ريح التدين عن النفوس، وأزال مناعته في القلوب، وأقصى قيم المعنى في الأرواح، فلم تعد الغيرة على الكرامة البشرية أصلا أصيلا في الأديان، ولا أساسا قويما لبناء صلة الأرض بالسماء، ولا قاعدة محكمة للتآلف، والتآخي، لأن ما طبعه أنه بشري، لا يمكن أن ينزل عليه حكم أنه إلهي، لاختلاف المراتب جدلا في الصعود، والهبوط، إذ الدين لم يجرب معضلات الاجتماع، ولم يخبر ما ينفعل في حياة الناس من تقاطب، وتجاذب، وما يتمخض عن ذلك من نزاع، وصراع، لأنه في تعاليه عن البشرية، وتساميه عما يموج في عمقها من تيارات، وتشكلات، لا يتضمن إلا الكليات التي تدبر العقل، والفكر، وتوطد لقيم الحضارة، والعمران، إذ غاية كل فكر سوي في الوجود، أن يحصن مناعة الإنسان، ويفجر قوته في مواجهة الصعاب، ومقارعة الأنداب، وأن ينعمه في رحاب الفكر بالمتع المحوَّطة من الآلام، والمسيجة من الأورام، وسواء في تلك الرغبة الأديان، والفلسفات، والثقافات، إذ لا هدف لها إلا أن توضح معالم هذا الأمل الباسم، والتفاؤل الناعم، وتبين وسائل اكتشافه، وطرق كسبه، وأساليب الإبقاء عليه قويم الجلب، وسليم الأرب، لئلا ينحرف عن حقيقته، وينجرف إلى متاهات الخوف، والوجف، وينساق إلى ما يفسد الشعور بالأمن، والأمان، والسلم، والسلام.
وإذا كنا قد عرجنا على بعضٍ من مفاهيم الشبح، ومررنا على شيءٍ من دروبه المخضلة بالفزع، والهلع، واجتزنا جزءا من دوره المبدد بالطمع، والجشع، فإن ما عن لي في مسيري نحو الانسلاخ من جبة الماضي، والانسباك في قالب الحاضر، والانفعال معه بما يقتضيه مقام المشرد عن محلات تلاده، وملذات مهاده، أن أتحرر من كابوس هذا الشبح، وجاثوم هذا الراهب الذي تلبد على جوف فكري، وعنق واقعي، وأتخلص من عهود كنت أبرمت صفقتها في جهل غض بأحلام الطفولة، ووثقت مواثيقها بما جرى به الفرق بين طباع قد يكون فيها شيء من الشراسة، والغلظة، والجفاء، وأخلاق لم أجنها نفاقا، وتزلفا، وتملقا. لكن، ربما لم يكتب القدر للخرافة أن تنأى عن ذاتي، ولا أن تبتعد عن كياني، لأنها ما زالت تنمي في فؤادي فسائل توهمني بأن الشبح يأخذ بناصيتي، ويقبض على نبض حياتي، ويحكم معين مواردي، إذ دقات قلبي المتشظي ذعرا، وتقبضا، ليست إلا من تحذيره لعقلي، وتعطيله لملكاتي، لأن ما يسري في باطني من حسرة، وما يجابهني في ظاهري من ندامة، ليست إلا برهانا على أنني كنت رهينة مأسورة في سجن الوهم؛ وهو نسيم تستنشقه الخرافة؛ وهي ملاذ تستروحه الأشباح المخيفة، وطائرا محصورا في كهف الألم؛ وهو الإلهام الذي قُدر على الكاتب أن يمحص حرفه، ويزيل عنه شوائب العلل الخفية. فهل سأمشي في كبواتي مقيدا، وفي نظراتي مبددا.؟ أم سأتوه بين خطوات أجر فيها ذيلي بعجز، وخدر، لعلي أن أعثر بين الغوائل على لذة نافذة، أقتحم بها رتابة الأماكن، وملالة الانتظار.؟
