على تخوم مربع الإغتيال السياسي في تونس

هيثم بن محمد شطورو
2018 / 10 / 10

كأن ما وقع لم يقع أو تم تـناسيه، أو بالأحرى بلغ مسح حدث الفعل الواقعي لمفهوم القوة المتخيل في الاغتيال و الإرهاب و ما حكمه سير الواقع الفعلي من جعل الاغتيال السياسي الواقعي نسفا لفكرة القوة المتوهمة، و انقيادا الى ما آلت اليه الوقائع من تبديد مشروع الاستبداد الاسلاموي بالسلطة..
تـقع حركة النهضة و الجبهة الشعبية على طرفي النقيض، و يبدو الصراع بينهما محددا لوجود أحدهما بالآخر و بالتالي في انتـفاء أحدهما انتـفاء للآخر..
تـقـف العائلة الدستورية التجمعية الندائية ماسكة بعصى السلطة..
العائلة الديمقراطية الواسعة مفتـقدة للكتلة و الوحدة و الرموز. حتى باستمرار وجود الرمز القيادي الابرز سابقا، السيد "احمد نجيب الشابي"، فانه لا يزال العمل من الاطراف جميعا على استبعاده بشكل او بآخر برغم كونه الخيمة التي كانت تضم الجميع ايام الدكتاتورية البوليسية النوفمبرية، بدعوى انحرافه او عدم استيعابه للمرحلة الآنية ما بعد جانفي 2011.
هناك تخبط سياسي عام في تونس، و من بين أهم أسبابه هو التـناقض الصارخ بين ثورة الحرية و التعبيرات السياسوية عنها، و خاصة بين الثورة و الفعل الخارجي عنها و المضيع لها و ابرز الفاعلين في ذلك هو حركة النهضة الاسلاموية..
متى تـتم القـفـزة المباشرة نحو منطق المحاسبة للجميع؟ و هل ذاك ممكن؟
مع ذلك هل يتم بصورة فعلية نزع أوهام القوة المتبادلة بصورها المختلفة في الفعل الداخلي التونسي؟..
يبدو أغلب الفاعلين السياسيـين أقـزاما أمام ثورة أسقطت دكتاتورا من أعتى الانظمة البوليسية في العالم، و امتدت بسرعة فائـقة عبر المساحة العربية و لازالت لتسقط أوتادا عاتية من الاستبداد، و أمطرت سحب الثورة على أوربا بل سافرت الى إسرائيل بل انها بلغت شوارع "نيويورك" في الولايات المتحدة، فقد أيقظت فيهم الثورة التونسية مطلب الحرية..اكتـشفوا فجأة انهم ليسوا بأحرار و طبعا عبر الطبقات الواقعية المختلفة و لكنها المتوحدة في الجوهر الاستعبادي..
و الصراعات السياسية التي تخلفت بالثورة و المتمحورة اساسا حول واقعة دخول حركة النهضة الاسلاموية في المشهد لتـشده الى الوراء و تكبحه عبر تـشريده في المسافات التائهة، كانت و لازالت ضرورية بحكم الواقع التونسي و العربي و الاسلامي و التدخلات الاجنبية.
و لكن.. و بحكم ان التونسي دوما يعتـقد ان له القدرة الخارقة على التجاوز بفضل الاحتكام الى العقل..
هل من الممكن الوقوف عند لحظة المحاسبة الشاملة من حيث الافعال و من حيث الافكار و الاتجاه الى البعد الانساني للثورة كثورة في الوعي و الواقع التونسي و العربي و العالمي؟؟..
اي..اي حرية نريد و كيف؟ اي تنمية؟ اية صورة مستـقبلية نبنيها و نناضل ككل لأجلها؟ هل يمكننا ان نتوحد باختلافاتـنا و صراعاتـنا الجزئية بعد المكاشفة العلنية و المراجعة الشاملة للجميع؟
من هناك. هل من الممكن الاضطلاع بمهمة بناء برنامج سياسي موحد يزحزح العالم عن حتمية الدمار، و بالتالي يصل فعل الثورة بأزمة العالم و المتمثلة اساسا في الرأسمالية و واقع و عقلية الربح التي تهدد الحياة برمتها في الارض و تهدد الجميع بالإفناء؟..
على هذا الأساس يتم بناء فكر و برنامج سياسي عام نتوحد فيه جميعا، و ترتـفع فيه الحياة السياسية الى القوة الحقيقية و هي القوة المناضلة من اجل خير الإنسانية..
و مما يعنيه ذلك هو التوحيد باللاه كتعبير عن التحرر من اي سلطة مادية او بشرية من جهة و اتحاد بجوهر الهوية التاريخية من جهة ثانية، و استـنهاض لعمق الثورة العربية على الاستبداد للعصابات المختلفة التي تستعبد الإنسان سواء بين التلال و السواحل و الصحاري، او بين الابراج المعانقة للسماء تريد نطحها باستعباد الانسان بالمال و مسخ إنسانيته.
بهذا تتحدد عمق الوحدة الديمقراطية الاشتراكية ذات الروحية العقلانية المتجاوزة لأجل الحرية الفعلية للإنسان بما انه روح من الله..
فأي ثورة تلتهم نفسها و تتحول الى حكومات مستجدية لبيوتات المال العالمية؟
اي ثورة تـتضاعف فيها أعـداد السيارات و الفقراء في نفس الوقت؟
اي ثورة لا تهاجم العالم بنكوصه و عدم صلاحيته للاستمرار على نهج الافقار و التهديد للمناخ و الحياة؟
اي ثورة لا تبدع وجهة اخرى لحياة الانسان؟
اي ثورة لا تـفتح عالما جديدا من الرؤى الاقتصادية و الواقعية؟
هل نريد ان نبني قوة مصنعة تساهم في اغتيال الحياة على الارض ام نريد بناء قوة الكفاف و التحفيز على حياة جماعية روحية صميمية تحقق سعادة الانسان؟
من هنا تأتي الاجابة العميقة و الكلية لما تريده الثورة بكل شهدائها بمن فيهم شهداء الاغتيال السياسي..و لكن حياة العقل تتطلب شجاعة خارقة هي شجاعة المتعلق بالحق بما هو حق...
يا للأطماع الصغيرة لصغار النفوس التي تغتال الشهداء الف مرة و تغتال الاحلام و الحياة..لا تـقل لي ان الرب معبود في هذا الظاهر.. أصنام المال و أوهام القوة هي المعبودة..