حول الفيلم الفلسطيني -واجب-

عامر هشام الصفّار
2018 / 10 / 7

الفيلم السينمائي الفلسطيني "واجب".. بساطة الحكاية وألمها..
عندما سمعتُ عن النجاحات التي حققها مخرج فيلم "واجب" عبر حكايته البسيطة وشخصيات فيلمه النابعة من واقع الحياة في مدينة الناصرة الفلسطينية تحت الأحتلال الأسرائيلي، وددت مشاهدته وحالما تحين الفرصة.. وها هي السينما التي تهتم بأفلام العالم الثالث تقوم بعرضه لعدة أيام فقط في عاصمة مقاطعة ويلز البريطانية، فإذا بي وجهاً لوجه مع الممثل محمد بكري والذي مثّل دور الأب و صالح بكري والذي مثل دور ولده (وهما في الحقيقة والد وولده).. أضافة الى شخصيات الفيلم الكثيرة الأخرى والتي مرّ الفيلم عليها مرور الكرام كجزء من الحكاية. ولعمري فقد أختار المخرج الفنان آن ماري جاسر موضوعه بعناية فائقة فلم يكن تقليديا سطحياً في طروحاته الفنية والفكرية.. وهكذا شاهدنا الشاب المغترب في أيطاليا يزور مدينته الأولى الناصرة ليساعد أبيه في توزيع بطاقات الدعوة لحفل عقد قران أخته والتي ستسافر لتغترب في تايلند مع زوجها... ومن خلال هذا التقليد الأجتماعي بضرورة تسليم بطاقة الدعوة باليد للضيوف تقوم حكاية الفيلم والذي تدور أحداثه خلال فترة زمنية لا تتعدى بضعة أيام فقط. فكان لابد من هذا الصراع الفكري بين شاب يعيش حياة الجيل الجديد في أوربا (أيطاليا مثلا) ووالده الذي شهد حروباً فشل فيها جيله في مقاومة التحديات فأصبح بلا حول ولا قوة الاّ في محاولة شؤون الحياة اليومية ومحاولة العيش على الكفاف بعيدا عن مناكفات الظروف الصعبة. وهكذا يدور النقاش حول قضايا العصر:
0 زواج الشاب العربي المغترب بنت بلده.
0 حالات الظرف السلبي الذي عليه الناس في الوطن: النفايات التي تملأ الشوارع في المدينة، الخصام بين أهل المدينة الواحدة على أشياء بسيطة، الكبت الفكري والعاطفي والذي يعيش في ظله الناس حيث تصبح مدننا الجميلة مكانا تعيسا لا يطاق العيش فيه..( الفتاة التي دخل عليها الشاب ليعطيها بطاقة الدعوة فراودته عن نفسه لتصف حياتها رغم الدعة المالية بالضجر المستمر!)..روح العنف التي يتميز بها الفرد في المدينة نتيجة الظرف المعاش حيث عبر الفيلم عن ذلك من خلال مشاهد بسيطة عكست الحالة بشكل واضح ( تعطيل سيارة الأب لأنه أوقفها في مكان غير مناسب لدقائق معدودة)..
0 العلاقة مع المحتل وجيشه وعيونه في المدينة... حيث يريد الأب التعايش مع الواقع المفروض بغية تحسين ظروف عيشه (كأن يصبح مديرا لمدرسته ) في حين سيرى الأبن المغترب الآتي من أوربا عكس ذلك حيث يدعو أبيه الى ممارسة حقه في أختيار عدم دعوة جاسوس أسرائيلي الى حفل عقد القران حتى لو كلفه ذلك منصب مدير المدرسة..
أن الأيقاع البطيء للفيلم لم يكن الاّ في خدمة هدفه فقد أعطى المشاهد فرصة للتفكير والتحليل وبذلك حقق المقصد من التأثير على المشاهد الأجنبي بالذات حيث كانت الترجمة للأنكليزية وافية في هذا المجال. كما لم يخلو الفيلم من أشارات صادمة لها معانيها ومن ذلك حادثة دهس كلب تابع لأحد بيوتات مستوطنة جديدة في الناصرة فيسارع الأب للهروب من مكان الحادث خوفاً على نفسه وعلى أبنه مما يمكن أن يحصل لهما جراء موت كلب..! دلالة عن الموت المقصود للأنسان وعدم أهتمام العالم بما يحصل....
وها هو المشهد الأخير في الفيلم والذي جاء ليعكس التشاؤم بصورة عامة من مستقبل ستغرب شمسه... في حين تبقى أحداثه والتي يتوجب أن تكون مدعاة للفرح، تقليدية بشكل يثير السأم عند أصحابها... بل تثير التساؤل والقلق حول مصيرها.... أما الموسيقى المصاحبة للفيلم فقد أبدع فنانها بأختياراته مما يعكس واقعا محليا نفسياً معيناً، أضافة الى أن الأغنية الأخيرة في الفيلم والتي يسمعها المشاهد مع عنوان النهاية تجيء لتلخص مأساة شعب يعيش تحت ظرف الأحتلال دون أن يجد من يقف معه لأنتشاله من واقعه المزري حد الفضيحة.... لقد أجاد الممثلون في تمثيل أدوارهم والتي أعطت صورة دقيقة دون رتوش عن واقع حياة أناس في مدينة ممزقة...