سعةُ الرحمةِ الإلهية

عبدالجبار الرفاعي
2018 / 10 / 11

الرحمةُ صوتُ الله، ومعيارُ إنسانية الدين. لا يؤتي الدينُ ثماره مالم يكن تجربةً ايمانية تنبض فيها روحُ المؤمن بالرحمة. الرحمةُ بوصلةٌ توجِّه أهدافَ الدين، فكلُّ دين مفرغ من الرحمة يفتقدُ رسالته الإنسانية، ويفتقرُ إلى الطاقة الملهمة لإيقاظ روح وقلب وضمير الكائن البشري. الرحمةُ حالةٌ عامةٌ لا تُخصّص، تفيضها الروحُ الرحيمة على الكلّ. لكن القراءاتِ الاختزالية لنصوص الكتب المقدسة أنتجت لاهوتًا صراطيًا في الأديانِ يُخصّص الرحمةَ بمن يعتقد بها، بمعنى أن هذه القراءات انتهت بكلّ دينٍ إلى أن يرى نفسه هو الحقّ وما سواه باطل، وأن أتباعَه هم المفلحون، فهم وحدهم الذين يستحقّون الرحمةَ فيظفرون بالخلاصِ ويفوزون بالنجاةِ.
استند اللاهوتُ الصراطي في الأديانِ الإبراهيميةِ على شيءٍ مما ورد في كتبها المقدّسة، مما يشير إلى انحصار النجاة في الاعتقاد بها، فقرأها قراءة حرفية، وفهمها خارجَ زمانها فتمسك بأبديتها بعد أن أهدر السياقَ التاريخي والظروف التي صدرت فيها، كما أهمل نصوصًا كثيرة بموازاتها تشدد على الرحمة.
ومثالٌ على انحصارِ النجاة وتفوقِ المعتقدين بهذا الدين على غيرهم من الناس ما جاءَ في التوراة من أن اليهودَ (شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض) . (أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب... وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكـم من الشعـوب لتكونوا لي) .
واشتهر عن المسيحية أيضًا أن: "لا خلاص خارج الكنيسة"، وإن كانت هذه العبارةُ تغضب الكثيرَ من المسيحيين اليوم، والعبارةُ المتفَقُ عليها عندهم هي: "لا خلاص إلّا بدم المسيح وحده". إذ يقول الرسولُ بولس: "بدون سفك دم لا تحدث مغفرة" ، وذلك تعبيرٌ صريح عن انحصار ِالخلاص، إذ لا مغفرةَ وخلاصَ ونجاة خارجَ الاعتقادِ بالمسيح وصلبه.
على الرغم من أن الرحمةَ وردت في الكتاب المقدّس في أكثر من موضع، مثل: "امتلأت الأرضُ من رحمةِ الرب" ، "وَلِذلِكَ يَنْتَظِرُ الرَّبُّ لِيَتَرَاءَفَ عَلَيْكُمْ. وَلِذلِكَ يَقُومُ لِيَرْحَمَكُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهُ حَقّ. طُوبَى لِجَمِيعِ مُنْتَظِرِيهِ" . "كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ» . «يا رَبِّ اْذكُرْ حَنانَكَ ومَراحِمَكَ فإِنَّها قائِمةٌ مُنذُ أَزَلك" . "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" .
