Mulholland Drive: العقل؛ دعابته و لعنته

محمود الصباغ
2018 / 10 / 6

من تكون ريتا و لمَ تنتحر؟ ماحقيقتها؟ما علاقتها ببيتي إلمز؟ من هي ديان؟من كاميلا؟ ما سر المفتاح الأزرق ؟والوسادة الحمراء؟ لمَ تموت كاميلا؟ ما معنى الصمت؟
يقول ديفيد لينش عن فيلمه "لو حاولت أن تفهمه بالمنطق فسوف تجد نفسك -بلاشك-تائها، فما ستشاهده يخاطب المشاعر والعواطف، وليس العقل. لذا ما عليك سوى أن تتعامل معه على أنه حلم.. حلم غريب، حيث ترتبط المشاهد العشوائية ببعضها البعض ارتباطاً هشا غير متين، ومع ذلك لن تمكنك هذه المشاهد من الوصول إلى أية نتيجة مرضية أو واضحة".
فاللاوعي هو أحد سمات الفيلم،ورغم ما يعتري هذا اللاوعي من مسارات وتقلبات وهمية يتبعها فهو الجانب القادر على تجميد مسار اللحظة العقلانية ؛فأحلامنا،باعتبار مسرحها ساحة اللاوعي، ليست مجرد قصص تروى في اللحظة الراهنة، بل تنطوي أيضا على إحتمالية رؤية التجربة من زاوية أخرى دون تدخل العقل، وبالتالي يتيح لنا الحلم تقديم تجارب الماضي بطريقة مختلفة عما يمكن أن نعيشها في الواقع .ويبدو من الصعب تعريف الحلم على أنه مجرد استعارات خارقة، لأننا بوصفنا أشخاص مختلفين نتلقى الأشياء بشكل مختلف ولأن الموضوعات تحمل دلالات مختلفة وربما غير معروفة لكل منا بغض النظر عن معنى هذه الدلالات في الحياة الحقيقية أو الواقع (أي ما هو ليس حلماً) ,علماً بأن عدم اليقين يتضمن ،في العموم، مشاعر غريبة في بعض الأحيان.
وإذا كانت اللغة كلمات، فهذا الفيلم لغة كبيرة بحد ذاته تقدم لنا نظرة حول نمط أو أنماط تفكيرنا بالأحلام وكيف نفكر في الواقع بعيداً عن الحلم: كلمات؛ سردية بصرية لا واعية تقودنا نحو الحلم ؛ رحلة إلى طيات اللاوعي والغرائز والرغبات والجنون و"الحيوانية" البشرية. هواجس تشكل الموضوعات الرئيسية تتلاقى فيها مع السرديات البصرية بهيئة ثنائيات بين الأحلام والواقع، وبنوع من الفلسفة "الواقعية" حول "حياة" الأحلام و"حياة" الواقع .
#جادة_مولهولاند يصور الجنون الذي تخلقه حياة الممثلين في هوليوود وسعيهم للشهرة. فالمشهد الأخير يبدو كأنه تعبير عن حالة الممثلين المغمورين والمقهورين في هوليوود، جنون يمزج بين الضحك و البكاء الذي ربما يكون أمل في مستقبل أفضل يحلم به كل ممثل ولهذا ينتهي الفيلم بكلمة "صمت" التي تعبر عن انتهاء كل شيء،كل حياة وكل أمل، وكل دافع، وكل كره، وكل حب.
