التعليم المصري بين التاريخ وصناعة المستقبل من 1952 حتى 2018

أشرف أيوب
2018 / 10 / 6

عسكر يوليو جاءوا للقضاء على الإقطاع ورفعوا شعار إرفع رأسك يا أخي، ومدوا مجانية التعليم لجميع مراحله ومظلة للجميع، ولكن بتغيبهم الحرية وكل دعاة الدولة المدنية وراء الشمس قد سلموا#جنرالات_أكتوبر جيش مهزوم وسيناء محتلة، و هم بدورهم تحت شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة للانتصار في حرب استرداد كرامة جيش مهزوم وتحرير سيناء، المعركة التي كان يلزمها العودة لدولة العلم والإيمان، الإيمان الذي أنتصر على العلم وبدر بذرة مجتمع منقسم طائفياً مقوضين أهم شعار ثورة 1919 (الدين لله والوطن للجميع) لبناء دولة المواطنة، فتوسعوا في بناء المساجد في كل مؤسسات الدولة من أول سرية في الجيش حتى فصل دراسي بدون أسوار في منطقة نائية لتعليم الأطفال، وقسموا التعليم لتعليم علماني تشرف عليه الحكومة أسقطوا منه تاريخ مصر القبطية، الذي يجهلة الأغلبية من المصريين، وتاريخ الخلافة الإسلامية الذي يتجاوز جغرافيا حدود مصر فُرض كمقرر على الجميع، وتعليم ديني أزهري حول مذهب غالبية الشعب المصري للمذهب الوهابي حين توسعوا في بناء المعاهد الازهرية أفقياً بما يوازي التعليم الحكومي رأسياً، قابلها التوسع في مدارس الأحد ليتحول جزء من الشعب المصري لشعب الكنيسة، الشعب الذي اهتمت تلك المدارس بتدريس له تاريخ مصر القبطية كأنه أحد الأناجيل، وليس تاريخ عظيم للشعب المصري قدم فيه التضحيات بتحمل اضطهاد القياصرة، وكأن التعليم الطائفي أحد أدوات الانتصار في حرب التحريك لأنها شغلت رعاتها بتأسيس المجتمع الطائفي ذات الرؤوس المتحالفة على أرضية رأسمالية ترى في التبعية للمركز الرأسمالي هي الهدف الرئيس باتباع سياسية اقتصاد السوق وتسليع الخدمات وأهمها الرعاية الصحة والتعليم، فكان لابد في البداية تقسيم التعليم إلي ديني وعلماني كأول معول في انهياره حيث تراجعت ميزانية التعليم الرسمي وبناء المدارس وإهمال القائم منها واستمرار كل طاقات الدولة البشرية والمالية لمعركة التحريك، وبعد أن تم الانتصار في حرب التحريك يوم 6 اكتوبر 1973 والتي اقترنت بشهر رمضان شهر الصيام عند المسلمين وعيد الغفران عند اليهود اعتماداً على بنية ثقافية تم تجهيزها من خلال دولة الإيمان حيث أرجع إعلام الشئون المعنوية لدولة الإيمان الانتصار لملائكة تحارب مع الجنود تحت شعار الله أكبر، كل هذه الضفيرة من المناسبات والتواريخ والشعارات كانت لترضي السادات وهي تجميع لكلماته وتوجهاته نحو كامب ديفيد التي انتهت بسلام بارد مع العدو الصهيوني حيث وجد سلامه رفض شعبي عارم مما دفع حلفائه في دولة الإيمان باغتياله في الاحتفال بانتصار اكتوبر لانتهاء دوره الوظيفي عند المركز الرأسمالي، فكان لابد من مرحلة انتقالية لبناء بنية تحتية لدولة الإيمان معبر عنها سياسيا بتحالف جنرالات أكتوبر مع المؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر والكنيسة) التي لعبت دور سياسي وظيفي وتصالحوا مع المتأسلمين خارج المؤسسات (الإخوان والمتسلفة) ممن أدانوا أغتيال السادات وعملوا مراجعات أشرفت عليها المؤسسات الدينية الرسمية والأمن، فأنتج هذا التحالف الذي استمر في مرحلة انتقالية قوامها 30 سنة، مجتمع طائفي متطرف دينياً وهابي/أرذوكسي يحسم تناقضاته وعاء خارج مؤسسات دولة المواطنة أطلقوا عليه بيت العائلة رافعاً شعار الوحدة الوطنية واهدار الحقوق شأن داخلي غير مسموح التدخل الخارجي فيه حتى ولو كان القضاء.. فتُرك للجنرالات التوشح بوشاح الدولة العلمانية أحزاب شكلية والحقيقي منها محاصرة داخل مقراتها وتجريم العمل السياسي خارجها، وبرلمان أعضائه خريجي مدارس الكادر التي تعدها المؤسسات الأمنية التي أحتكرت الوطنية وأنها أدري بمصلحة الوطن العليا التي هي مصالح الطبقة المسيطرة التابعة، وترك المجتمع بكاملة وعقله الجمعى عرضة لتناقضات المؤسسة الدينية الرسمية مع الجماعات المتأسلمة والجمعيات المسيحية وتركت لها السيطرة على مؤسسات المجتمع المدني (النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية والزراعية) وتغلغلت داخل الأحزاب وتحالفت مع بعضها بشكل علني وسيطرت على الأخر (الوفد والعمل والأحرار) وبعضها أسقفه منخفضة، وكان اتجاه جنرالات المرحلة الانتقالية ومؤسساتهم الرسمية تنتهج سياسة الخصخصة وتسليع الخدمات فتخلت عن دورها الاجتماعي والمجتمعي فزاد نشاط الرأسمالية التجارية والرأسمال المالي بغلاف ديني أخرجوا من التراث الديني ما يضفي عليه القدسية أي الحلال الرباني أمام الحرام العلماني، وسيطروا على المساجد ومنها على الخطاب الديني وشغلوا الفراغ التي تركته السلطة انطلاقاً من سياستها الاقتصادية فانشأوا المستوصفات الملحقة بالمساجد وأخرى بالكنائس وأسسوا جمعيات تحفيظ القرآن والمدارس الخاصة وقدموا تعليم جيد مقارنة بالتعليم الرسمي المنهار، وقد واجهته الدولة بفتح المجال أمام التعليم الأجنبي، وتسليع التعليم عن طريق مدارس رسمية غير مجانية تحت اسم المدارس التجريبية مع التخلي عن تأهيل المعلم الجيد وتحسين أجره وعملت على تدني وضعه الاجتماعي وتقديره أمام متلقي علمه الذي أصبح سلعه تباع عن طريق الدروس الخصوصية خارج المؤسسه التعليمية مما خلق مافيا الدروس الخصوصية والكتاب المدرسي، وأصبح دور السلطة لمواجهة هذه المافيا تجريبي بتغيير نظام الثانوية العامة والمناهج أكثر من مرة.. ومنافستها بتقنين الدروس الخصوصية داخل المدرسة التي لم تجد زبون لها.
