الجامعة العربية والشرق الأوسط والمتوسط

عبدالجواد سيد
2018 / 10 / 5

الجامعة العربية ، والشرق الأوسط ، والمتوسط
غالباً ما تتسبب الأزمات الكبرى فى التاريخ فى إعادة صياغة للنظام الإقليمى والعالمى ، لتفادى أسباب النزاعات التى نشأت عن النظام القديم ، تماماً كما خرج نظام وستفاليا فى الإعتراف بسيادة الدولة الوطنية والحريات الدينية من آلام الحروب الدينية الأوربية فى القرنين السادس عشر والسابع عشر، وأصبح أساساً للنظام الإقليمى والعالمى إلى زمن قريب، عندما بدأت أفكار الدولة الإقليمية تظهر للوجود، على حساب الدولة القومية ، لمعالجة أسباب نشوء النزاعات القومية التى أدت الى الحربين العالميين، الأولى والثانية، الإتحاد الأوربى نموذجاً. وفيما يخص مشاكل الإرهاب والتدخلات الأجنبية وموجات الهجرة غير الشرعية إلى الشمال ، تلك الأزمة الكبرى التى تضغط على الإقليم اليوم ، وتهدد أمنه وإستقراره، يجب أن نقر بأن النظام الإقليمى العربى الذى يمتد من بغداد إلى مراكش ، فى إطار جامعة الدول العربية، قد فشل فى معالجة هذه المشكلات أو تقديم بعض الحلول لها، حتى إنفجرت وطفحت على العالم كل هذا الشر المستطير، وأنه قد آن الأوان لطرح أفكار جديدة حول نظام إقليمى بديل.
لسنا بصدد الإستغراق فى الحديث عن جامعة الدول العربية، فقد تحدثنا عنها كثيراً، ولكن لابد من الإشارة سريعاً إلى أن جامعة االدول العربية لم تكن أبداً نظاما إقليمىاً حقيقىاً يعبر عن مصالح مشتركة بين مكوناته السياسية، ولا عن رؤية ناضجة للمستقبل، وقد فشلت لإنهاعجزت عن تدعيم نظام تعليمى حديث وركزت على الصفة العربية ألإسلامية للجامعة، مما كان له أثر كبير فى نمو حركات الإرهاب الإسلامية المتشرة فى العالم اليوم ، كما فشلت فى إقامة نظام دفاع إقليمى مشترك، يدافع عن أمن المنطقة التى تمثلها ، مما أعجزها عن الردع المشترك والسريع فى مواجهات الأخطار والتدخلات الأجنبية فى المنطقة، بحيث إنزلقت هذه الأخطار والصراعات فى النهاية إلى حالة من الحروب الأهلية المستمرة طويلة المدى، والتى أصبحت تهدد أمن وإستقرار العالم ، الحالة اليمنية والسورية نموذجاً، وفى نفس الوقت ، فقد عجزت عن إقامة سوق عربية مشتركة بين الدول الأعضاء مما وسع الهوة الإقتصادية بين شعوبها ، وخلق بينهم حالة من الجفاء، خاصة فى عصر الثروة النفطية، التى لم يكن للجميع نصيب فيها ، وبدل من ذلك فقد أقيم مجلس للتعاون الخليجى ، كنظام إقليمى فرعى، وناد للأغنياء داخل الجامعة وأعضائها الفقراء، ومع ذلك فأن مجلس التعاون الخليجى قد يكون هو كل ماتبقى من النظام العربى اليوم، وذلك فى حالة إذا ما إستطاع ضم الجنوب اليمنى الفقيرإليه، بعد تحريره من التدخل الإيرانى ، ليخلق بذلك نظام إقليمى فرعى متجانس، يدعم أمن وإستقرارالمنطقة، إذا ماإستطاع أن يعيش فى حالة تفاعل إيجابى مع الأنظمة الإقليمية المقترحة الأخرى، والتى يمكن إستعراضها فى الآتى :
1-إتحاد الشرق الأوسط الكبير، وقد وردت الإشارة اليه فى بعض الكتابات وتصريحات السياسيين ليس أكثر، ويبدو للوهلة الأولى المشروع الأنسب ، والأكثر منطقية لإن يخلف نظام الجامعة العربية ، بتوسيع نطاق أعضائه ليشمل كل الدول الشرق أوسطية الأخرى كإيران وتركيا وإسرائيل ، والدولة الكردية فى المستقبل، وأن يقوم على وحدة الجغرافية ومقتضيات الأمن والمصالح المشتركة ، وليس على مجرد الروابط الثقافية التى شكلت نظام الجامعة العربية وفشلت، لكن الأفكار الجيدة شئ وإمكانية تنفيذها شئ آخر، فهذا النطاق الحضارى، والنظام الإقليمى المفترض ، يحمل فى ثناياه ضعف قاتل، يتمثل فى صراعاته الداخلية الشديدة، وعدم الرشاد السياسى الغالب على وحداته السياسىة المختلفة ، مابين دول متصارعة ، ودول ديكتاتورية ، ودول فاشلة ، وهى نفس الأسباب تقريباً التى أدت الى فشل نظام الجامعة العربية ، وبالتالى فإن إمكانية تنفيذه فى الزمن الحالى غير واردة ، ولايتعدى المجال سوى لطرحه كمجرد فكرة ، وترك إمكانبة تنفيذها للمستقبل.