يفتتح الفيلم بسلسة صور ستخبرنا منذ البداية أننا لن نفهم شيئا منه أو على الاقل لن نفهم الشيء الكثير . تنتقل اللقطات بين راقصين يقترب رأسيهما من بعضهما البعض، مع جو من التشويش لتظهر صورة مهتزة لامرأة ووالديها يبتسمان لتقوم هذه الصورة بحجب صورة الرقصة. ثم يلقي لنا المخرج أولى بذرات اللغز، امرأة تتنفس وهي تدفن رأسها في وسادتها على سرير نومها. عند هذه النقطة، يجب أن يصبح واضحا أننا أمام فيلم يتحدث عن الحلم. وطالما الفيلم يشبه الحلم، فهو بطبيعة الحال سيسير مثل معظم الأحلام متعرجاً بطرقات تتخللها منعطفات كثيرة. فنحن نرى ابتداءً مشهد حلم يظهر فيه مجموعة من الناس يرقصون وينتهي المشهد بممثلة طموحة يحيط بها عجوزان رجل وامرأة، ويتقدمون ثلاثتهم لتحية الجمهور الذي يصفق لهم ثم يظهر سرير يحتوي وسادة حمراء..ثم، وعلى الطريق "اسمه جادة مو لهولاند ،وهو اسم الفيلم أيضاً" تنجو امرأة ذات شعر أسود من الموت بعد اصطدام سيارة مجهولة بالسيارة التي تقلها وتقل الشخصين اللذين يريدان قتلها. تهرب المرأة من مكان الحادث التي سوف تصاب بفقدان الذاكرة بسبب الصدمة و الرعب. لتصل مع الفجر شقة سيدة عجوز ذات شعر أحمر تهم بإخلائها، فتدخل إلى السقة .ثم نرى الفتاة "بيتي" في المطار" برفقة عجوزين "أيضا رجل وامرأة" تعرفت عليهما أثناء الرحلة؛ هما نفسهما اللذان ظهرا في المشهد الأول. يغادر العجوزان المطار بسيارة ليموزين سوداء. تصل "بيتي" إلى شقة عمتها وتعثر على المرأة ذات الشعر الأسود وتفترض أنها تقيم بموافقة عمتها. تخبرها "بيتي" كم هي سعيدة بوجودها في لوس أنجلوس. تبدو المرأة ذات الشعر الأسود مشوشة تماما ولا تعي ما يدور حولها حتى أنها لا تعرف اسمها، فتفترض أن اسمها "ريتا" بعد رؤيتها لملصق فيلم "Gilda" من بطولة ريتا هيوارث. هنا تقرر بيتي مساعدتها كي تتمكن من تذكر واستعادة هويتها، فتطلب منها البحث في حقيبتها عما قد يدل عليها، فتجدان مبلغاً كبيراً من المال ومفتاح أزرق غريب. بعد ذلك تذهبان إلى مطعم "وينكيز" تعمل فيه نادلة تدعى "ديان"،مما يجعل "ريتا" تتذكر الاسم "ديان سلوين". تقوم السيدتان بالبخث عن اسم "ديان سلوين" في دليل الهاتف ،ويعثران على الرقم،لكن دون جدوى إذ ىايرد أحد على اتصالهما. تذهب بيتي إلى تجربة أداء، فتقوم بجهد رائع تستحق عليه الثناء. ثم تمضي "بيتي"مع وكيلة ممثلين إلى موقع تصوير فيلمها "قصة سيلفيا نورث"، للمخرج آدم كيشر، فنرى "كاميلا رودس" تقوم بتجربة أداء،يعجب بها المخرج آدم ويسند لها دور البطولة. تغادر بيتي الموقع قبل أن ترى المخرج وتعتذر بأنه عليها مساعدة صديقتها. تذهب بيتي مع ريتا إلى شقة ديان وتدخلان عنوة عندما لم يرد أحد عليهما. فتعثران في غرفة النوم على جثة امرأة مضى على موتها كما يبدو عدة أيام، تصابان بالذعر فتهربان إلى شقتهما، حيث تتنكر "ريتا"بشعر أشقر . في تلك الليلة تمارس بيتي وريتا الجنس وتعترف بيتي بحبها لريتا. رحلة جنسية قصيرة يبدأ على إثرها خيال ديان الحقيقي بالتفتت والتلاشي.
تستيقظان عند الساعة الثانية صباحاً، وتصر ريتا على الذهاب إلى مسرح غريب يدعى مسرح "الصمت" حيث يظهر على خشبته رجل يشرح بعدة لغات أن كل شيء وهم؛و تبدأ امرأة بالغناء ثم تسقط منهارة، إلا أن صوتها يستمر بالغناء. وهنا يتحقق مادياً عنصر واحد على الأقل حين تجد بيتي في حقيبتها صندوق أزرق يطابق مفتاح ريتا. وعند عودتهما تأخذ بيتي المفتاح، ثم تدرك أن ريتا قد اختفت، فتفتح الصندوق ثم تسقط أرضاً. تسمع المرأة العجوز ذات الشعر الأحمر الصوت وتذهب للتحقق لكنها لا تجد شيئاً.