وقد فقدت السلطة أخر عشر سنوات السيطرة على مؤسسات الدولة وقد تحللت لدرجة شجعت ممارسة الجماعات المتأسلمة لممارسة العنف منذ منتصف التسعينيات انطلاقاً من أرضية طائفية حتى بداية الألفية في الصعيد، وعلى أرضية فرض أجندة التعامل مع العدو الصهيوني في سيناء 2004 و 2005 و في ظل صراع أقليمي لإعادة تقسيم المنطقة أضعف جنرالات المرحلة حيث تغلغلت تلك الجماعات كالسرطان في عصب السلطة في المؤسسات المالية والمؤسسات الصحفية والإعلامية والمؤسسات الأمنية حتى وصلوا لتفاهمات وتحالف علني مع الجناح المدني في السلطة كمعارضة رئيسية أفرز 88 نائب في مجلس الشعب 2005 كنتيجة حتمية لدولة الإيمان التي عبر عنها اليوم شيخ الأزهر في سنغافورة، ورغم هذا قد تنامي تيار قوي في مواجهة هذا التحالف من أبناء الطبقة الوسطى واليسار والاشتراكيين والعمال والفلاحين والمضارة من فساد وغبن تحالف دولة الإيمان الطبقي بين الرأسمالية التجارية الذي يسيطر عليه رافعي رايات الدين والإيمان والرأسمالية العقارية ووكلاء الشركات متعدية الجنسيات وشركات السلاح، وهذا التيار المتنامي تبني هدف التغيير والانتصار لدولة المواطنة رافعاً شعار عيش حرية عدالة اجتماعية الذي وحد العقلي الجمعي للشعب المصري الذي أنتصر لهذا التيار في 25 يناير 2011 حتى أسقط رأس هذا النظام اعتماداً على تناقضات السلطة وضعفها، فكان سقوط رأس جنرالات المرحلة الانتقالية بمسابه إعادة لترميم تحالف المرحلة الانتقالية مع تغير في موازين القوى بصعود #جنرالات_كامب_ديفيد خريجي مدرسة دولة الإيمان دون علم، وقد خرجوا علينا في الإعلام وسماتهم في وجوههم، ولكن تناقضات هذا التحالف كانت أكبر من استمراره، فانهار تحت ضغط تيار يناير الجارف، فاستبدل #جنرالات_كامب_ديفيد حلفائهم بالتيار القومي ويسار نظام #مبارك والليبراليين مرحلياً حتى يتخلص تماماً من المتأسلمين التهديد الحقيقي لتواجدهم في السلطة، حيث وصل بينهم الصراع على السلطة لحرب علنية مسلحة، دفعتهم لغلق المجال العام تماماً، وفض كل تحالفاتهم وأصبحوا يحتكروا السلطة والثروة منفردين، دفعوا ثمنها تبعية سافرة للمركز الرأسمالي والانضمام العلني الواضح الذي لا يحتمل التأويل للحلف الصهيو-أمريكيْ واتباع سياساته الاقتصادية النيوليبرالية المتوحشة بشكل سافر، والالتزام الكامل بأجندة صندوق النقد الدولي، فدمروا كل بنية الإقتصاد المصرى الإنتاجية الصناعية والزراعية، وتغليب الاقتصاد الريعي وقطاع المقاولات والخدمات اللوجستية والرأسمال المالي، وتسليع جميع الخدمات وتخليصها من أي التزام للدولة في تقديمها للمواطنين بإلغاء المجانية عن الرعاية الصحية والتعليم وتقليص ميزانيتهما في الموازنة، وهو ما ظهر جلياً في قانون التعليم الجديد الذي لا يغدو بعيداً عن البنية الأساسية لدولة الإيمان دون مجانية، باستمرار التعليم الديني الأزهري قبل الجامعي والمدارس الأجنبية والدولية والجامعات والمعاهد العليا الخاصة.