لم أفكر في ذلك اللباس الذي ارتديته منتشيا، وتدثرت به متعاظما، وأنا قد كبرت عن نط الأرانب حول عرائن الأسود، وشخت عن أن أرى طلاء وجهي بهيا على حباب كؤوس المنى، لأن ما تسلل إلى جسمي من أوضار الماضي، وأوساخ الحاضر، يهجم بغاراته على قراري، ويزحف بخفاف قسوته على جماجم أحلامي، فأجدني مثقلا بأصفاد الخوف من مستقبل قادم بين غابات المجهول بلا إخبار، ولا إنذار. لكني وإن تمردت على ناموسي، ولحيت نفسي، وعاتبتها على وجلها، وعذلتها على جبنها، ولمتها على كسلها في الموارد العصية، وشتمتها على إحجامها عن درك صور ما هو متبرج بين الديار من قيعان يسكنها العنف، والجور، والطغيان، وتحكمها علاقات متدفقة من زفير هذا الإنسان المخضرم الإدراك، والمضطرب المعاني، والمشوش المفاهيم، فإني أرغمها على أن تخطو بين تلك المناطق التي تسكنها كائنات أخرى، كرهتها في صغري، وطفولتي، وأحببتها في فتوتي، وشبابي.! وحقا، كان من غبن شجاعتي، وكساد جرأتي، أني ما أن أرى الظلمة الآبدة بالأفق، إلا وأشعر بنوبة القرف من أشباح تطاردني، وتضايقني، وتحاصرني، وكأنها تتحرك في كل مكان، وتنطلق في كل اتجاه أهرع إليه للخلاص، لكي تبتلعني بخراطيمها الممدودة إلى آثار أقدامي، ومنزع أنظاري، ثم تمضغني بأنيابها السوداء، وتخرجني من جوفها جشاء، أو فساء، لأنها في منتهى تقديري لما شربته من خمرة الحلاج، لا تحس بالعذوبة إلا حين تهين ما تبقى فينا من دلالات على الإنسان المنقرض البائد.
هكذا انتهى الفصل الأول بين دياجير عقلي، وحنادس قلبي، وهكذا وقعت صك الفوت، والفقد، ووثقت عقد الغدر، والخذلان. لكن، ومهما اغتررت بما علمني الوجع من تمرد، وتغزل بالحرية، وتشظ بين وجودية، وعبثية، وعدمية، لم يخلص العسل لأحدها، فيوصف بوصفه في زمن بدين بالمماذقين، والمداجنين، فإني ما زلت أحس برواسب انكسار يسكن مروج أوجاعي، ويستوطن شعاب أقداري، لأني، وإن احتميت بقبعة العلم التي غطت رأسي النحيف بين القديسين، واكتفيت بصفتي عن درك نواميس الرياضيات، والفيزيائيات، والتفتت إلى الضفة الأخرى الذي مشيت عليها متعاليا بما تلقفته من معلومات، وعبارات، فإن تلك الأشباح المتصارعة بين درس الماضي، ودروس الحاضر، والمتحاربة في أفكار عقلي، وأشباح آرائه، ومواقفه، لا تزال تعكر صفو تأمل ما يجري في الكون من قوانين صارمة، لا تشفق على جاهل حقيقتها، وطبيعتها، أو خائن بناها، وقواها، ولا ترحم غرا فند عمره في تصديق الوعود الكاذبة، والأماني الفارغة، فأطرح سؤالي عن سبب ورودي تيه المتاهات، وحيرة الغفلات، واستفهم، واستخبر، لماذا تهاوى البناء، وقد كان جرمه قائما فينا بإغراء.؟ ولماذا جف القلم، وانطوى حبره على جفوة قاسية، أزالت لحن الوجود بخنجر التاريخ، وسيف حكايات غدرت بالإنسان، وبأخلاق الإنسانية، وبقيم الكون، وبكل المثل الذي ناضلت من أجلها الثقافات والفلسفات والأديان والآلهة السماويون، والأرضيون.؟ أجل، اقرأه مصلصِلا، مجلجلا، تسمع نبرات صوت باك يصرخ بكل ما فيه من قوة، وحدة، وتأمله مشتتا، ومفتتا، تحس فيه بنبضات قلب أثخنته جراح الحزن، وندوب الزمن. فمن أنا، لكي تلفظني الأرض، وينبذني الإنسان، وتجفوني الطبيعة، وترفضني السماء.؟