ليزا وأطفالي …. وقانون الطيران

فاطمة ناعوت
2018 / 10 / 9

في يوم صعب من أغسطس، شديدِ القيظ غضوبِ الشمس، تعطّل المصعدُ بي بين دَوريْن. كنتُ قد نزلتُ لأوصّل بسيارتي مُدبّرةَ منزلي إلى بوابة المدينة؛ حتى لا تضطّرَ إلى انتظار الباصّ الداخلي في هذا الجحيم الحارق، واصطحبتُ معي “ليزا” للتنزّه. وفي الطريق، كعادتي، كنت أجمعُ في السيارة المدبّراتِ الأخرياتِ اللواتي أصادفهن جالساتٍ على الأرصفة؛ في انتظار الباصّات. وفي ذلك اليوم الجهيريّ، كان عليّ أن أعمل عدّة "نقلات" بالسيارة، ذهابًا إلى البوابة وإيابًا، لكثرة عددهن. وحين انتهينا، كان الظمأُ قد أهلكنا، "ليزا" وأنا، وأخذ منّا كل مأخذ، نتلهّف على قطرة ماء ونرجو العودة للمنزل سريعًا، ونحن لا ندري أن مفاجأة شريرة تنتظرنا بتعطّل المصعد! اتصلتُ بأفراد الأمن فتجمّعوا أمام باب المصعد وحاولوا فتحه؛ وبعد عشرين دقيقة نجحوا في فتح 20 سم فقط، ثم تيبّس الباب. اتصلتُ بجهاز المدينة فوعدوا بالمجيء لكنهم تأخروا عشرين دقيقة أخرى. اتصلتُ بالسيد هشام طلعت مصطفى، مالك المدينة، فأرسل لي النجدةَ خلال دقائق، وخلعوا الباب وتمَّ إنقاذنا. استغرق الأمرُ حوالي 45 دقيقة، مرّت كأنها الدهر، وكان رعبي أن تموت "ليزا" عطشًا. نسيتُ أن أقدّم لكم الآنسة "ليزا". إنها كلبتي الصغيرة من فصيل "يوركشاير".
في العشرين دقيقة الأولى، بعدما فتح رجالُ الأمن مسافةً تكفي لخروج "ليزا"، ناولتُها لرجل الأمن مع مفتاح شقتي، لتدخل وتشرب. قاومت "ليزا" ورفضت، فأمرتُهم بإدخالها الشقةَ بالقوة. المدهشُ أن الكلبة الصغيرة الوديعة هاجمت رجال الأمن الأشدّاء وجرحتهم، وعادت تحاول القفز إلى محبسي. ولأن المصعد بين دورين، وأرضيتُه أعلى مترًا من بسطة السلم، خِفتُ أن تسقط في البئر؛ فأمرتهم بالابتعاد وعدم إخافتها. وبالفعل وثبتْ "ليزا" إلى حيث أنا، وظلَّتْ معي حتى وصول النجدة.
في المساء، جلستُ مع أسرتي أقصُّ عليهم ما جرى. ثم باغتُهم بسؤال مازح: “لو كنتم مكان ليزا، تفضلوا معايا زيها واللا تنفدوا بجلدكم من المعتقل؟" ردّ ابني ضاحكًا: “يا ماما أنتِ دايمًا بتقولي في مقالاتك إن الشخص يضحّي من أجل الجماعة، وواحد يتعذّب أفضل ما اتنين يتعذبوا. عن نفسي كنت هاخرج أشرب، وأجيب لك ميّا تشربي.” قلتُ: “بس ليزا رفضت تتركني وتحمّلت العطش.” أجابني ضاحكًا: “ليزا بلا عقل يا أمّي.” وبالطبع أتفق مع ابني في منهج تحكيم العقل لحلّ الأزمات ومحاولة إنقاذ النفس والغير. لكنني أختلف معه في أن "ليزا" بلا عقل. الحقيقة أن عقلها "يوزن بلد". لكن تجربة: "الحبس في مصعد" لم تكن مدوّنة بعد في دفتر خبراتها، فلم تستطع أن تُقدّر حجم الخطر الذي ينتظرني داخله، لو أنها تركتني وذهبت. لهذا أصرّت على المكوث معي، ولو تحت وطأة الظمأ والخوف من المجهول. بينما ابني بعقله وخبرته يعلم أن الحبس في مصعد نصف مفتوح، لا يُميت. لهذا لجأ إلى الحلّ العاقل.
تلك الواقعة ذكّرتني بقانون الطيران الذي لم يَرُق لي أبدًا. في تعليمات السلامة التي تُلقيها المضيفةُ قبل الإقلاع: “في حالات الخطر، ضع قناعَ الأكسجين الخاصَّ بك أولا، ثم ساعدْ غيرك.” يا إلهي! هل يكون إلى جواري طفلٌ أو مُسِنٌّ، وأنقذُ نفسي أولا؟! وعاهدتُ نفسي بألا أفعل ذلك تحت أي ظرف. سوف أقدّم قناعَ الأكجسين لمن يجلس جواري مادام طفلا أو مُسنًّا أو مريضًا، ثم أرتدي قناعي. مع احترامي لفلسفة ذلك القانون: "انقذ نفسَك أولا؛ ليكون بوسعك إنقاذ غيرك”. إلا أن فلسفتي الخاصة تتعارض مع تلك الفلسفة العاقلة والمنطقية، دون شك.
ربما، في مقال قادم، أقصُّ عليكم واقعة طريفة، وتجربةً عسرة، حدثت لي في "شهر العسل". تجربةٌ مُدوّنة في دفتر ذكرياتي بمداد فخر وفرح، ممزوج بالخوف والرعب، كلّما تذكّرتُ أنني تسلّقت مواسيرَ وكسرت زجاجَ نافذة لإنقاذ طفل رضيع، صار اليوم شابًّا جميلا.
في اليوم العالمي للحيوان، 4 أكتوبر، أستعير من زوجي نبيل، عبارةً جميلة يقولها لكلبه الصغير "دالاس": “أشهدُ أنك لستَ حيوانًا، لأنك راق ومتحضّر وأمين.” أقولها لـ "ليزا"، وكل عام وكلابُ الدنيا بخير.