قبل ذلك نتابع ظهور رجل "الكاوبوي"وهو يقف أمام غرفة نوم ديان سيلوين و يقول:"مرحباً يا فتاة، حان وقت الاستيقاظ." فتفتح عينيها لنرى نسخة طبق الأصل عن "بيتي"، لكنها تظهر كممثلة فاشلة مصابة بالاكتئاب بسبب حبها العميق لكاميلا وتبدو عليها ملامح عدم الشعور بالرضا و تأنيب الذات،ولعل أكثر التجسيدات ألماً لتلك الهواجس الذهنية لدى ديان عدم قدرتها على الوصول إلى رعشتها الجنسية أثناء ممارستها للعادة السرية، في مشهد تعبر عنه دموعها المنهارة بغزارة مع ما يمكن ملتحظته من انعكاس لشعور الانكسار و تفكك الخيال و تعاظم الرغبة في الانتقام.
تدعو كاميلا ديان إلى حفلة في منزل آدم عند جادة مولهولاند ؛ وقبل أن تصل تتوقف السيارة التي تقلها وتتقدم كاميلا وتفتح لهة الباب وترافقها إلى المنزل ولكن عبر طريق ممتصر،و يظهر آدم كأنه مغرم بكاميلا. تقول ديان أنها قدمت إلى هوليوود بعد وفاة عمتها(ولكن في مشاهد أخرى تظهر عمتها حية )وانها التقت بكاميلا في موقع تصوير فيلم قصة سيلفيا نورث ، ثم تشاهد كاميلا وهي تتأبط ذراع آدم خلال الحفل ، وتأتي امرأة أخرى فتميل على كاميلا وتقبلها قبلة عميقة ثم تنظران معا نحو ديان وتبتسمان. يتحضر آدم وكاميلا للقيام بإعلان هام، ويبدأن بالضحك والتقبيل بينما تشاهد ديان ذلك وهي تبكي. (لم يكن اختيار كاميلا لدور البطولة بسبب م هبتها أو شهرتنا،إذ سوف نعلم لاحقاً أن آدم متورط مع أحد عصابات المافيا ، وهم من أجبروه على اختيار كاميلا للدور الرئيسي في فيلمه رغم عدم شهرتها . ولما يرفض ذلك، يعود للمنزل ليجد زوجته تخونه، ثم يطرده عيشقها من منزله. لاحقاً يعلم أن أصبح مفلساً لأن البنك أقفل ائتمانه المصرفي. يلتقي آدم مع شخص يدعى"كوبوي"الذي يحثه من أجل سلامته على اختيار كاميلا). تلتقي ديان مع قاتل مأجور في مطعم "وينكيز"، فتعطيه صورة كاميلا ومبلغاً كبيراً من المال، وتمر أمامها نادلة تدعى بيتي. يخبر القاتل ديان أنها سوف تجد مفتاح أزرق كإشارة على إنجاز مهمته، فتسأله عن المفتاح ،لكنه يكتفي بالضحك. تشيح بنظرها جانباً فترى الرجل صاحب الكابوس. ثم يظهر الصندوق الأزرق بحوزة رجل مشرد ذو وجه متوحش (نفسه من الكابوس) خلف المطعم. تغادر ظيان المكعم وتعود إلى الشقة لتجد المفتاح على الطاولة ، فتغرق في سيل من الهلوسات فترى الزوجبن العجوزين على هيئة أشباح يسغيان لإيذائها ، فتتناول المسدس وتطلق النار على نفسها.