لقد تجاوزتْ الكنيسةَ الكاثوليكيةَ لاهوتيًا مقولةَ "انحصار الخلاص" في مجمع الفاتيكان الثاني 1962 - 1965، عندما منح المجمعُ الخلاصَ لكلِّ المؤمنين وإن كانوا خارجَ الكنيسة. إذ أصدر الپاپا پولس السادس وثيقة نوسترا إيتاتي . وتنص هذه الوثيقةُ في مقدّمتها على أن: "كل الشعوب جماعة واحدة ولها أصل واحد، لأن الله هو الذي أسكن الجنس البشري بأسره على وجه الأرض كلّها، ولهم غاية أخيرة واحدة، وهي الله الذي يشمل الجميع بعنايته". وفي الفقرة الثانية منها تتحدّث عن الموقف من مختلف الديانات غير المسيحية، فتشير إلى أن: "الكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئًا مما هو حق ومقدّس في هذه الديانات، بل تنظر بعين الاحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالبًا ما تحمل شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير كل الناس، بالرغم من أنها تختلف في كثير من النقاط عن تلك التي تتمسّك بها هي نفسها وتعرضها". وفي الفقرة الثالثة تتحدّث عن الموقف من الديانة الإسلامية فتقول: "وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار أيضًا إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد، الحي القيوم، الرحيم الضابط الكل، خالق السماء والأرض، المكلّم البشر. ويجتهدون في أن يخضعوا بكلّيتهم حتى لأوامر الله الخفيّة، كما يخضع له إبراهيم الذي يسند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي. وأنهم يجلّون يسوع كنبي، وإن لم يعترفوا به كإله، ويكرّمون مريم أمه العذراء، كما أنهم يدعونها أحيانًا بتقوى. علاوة على ذلك إنهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشر القائمين من الموت، ويعتبرون أيضًا الحياة الأخلاقية. ويؤدّون العبادة لله لا سيما بالصلاة والزكاة والصوم. وإذا كانت قد نشأت على مرّ القرون منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمَجمَع المقدّس يحضّ الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بالخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معًا: العدالة الاجتماعية، والخيور الأخلاقية، والسلام، والحرية، لفائدة جميع الناس" .
وهذا يعني أن الفاتيكان استطاع ولو متأخّرًا أن يتناغمَ ومنطقَ الحقوقِ والحريات الحديث، لكن ما زالت أنساقُ اللاهوت الصراطي تغذّي مشاعرَ عددٍ غيرِ قليل من المسيحيين ممن ما زالوا يظنون ألّا خلاص خارجَ حدودِ الكنيسة.
واشتهر حديثُ الفرقةِ الناجية في الإسلامِ، الذي وردَ في السُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ؛ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنِّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَلَفْظُهُ: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً" . وفي ضوءِ هذا الحديث لم تحتكر أكثرُ الفرق النجاةَ لكل المسلمين، بل احتكرتها لها خاصّة، فصار أتباعُ كلّ فرقة يعتقدون بأنهم وحدهم الذين يختصّهم اللهُ بالحقيقة والحقِ، وهم فقط من يرحمهم ويقبل أعمالَهم ويشملهم بالنجاة. وربما تتفاقم نزعةُ الاستحواذ على الرحمة الالهية فتتحول إلى حالة تتملّك مشاعرَ بعض الناس فيحسب أنه هو فقط ونبيّه أو وليّه من يختصّ بهذه الرحمة. فقد ورد أن (رسول الله "ص" قام في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي، وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فلما سلّم النبي قال للأعرابي: لقد حجرت واسعًا) . يريد النبي الكريم "ص" تفهيمَ الرجل أن رحمةَ الله واسعةٌ فليس بيدك حصرُها والتحجيرُ عليها.
لم يكن اللهُ في تصورِ اللاهوتِ الصراطي إلهًا للعالَمين ولا إلهًا للناس أجمعين، وإنما كان اللهُ إلهًا يختصّ بديانة من يعتقد بهذا اللاهوت، وكلما ضاقت دائرةُ الاعتقادِ ضاقت حدودُ صورة الله تبعًا لها، فصاحبُ الفرقةِ يعتقدُ بأن اللهَ إلهُه فقط دون غيره من الناس، وربما تتشظّى الفرقةُ الواحدة فتصير عدةَ جماعات كلّ منها يعتقدُ بأنه يحتكرُ صورةَ الله له.
اللاهوتُ الصراطي يغرس في كلِّ الأديان شعورًا عند الإنسانِ بأن رحمةَ الله مختصّةٌ به وبأتباعِ معتقدِه، وأنهم من دون سواهم يفوزون بالنجاةِ والخلاصِ من العذابِ والهلاكِ. ويغذّي ذلك على الدوام اعتقادَه بأنه يستطيع احتكارَ رحمةِ الله، بوصفها من الممتلكاتِ الخاصةِ التي يستحوذ عليها معتقدُه. ويظلّ صاحبُ المعتقدِ الصراطي يتوهمُ بأنه قادرٌ على حصرِ الرحمةِ الإلهية بأتباعِ ديانته، وتضييقِها لدرجة يستطيع معها أن يستبعدَ كلَّ من هو خارج هذا المعتقد من إشراقات رحمة الله.