سوق برقاش... يا سيادة الرئيس!

فاطمة ناعوت
2018 / 10 / 11

هذا المقالُ مُوجّهٌ إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولكلِّ قياديّ في الحكومة المصرية والمحليّات ممَن يكرهون القبحَ وينشدون التحضُّرَ، ويخافون على اسم مصرَ الشريفِ أن تلوكَه الألسنُ فتقول إننا شعبُ الغلاظ المتنمّرين! مُوجّهٌ لمن ذاكروا تاريخَ مصرَ وعرفوا مجدَها القديم، فيخجلون أن يصنعَ السلفُ الصالحُ حضارةً راقية، فيجيءُ بعضُ الخلف الطالح ليُفسدَ ما صنعه السلفُ ويجلبَ على مصر الخِزيَ والمهانة. هذا المقالُ موجّهٌ لمن يعرف أن الجدَّ كان يشهَدُ لحظةَ وفاته قائلا: “يا ربُّ ارحمني؛ فأنا لم أتسبّبْ في دموعِ إنسان، ولم أُعذِّبْ حيوانًا، ولا نباتًا بأنْ نسيتُ أن أسقيَه.”
دعونا أولا نتّفق على أن مَن يُعذِّب طفلاً، مُستندًا على قوّته، مقابلَ ضعف ذلك الطفل، لن يتوانى عن تعذيب امرأة لو أمِن العقاب. ودعونا نتّفقُ على أنّ من يُعذّب حيوانًا لا قانونَ يحميَه، سوف يعذّب إنسانًا لو امتلكَ عليه سلطانًا، لا يمنعه من ذلك إلا خوفه من العقاب، ولو أمِنَ فلن يحوشَه عن الطغيان والإرهاب إلا حيازةُ السلاح. وبالتالي فكلُّ إنسان يعذّب حيوانًا؛ هو في الواقع مشروعُ إرهابيٍّ عتيد وسفاحٍ مُتسلسِل، ووجوده حرًّا طليقًا يمثّل خطرًا داهمًا على المجتمع بأسره. تلك مسألة أمن قومي.
ولهذا، أتقدّم لكم أيها السادة صنّاع القرار في بلادي ببلاغ رسمي، عبر هذا المقال، ضدَّ مجموعة من مشاريع الإرهابيين الطُلقاء الذين سوف يتحولون غدًا إلى سفاحين لو سنحت لهم الفرصة. أقدّم لكم فيديو حيًّا من سوق "برقاش" بالجيزة، لبيع الجِمال، على هذا الرابط: https://youtu.be/0qS-HZ9O4I4 .
جِمال بثلاث سيقان، كسرت رابعَها عصًا غليظة في يد طفل شرس. عيونٌ دامية مُدّلاة من المآقي، اختلعتها سكاكينُ فحولٍ من بني الإنسان. أفواهُ نوقٍ تصرخُ: “بأي ذنبٍ نُعذَّبُ يا بني الإنسان، ونحن نقدّم لكم لحومَنا لتملأوا بطونكم الشرهة؟! جاءت صبيّةٌ جميلة اسمها "أمينة"، ابنة الأديب الكبير ثروت أباظة، وسليلة عائلة الأباظية التي قدّمت لمصرَ أدباءَ وشعراءَ ومفكرين كبارًا، واشترت جملاً طفلاً حتى تُنقذه من يد سفاحٍ يملكه ويمزّق جسدَه دون سبب مفهوم! دفعت آلاف الجنيهات وهي لا تعلم بماذا ستفعل بجمل، ضيفًا ثقيلاً في بيتها؟! فقط أرادت أن تنقذَه وكأنها أنقذت جميع الجِمال المُعذّبة في سوق "برقاش"، الذي يُعدُّ مزارًا سياحيًّا ليتفرّج السُّياحُ على شراستنا في معاملة كائناتٍ لا تشكو ولا قانون يحميها في بلادنا. وهل بوسع تلك الجميلة شراءُ جميع الجِمال المُهانة المعذّبة التي تقطرُ أجسادُها دمًا وتعرجُ على سيقان مهشّمة العظام؟! الأطفالُ يحملون الشومَ الغليظة ويضربون الجِمال كما يفعلُ آباؤهم وهم يضحكون في هيستريا، بينما تسجيلاتُ الشيخ متولي الشعراوي تصدحُ في الخلفية! سألتهم "أمينة" وهي تبكي: “ألا تعرفون ماذا قال اللهُ والرسولُ في تعذيب الحيوان؟" فيقاطعونها ساخرين: “صدق الله العظيم! ده أكل عيش يا مدام، ياللا انجزي هاتشتري ايه؟!”
في حفل اليوم العالمي للحيوان، الذي تقيمه أمينة أباظه كلَّ عام، عرضت علينا بعض فيديوهات تعذيب الحيوان في مصر، وخصوصًا في سوق "برقاش"، فضجّت القاعةُ بصرخات الحضور غير مصدّقين ما يرون. وكل ما تطلبه السيدةُ الجميلة هو أن تعرف: "مَن هو المسؤول الذي نتوجّه إليه لوقف تلك الملهاة المأساوية التي تمتدُّ إلى سنوات مضت، ولن تتوقف إلا بقرار سياديّ حاسم؟" ولأنني لا أعرفُ إجابةَ سؤالها، رغم السؤال والبحث، فأنا اليوم أتوجّه بسؤالها إلى السيد الرئيس شخصيًّا اختصارًا للوقت والجهد. وأعلم أنه لن يخذلنا وسوف يأمر بمتابعة الأمر؛ هو الذي يرقُّ قلبُه لفتاة بائسة وطفلٍ من ذوي الإعاقة وامرأة فقيرة لا عائل لها. الرحمةُ لا تتجزأ، ومن يرحمُ إنسانًا مأزومًا لابد سيرحمُ حيوانًا أبكمَ أوقعُه حظُّه العسر في مجتمع لا يحترم حقّ عدم التعذيب. وكذلك من يقسو على حيوانٍ أعجمَ لا ينطق، لابد يومًا سوف يقتلُ طفلا أو شيخًا لا سندَ له. سيدي الرئيس، أضعُ مأساةَ الجِمال في سوق "برقاش" بين يديك، وأثقُ أنك لن تخذلنا.
***