المجلس المركزي والتحديات الراهنة

محسن ابو رمضان
2018 / 10 / 11

المجلس المركزي والتحديات الراهنة
بقلم / محسن ابو رمضان

تحاول الادارة الأمريكية تمرير صفقة القرن بخطوات عملية كما كان قد صرح غرينبلات المبعوث الامريكي لعملية السلام ، فهي ليست بحاجة إلى مفاوضات او تعاقدات سياسية ، بل تعمل على تنفيذها عملياً على الارض بخطوات متدرجة ومتلاحقة .
اعتقدت الادارة الامريكية انها انهت كل من موضوعات القدس ، اللاجئين ، الاستيطان ، واضافت على ذلك إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن ووقف المساعدات الامريكية التي من خلالها يتم تنفيذ مشاريع لها علاقة بالبنية التحتية بما يشمل المشاريع الانسانية مثل تلك الخاصة بمستشفيات القدس .
الهجوم الامريكي الشرس تزامن مع محاولات ابراز تدهور الاوضاع الانسانية في قطاع غزة وقد بدأ ذلك من خلال لقاء العصف الفكري الذي نظم في واشنطن في بداية العام الحالي من قبل مبعوثي الرئيس الامريكي للعملية السياسية " كوشنير وغرينبلات " بخصوص قطاع غزة والذي تبع بلقاءات لمجتمع المانحين في بروكسل بترتيب من مبعوث الامم المتحدة لعملية السلام ميلادنينوف .
ينبع الخداع الامريكي عند التباكي على تدهور الاوضاع الانسانية للعديد من الأسباب، أبرزها ان الولايات المتحدة وعبر الرباعية الدولية هي التي فرضت الحصار الظالم على قطاع غزة وفرضت شروطاً تعجيزية للعلاقة مع حماس وهي التي اوقفت المساهمات الامريكية للأنروا من اجل تصفية قضية اللاجئين ، وهي التي قامت بالخطوات الهجومية على السلطة الفلسطينية ، بما في ذلك وقف المساعدات الامريكية بصورة شاملة وبما يتضمن كافة القطاعات دون استثناء.
لم تكن الاجراءات المفروضة من قبل السلطة بخصوص الموظفين العموميين بالقطاع عبر الخصم على رواتبهم موفقة ، بل ساهمت بتوسيع الفجوة الانسانية في جدار القطاع الأمر الذي مكن بعض الاوساط الدولية والاقليمية للتحرك عبر تضخيم هذه الفجوة والتباكي عبر دموع التماسيح على تدهور الاوضاع المعيشية والانسانية في قطاع غزة ، وقد عمق هذه التحركات ووسع من مجالاتها مسيرات العودة وكسر الحصار التي شكلت نقطة ضوء هامة في مسيرة العمل الوطني الفلسطيني خاصة في اطار الطابع الشعبي والسلمي حيث اربكت الاحتلال ودفعت قطاع غزة ليتم وضعه على أجندة جدول الاعمال لحكومة الاحتلال ، وذلك باتجاه البحث عن حلول خارج دائرة العنف والعدوان الذي تم تجريبه لثلاثة مرات سابقة دون ان يحقق نتائج عملية على الارض، الأمر الذي عزز من الاتجاه الرامي لايجاد معالجات انسانية سياسية لقطاع غزة .
وبالوقت الذي لم تكن اجراءات السلطة المدخل الصحيح للوصول إلى المصالحة فإن آلية إدارة هذا الملف كان يفترض المزيد من المرونة واستيعاب الوقائع الجديدة التي تم تأسيسها بعد حوالي 12 عاماً من الحصار ضمن فلسفة الشراكة وليس على قاعدة العودة إلى مرحلة ما قبل عام 2007 بسبب الصعوبات الموضوعية أمام ذلك ، ومن اجل اشعار طرفي الانقسام بأنهم فائزون ، بدلاً من شعور طرف أنه انتصر على طرف آخر بما لا يساهم في توفير مناخات من الثقة لاستكمال عملية المصالحة بما يشمل الانتخابات والمنظمة .
وإذا كانت صفقة ترامب تركز على قطاع غزة ليصبح مركز الكيان السياسي الفلسطيني وباتجاه فصله عن القطاع ليتم تقويض فكرة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 ، ويتم الاستفراد بالضفة الغربية عبر ضم مساحة لا تقل عن 60% منها ، فإن معالجة هذه المعضلة تتطلب التفكير بسبل احباطها وفي المقدمة من ذلك رفع الاجراءات المفروضة من قبل السلطة على القطاع واتباع استراتيجية هجوم المصالحة وفق معادلة " فائز – فائز " .