ينتهي الفيلم بمشهد امرأة على خشبة المسرح تقول تلك الكلمة السمرية "صمت". وسوف نصل منطقياً إلى استنتاج يؤدي بنا إلى اكتشاف أن ديان قد انتحرت،.وهنا نصل إلى أكثر المشاهد إدهاشاً في الفيلم فهذه اللحظات الأخيرة قبل إسدال الستار تقدم لنا مساحة سينمائية تمهد لدور الصمت وتقدم ربما بعداً مجرداً من خلال تقويض أي تفسير محتمل لمقولة "الحلم والواقع" فتسلسل الماضي يضم في جنباته صوراً خيالية لوعي موت ديان الذي هو بمثابة الصمت النهائي حيث ينتهي كل شيء بموتها الحقيقي، و بعد أن تطلق ديان النار على نفسها يتكشف لنا تلك المحاولات اليائسة لاكتشاف الوهم حيث يعم دخان كثيف على السرير و تظهر بيتي وريتا ثم تندمجان معا وتتبخران ثم تظهر امرأة على المسرح تهمس "سيلنسيو" في الوقت الذي تتحول فيه الشاشة إلى السواد.. الصور الختامية تطفو على منطقة ظليلة غير واضحة المعالم تنوس بين الخيال والواقع.
ينهار حلم ديان في الحقيقة عند محاولتها اكتشاف ما بداخل الصندوق حيث يتشتت خيالها وتكتشف كم عانت وهي ترى نفسها تتبدد في طيات الحلم ولتكتشف أن هذا لم يكن كافياً للهروب من واقعها وخطاياها ثم لتكتشف ضمن حلمها حبها العظيم لكاميلا، ويبدو أن حالة ديان الذهنية قد وصلت إلى حد العصاب المرضي وأن ذنبها قد استهلكها حتى آخر قطرة فتتجلى هلوستها في مواجهة صريحة بين وعيها لذنبها و التراجع عن لاوعبها أو الانتقال وترك نفسها هناك ، ويبدو أنها سوف تدع نفسها تمضي وسوف يقوم اللاواعي بأخذها نحو مساحة الوعي فتقدم على الانتحار .
تظهر ديان الحقيقية بشخصية منقسمة ،فقسم منها مازال يعيش بأحلام كبيرة ينوي تحقيقها في هوليوود، وقسم آخر كئيب متأذي من هوليوود .بينما في الحلم ومن خلال السلوك الجنسي بين ريتا و بيتي يتحد اىقسمان في كلٍ واحد على أمل إصلاح أضرارها العاطفية. وفي تفسير آخر يمكن القول إن عوالم بيتي وريتا وديان وكاميلا هي عوالم متوازية،ترتبط مع بعضها أحياناً وتتقاطع في أحيان أخرى، أو أن الفيلم كله مجرد حلم، لكنه حلم غير معروف.
جميع الشخصيات المقدمة لنا في هذا "الحلم" عبارة عن شخصيات مختلقة في الخيال وكل شخصية بمثابة قرين لنظيرها في الواقع، بما في ذلك قرين الشخص الحالم نفسه. وكما يقال ليس بالضرورة أحباناً أن تنطوي الأحلام على معنى, فالجزء الأول من الفيلم يمثل حلم ديان سيلوين الحقيقي، حلم ذاتي عن واقع بديل يتجسد في الفتاة البريئة بيتي فيقوم الحلم بإعادة بناء هذه الشخصية وخلق تاريخ مادي لها "ضمن الحلم" ويتمثل هذا التاريخ بما يشبه فيلم هوليوودي قديم. تظهر بيتي في الحلم ناجحة وفاتنة تعيش وهي تتخيل نفسها ممثلة مشهورة، من جهة أخرى نرى حياة ديان الحقيقية الفاشلة شخصياً ومهنياً على حد سواء، تسعى لقتل عشيقتها السابقة كاميلا،بيد أنها لا تقو على التعايش مع ذنبها ,فتعيد "في الحلم" تصور نفسها على أنها ريتا التابعة المطيعة فاقدة الذاكرة تعاني طوال الحلم من هشاشة تؤدي بها إلى نهايتها المحتمة،فتكون ديان هي الشخصية الحقيقية وبيتي هي الشخصية الذي أرادت أن تكونها وتحلم بها.ريتا تعيش في محنة ولذلك هي بحاجة ماسة لوجود بيتي في حياتها , فتسيطر عليها بيتي مثل دمية تلهو بها، ريتا هي بيتي الفنتازية التي تريدها كاميلا.ربما هذا هو المعمار الرئيسي للفيلم -الحلم بما يحمله من عناصر واقعية و غير واقعية، ففي قلب هذا النسيج تحاول ديان الحصول (من خلال حلمها) ولو على جزء بسيط من الوفاء و الحماية.
