الرئيس يستثمر في الإنسان في مؤتمر شرم الشيخ

فاطمة ناعوت
2018 / 10 / 8

إذا أردتَ أن تحكم على مستوى تحضُّر مجتمع ما، انظرْ رأسًا إلى منظومة التعليم في ذلك المجتمع. من حيث آلية التدريس، تأهيل المعلّم، تجهيز المدارس، طبيعية المناهج، وأسلوب ترقّي الطلاب من فصل دراسي إلى آخر. ثم مستوى الطالب الأخلاقي والثقافي والأكاديمي والنفسي والصحي، ومدى تطوره بعد كل فصل دراسي. أما إن أردتَ أن تُدقّق حكمَك على ذلك المجتمع، فعليك النظر إلى حال ذوي الاحتياجات الخاصة من الأطفال والنشء، على اختلاف ذلك الطيف الواسع المُتشعِّب. تأملْ حجم الرعاية المُقدّمة لهم من مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، منذ ميلادهم، ثم تطوّر تلك الرعاية طبيًّا ونفسيًّا وفكريًّا وتوعويًّا، يومًا بعد يوم مع تقدّم أعمارهم حتى الوصول إلى سن الدراسة، ثم نوعية التعليم المقدّم لهم في المدارس، وهل يُعزلون عن المجتمع، أم ينخرطون في نسيجه، حتى يكون بوسعهم أن يشيدوا ذلك المجتمع مع أشقائهم الطبيعيين، يدًا بيد.
ولو علمنا أن بمصر الطيبة ما يربو على الاثني عشر مليون شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وفق ما أعلنت الإحصاءات الرسمية؟! فذلك يعني أن هناك اثني عشر مليون أسرة تحتاج إلى دعم للنهوض بأبنائها لتعليمهم والارتقاء بقدراتهم حتى يصبحوا تروسًا فعّالة في عجلات تطوّر الوطن، بدلا من أن يتحوّلوا مع الوقت إلى عبء ثقيل ينوء كاهلُ أيّ مجتمع عن حمله.
لكل ما سبق، فإن النهوض بمنظومة التعليم في مصر، والاهتمام بأبنائنا "الاستثنائيين"، كما أسميهم، كان بالحقّ حُلمًا شخصيًّا لي، لإيماني بأن ارتقاء مصر لن يبدأ إلا بارتقاء منظومتها التعليمية. ولهذا كانت سعادتي فائقة حين بدأت أرى أن خطواتٍ جادة للتطوير تجري في حقل التعليم. وتُوجّت تلك السعادة بذلك الحفل الثري الذي حضرته قبل يومين في مدينة شرم الشيخ، حيث، من أرض مصر، تنطلق مبادرة عملاقة لدمج طلاب التعليم الخاص مع التعليم العادي حتى تنهدم جُدُر الشرانق التي يكوّنها حول نفسه الطفلُ الاستثنائي، لكي يعزلَ نفسَه عن المجتمع الذي قد يرفضه إن كان مجتمعًا جاهلاً، وكذلك حتى تنهدم الصورةُ المُتحفّظةُ المستريبةُ التي يكوّنها الطفلُ الطبيعي عن شقيقه الاستثنائي من ذوي الاحتياجات والقدرات الخاصة، فيذوب كلاهما في الآخر ويتعاونان على صنع الحياة. يفعلُ الغرب المتقدم ذلك في المدارس؛ بأن يكون لكل طفل "استثنائي"، رفيقٌ دائم اسمه: "مدرّس الظل" أو Shadow Teacher، وظيفته مساعدة الطفل على التعامل مع المجتمع، وتوعية المجتمع للتعامل مع ذلك الطفل.
من داخل قاعة المؤتمرات بشرم الشيخ، أول أمس، كنتُ أتأملُ يدَ الرئيس عبد الفتاح السيسي تُربّت على رؤوس أبنائنا وبناتنا "الاستثنائيين"، فيما الصبايا في فساتينهن الفيروزية، والزهور البيضاء منثورة فوق صدورهن، يتحلّقن من حوله كالفراشات. رحتُ أردِّدُ في قلبي: "طوبى لأنقياء القلب،" وأنا أُنصِت للكلمة الافتتاحية التي ارتجلها الرئيسُ لبدء فعاليات الدورة الأولى من الملتقى العربي الأول لأنشطة مدارس التعليم الخاص والدمج، الذي أطلقته وزارة التربية والتعليم، والتعليم الفنيّ، بقيادة وزير التعليم د. طارق شوقي وحضور وزراء دول عربية عديدة شاركت في هذ المشروع الحيوي العظيم، الذي انتظرناه عقودًا طوالا. لقد بدأت مصرُ في الاستثمار في الإنسان. وذلك هو الاستثمار الذي لا يخيب. والمبهج أن ينطلق ذلك المشروع من مصر، قبل أن يحمل عام 2018 عصاه ويمضي، وقد أعلنه الرئيس عامًا لذوي الاحتياجات الخاصة. والأكثر إبهاجًا هو إعلان الرئيس أن عام 2019 سيكون "عام التعليم" في مصر، الذي نرجو ألا ينتهي إلا وقد تقدمت مصرُ لتحتلَّ مركزًا متقدمًا في منظومة التعليم بين صفوف دول العالم.
خرج حفل الافتتاح بمستوى فائق يليق باسم مصر. من حيث التنظيم والإخراج والإضاءة والصوت والملابس والغناء والموسيقى والتصوير والشاشات وأجهزة البث وتصميم شعار الملتقى. كل شيء كان دقيقًا وجميلا، يسرُّ الناظرين ويجعلك تفخر بمصريتك التي لا يستحقها إلا الجادّون.
شكرًا على تلك الأمسية العظيمة التي ملأت قلوبنا بالرجاء في غد أفضل. وشكرًا على شعاع ساطع انطلق من سماء بلادي. وشكرًا على المفاجآت التي أعلنها الرئيس في الحفل لدعم التعليم.


***