لقد تم استثمار حالة الاستعصاء في ملف المصالحة والاستمرار بالانقسام باتجاه التدخل من جديد باتجاه توفير المواد اللوجستية والتسهيلات الانسانية والاقتصادية والموارد المالية إلى القطاع والذي بدأت أولى حلقاته من خلال ادخال الوقود القطري إلى القطاع دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية ، والذي سيتبعه دفع رواتب موظفي حماس في غزة وسلسلة من المشاريع القادمة الأمر الذي تحاول به كل من الولايات المتحدة واسرائيل اعطاء اشارة جدية للرئيس محمود عباس بأنهم سائرون باتجاه مسار غزة بغض النظر عنه ، وكوسيلة للضغط عليه في نفس الوقت من أجل التجاوب مع المقترحات الخاصة بالتهدئة ، والدفع باتجاه الموافقة عليها عبر مد حكومة السلطة إلى القطاع بعيداً عن شروطه لتنفيذ مشاريع بها وتوفير مناخات تقود لتحويل القطاع إلى كيان سياسي مستقل وفي محاولة للاستفراد الكامل بالضفة عبر تنفيذ سياسة المعازل والبانتوستانات بها.
امام هذه التحولات الخطرة التي تعصف بالقضية الوطنية لشعبنا والتي كان أحد تجلياتها قانون القومية العنصري الذي تبناه الكنيست الاسرائيلي وبهدف وقف الاندفاعة الرامية إلى تفتيت وحدة الارض والوطن والشعب والهوية ، فمن الضروري قيام المجلس المركزي الفلسطيني المزمع عقده قريباً بالعديد من الخطوات الرامية لاعادة ترميم الحالة الوطنية الفلسطينية عبر انهاء الانقسام وتحقيق الوحدة والشراكة وفق بنية مؤسسية وسياسية وإدارية موحدة .
إن وقف الاجراءات المفروضة على القطاع وعدم تنفيذ اية خطوات جديدة بات ضرورة ملحة فبسبب حدة الانقسام يتم تصوير دور المجلس القادمة بأنها فراغه في وجه ابناء القطاع وأصبح السؤال الدارج على لسان أي مواطن ماذا سيتخذ المجلس من قرارات جديدة تجاه القطاع ، هذا يتم في ظل مناخات الاحباط والارتفاع غير المسبوق في معدلات الفقر البطالة ، الأمر الذي ادى لتفاعل المزاج العام ايجابياً مع اية حلول انسانية بسبب الحصار المديد والطويل وظروف المعيشة القاسية .
المجلس المركزي شرع قرارات ليس بالدورة السابقة فقط ولكن في دورة عام 2015 والذي تم التأكيد عليها في دورة المجلس في بداية عام 2018 وكذلك في دورة المجلس الوطني في ابرايل من العام الحالي .
أبرز القرارات التي تم تشريعها تكمن في تحديد العلاقة مع اسرائيل والولايات المتحدة ومنها تعليق الاعتراف بإسرائيل مالم تعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 ، ووقف العمل بكل من التنسيق الامني وبروتوكول باريس الاقتصادي ، وعدم السماح للولايات المتحدة بأن تكون راعياً وحيداً للعملية السياسية ، كما أكدت قرارات المجلس المركزي وبالإجماع بضرورة رفع الاجراءات المفروضة على قطاع غزة فوراً ، الأمر الذي يتطلب قيام اللجنة التنفيذية بتطبيق هذه القرارات الناتجة عن المؤسسة التشريعية التابعة للمنظمة ، بدون اية مبررات للتأخير أو الابطاء .
المعروف ان المجلس المركزي يشرع القرارات ولكن مسؤولية التنفيذ تقع على عاتق اللجنة التنفيذية اما محاولة تصوير المجلس المركزي بأنه المشرع والمنفذ فهذا ليس له علاقة بالنظام الداخلي للمنظمة كما يأتي في اطار التهويل من مخاطر ودور المجلس المركزي في اطار المناكفة الاعلامية والسياسية الناتجة عن حالة الانقسام .
إذا اريد لدورة المجلس المركزي القادمة النجاح فعليها العمل على تقريب المسافات وترتيب العلاقة بين القوى السياسية المندرجة بالمنظمة وكذلك مع حركة حماس عبر السعي لتنفيذ بنود اتفاقات المصالحة على قاعدة تضمن اعادة هيكلة وتطوير ودمقرطة مؤسسات المنظمة لتصبح جبهة وطنية عريضة تقود مرحلة التحرر الوطني في مواجهة التحديات الخطرة القادمة المحدقة بالقضية الوطنية لشعبنا .
اقترح على الرئيس محمود عباس القيام بدعوة ممثلين عن حركتي حماس والجهاد لحضور دورة المجلس المركزي القادم الأمر الذي سيساهم في افشال المخطط الجاري وسيعمل على توفير مناخات من الثقة المتبادلة تقود إلى مرحلة جديدة نحن بأمس الحاجة لها في هذه الظروف من اجل مواجهة مخاطر تصفية القضية المجسدة بصفقة ترامب .

انتهى