هذه الحالة العصابية التي تعيشها ديان و المتمثلة بأحلامها ليست سوى نتيجة لأنانيتها ،و لايمكنها،بوصفها ممثلة فاشلة تحقيق أحلامها الكبيرة لهذا تعتمد على كاميلا التي ترى فيها حلمها "الأمريكي" الكبير، حلم هوليوود ,لكنها تغضب منها حين تراها تبتعد عنها فتحاول التخلص منها بقتلها ،ومن الواضح هنا أن كاميلا قررت أن تمضي للعيش مع آدم حيث تنزلق بهدوء نحو حلمها الخاص الذي لايتطابق بالضرورة مع حلم ديان، فالواقع ليس رومانسياً طوال الوقت(مثلما أن الحلم ليس كابوساً دائماً), وهذا ما ستكتشفه ديان متأخراً , وحين تستأجر من يقتل كاميلا فهي بطريقة أو بأخرى تقوم ظاهرياً بقتل حلم هوليوود.
يقول كارل غوستاف يونغ: "هناك أشياء لا حصر لها تتجاوز نطاق الفهم الإنساني، ونحن نستخدم باستمرار مصطلحات رمزية لتمثيل مفاهيم لا يمكننا تحديدها أو فهمها تماما." عندما يتم تفسير الفيلم على أنه حلم، تنشأ إيماءات رمزية مثيرة للاهتمام. فالجميع لديه أحلام إيروتيكية بطريقة ما أو نزوات نستشعرها في لحظة ما،وهي بلاشك مستوحاة، على الأرجح،من الرغبات أكثر منها من التجارب، وتحتوي هذه الرغبات في جزء منها على مضامين مبهمة أحياناً عن احتضان أحلامنا لشخوص قد لا نعرفهم حق المعرفة ولكن ظهورهم يكون له دور مساند في تدعيم الحلم وصورته الذهنية في لا وعينا(أو على الأقل الجزء الإيروتيكي منه في حال وجوده). فتنشأ حالة خاصة لإيقاظ مشاعر ما غريبة لا تتوافق مع اليقين الذي نحمله في حالة اليقظة وكثيراً ما نتسائل هل "موضوع الحلم" هذا مألوف لنا؟ ماهي الدلالات التي يحملها؟ تتكاثر الاسئلة لأننا في الحقيقة نكون غير قادرين على إعادة تعريف "التعاريف" الموجودة بالفعل لهذه الموضوعات. كل الأشياء الرمزية، التي تظهر في تسلسل الحلم هي في الواقع مألوفة ومن صلب الأشياء اليومية المعاشة، بيد أنه يتم عرضها على أنها استعارات مجردة بسبب دلالاتها غير المعروفة. فالشخصيات في الفيلم لا تحاول تقديم تفسير ما، بل أن تكون صورة هذا التفسير
من ناحية أخرى يرفض فرويد طريقة تفسير الأحلام على أساس معانٍ معينة ومحددة وثابتة للصور في الحلم. ويدعو هذا الأسلوب "فك التشفير"، الذي "يعامل الأحلام كنوع من التشفير حيث كل علامة يمكن ترجمتها إلى علامة أخرى لها معنى معروف، وفقاً لمفتاح ثابت". غير أنه يقر بعدد من الأمثلة الشائعة للمعاني الرمزية الثابتة في الأحلام، (يرتبط و
معظمها بالحياة الجنسية بشكل عام وتمثيلات من الأعضاء الجنسية للذكور والإناث على وجه الخصوص).يقول فرويد "أن المشي صعودا أو هبوطا على السلالم يمكن أن تقرأ على أنها تمثيل للفعل الجنسي".
يبدو مناسبا هنا استخدام مثل هذه الإيماءات لمنهج فرويد في تفسير الأحلام لفهم الاستعارات الرمزية في تسلسل الحلم في الفيلم، فالمشاركة الجنسية هنا ليست مجرد فعل ظاهري غايته إصلاح العلاقة بين ديان و كاميلا "على الأقل في ذهن ديان الحقيقية" فحيب، بل يمكن القول عنه أيضا أنه يتاخم معاني السلوك الجنسي حول فانتازيا العادة السرية، التي تتخيلها ديان، فثمة سؤال قديم جديد يسأل الإنسان فيه ذاته في كل مرة يمارس فيها عادته السرية، هل ممارسة الجنس مع النفس استمناء؟ عندما تمارس بيتي الجنس مع ريتا، فإن ما نشهده ليس فقط تحقيق النشوة المرغوبة في أعلى مستوى ولكن نرى أيضا الفانتازيا في حلم كاميلا بحصولها على الجنس مع بيتي (كاميلا هنا تبدو كأنها تلعب دور ريتا وديان بذات الوقت حيث تكون بيتي بمثابة الصورة الرمزية لحلم ديان.)
الجزء الصعب في الفيلم "وقد يراه البعض بالممتع وقد يراه البعض بالسيء" هو التعايش مع هواجس الفيلم وكيفية قراءة تسلسل الحلم فيه بوصفه يشاطىء اللاوعي و محاولة تذكر أسماء الشخصيات المتبدلة، وأسماء الأماكن و رمزيتها بوصفها أشياء عقلانية. مثل هذا التحول والتبدل هو ما يعطي الفيلم نكهته الخاصة ولغزه الساحر. وهكذا يتركنا المخرج فاغرين افواهنا ،مندهشين أمام نهاية مفتوحة بما يجعل معظم أحداث الفيلم مشرعة برحابة للتأويل.
لقد امتنع الفيلم -ربما قصداً-عن تقدم تفسير واضح لنواياه في سرد القصة، تاركا للجميع فرصة تخمين ما حدث واستكشاف قدرتنا وقدرة عقلنا الواعي على إعادة ترتيب خطوط قصص وصور حياتنا اليومية ذات البعد الخطي في الزمن.
قد لا تكون سردية الفيلم على هذه الدرجة من الخطية وهي بكل تأكيد ليست بهذه البساطة، وهو ما سنراه من خلال العديد من المشاهد غير المترابطة والتي رغم ذلك تؤدي مساراً موحداً بمساعدة خيال جامح للمخرج وسرد مبطن وصور قد تكون مفتاح لبعض الرموز. وحيث أن الزمن -بالإضافة إلى الحلم-هو أحد أكثر عناصر الفيلم تشويشاً، فهذا سيضيف أعباء إضافية علينا لمحاولة المسك بخيوط الفيلم. ويبدو واضحاً حجم الجموح الكبير الذي يميل بالمخرج لجهة تقديم واحد من أكثر الأفلام خيالاً وسوريالية، يتم فيه عمداً خلق الكثير من الاحتمالات التي تنشأ ليس عن طريق الصدفة حيث تكون الهيمنة للحلم وفضاءاته كمحاولة لسبر أغوار العقل كما لو أنه يريد تحقيق الهشاشة التي نكاد نلمسها في الحياة: حياتنا، يومياتنا، مشاغلنا ارتباكنا، آرائنا، كل ذلك في مشاهد متعددة بعضها متكرر.
يكشف الفيلم عن موهبة عظيمة لمخرج يمتلك ناصية أدواته السينمائية، فنحن أمام عمل مدهش لفنان حقيقي يصنع عوالم فيلمه بطريقة تبدو ملحمية في بعض ملامحها ينفذ من خلالها رؤيته وتصوره الخاص وينجح بجعل المتلقي مستغرقاً في عالمه بشغف ومتعة وتشويق، وما هو مثير أكثر هو تلك المساحة التي تستغرقها سردية الحلم التي نصادفها في كل مشهد تقريبا حتى نكاد لا نميز بين ما هو حلم وما هو واقع بين ما هو خيال وماهو حقيقي.
قد يقول البعض هذا لايعني أن الفيلم جيد أو أن هذا ليس مقياساً للجودة.قد يكون هذا صحيح، لكن الفيلم يبرهن على أن المخرج مازال قادر على خداعنا بقدرته-في كل مرة نشاهده - على خلق صدمة الرعب من الأحداث اليومية العادية والمألوفة التي قد تحدث في بلدة ما في هذا العالم.