2-إتحاد دول شرق المتوسط، وهى فكرة رومانسية لم تنسى النخبة المتحدة حول الماضى الهيلينستى المشترك لشرق المتوسط الحديث عنها أبداً، ولكن مع دخول العامل الإقتصادى، الفاعل فى كل أحداث التاريخ ، والمتمثل فى ثروات الغاز المكتشفة على سواحل شرق المتوسط بكثرة ، بدأت الفكرة تنتقل من مجرد فكرة رومانسية إلى فكرة واقعية تحتاج إلى نظام إقليمى يعبر عنها ويحمى ثرواتها ، وبدأ مردودها السياسى يتبلور فى سياسات الإقليم العامة ، كالمناورات العسكرية المشتركة بين مصر واليونان وقبرص مثلاً والإتفاقيات السياسية والإقتصادية المتبادلة بينهم، أوفى التصدى الإسرائيلى للتدخل الإيرانى فى شئون الإقليم، والتفاهمات مع مصر واليونان وقبرص فى هذا الخصوص أيضاً ، كما بدأت تطرح نفسها على الفكر السياسى للمنطقة ، فى مثل نموذج الدراسة المشتركة ، المذكورة فى المراجع أسفل ، والتى قام بها المعهد الأوربى لشئون المتوسط، بالتعاون مع المعهد الإسرائيلى للسياسات الخارجية الإقليمية ، وبتمويل من الإتحاد الأوربى ، والصادرة حديثاً باللغة الإنجليزية، تحت عنوان - شرق المتوسط، المحركات الجديدة وإمكانات التعاون المستقبلى - وثلاًثة عناوين فرعية لفصولها الثلاثة المختلفة - نحو نظام دفاعى مشترك فى شرق المتوسط - المؤثرات الإقليمية وإكتشتفات الغاز فى شرق المتوسط - الحرب فى سوريا وتأثيرها على محركات شرق المتوسط - وتستعرض الدراسة الإمكانات والعقبات، وتحدد نقاط الضعف الكبرى ، فى صراعات النظام الأردوغانى التركى مع مصر واليونان وقبرص، وتعثر الحل السلمى للصراع الإسرائيلى االفلسطينى ، والوجود العسكرى الإيرانى الروسى فى شرق المتوسط ، والذى نرى أنه فعلاُ يمثل العقبة الرئيسية فى رسم أى تصور مستقل للمنطقة ، فالدول العظمى عندما تحل فى منطقة لاتتركها بسهولة ، كما أنها هى التى تتولى رسم سياساتها فى الغالب، ولذا فإن هذا النظام المقترح يواجه عملياً عقبة شبه مستحيلة وهى إخراج روسيا من سوريا ، فهذا إن تم لايمكن أن يتم بدون الإستعانة بدول غرب المتوسط ، وربما بالإمتداد الأمريكى للعالم الغربى، وحتى وفى حالة نجاح ذلك فسوف يبقى المشروع مشروع إقليمى فرعى يساهم فى حل جزء من مشاكل المنطقة ، بتطوير وحماية منطقة آمنة للتطور الإقتصادى ، فى ظرف مشابه لمشروع مجلس التعاون الخليجى كنظام إقليمى فرعى يخدم جزء من أمن وإستقرار المنطقة ،ويعمل كجسر حضارى رابط بين الشمال والجنوب ، مع الفارق بأن إخراج إيران وضم اليمن إلى المجلس ، أسهل من إخراج روسيا وإعادة سوريا إلى الإقليم بشكل بعيد للغاية، وبهذا يصبح مشروع شرق المتوسط ، ليس مجرد مشروع فرعى فقط ، ولكن مشروع مستقبلى أيضاً، مثله مثل مشروع إتحاد الشرق الأوسط.

3-إتحاد المتوسط ، وهو مشروع قديم ، قائم بالفعل بمعظم مؤسساته، والمعلن عنها فى أول وآخر إجتماع له سنة 2007 برئاسة الرئيس الفرنسى نيكولاى ساركوزى والمصرى حسنى مبارك ، وبمشاركة 42 دولة من دول المتوسط والإتحاد الأوربى ، كان الهدف منه، وبمبادرة أوربية، معالجة مشاكل الحاضر قبل أن تتفاقم كما تفاقمت اليوم ، وهو ليس مجرد نظام إقليمى، ولكن مشروع حضارى شامل، يستمد روحه من التاريخ المشترك للمتوسط الكبير، خاصة فى العصر الرومانى ، ويهدف إلى تحقيق التكامل بين دوله ،على المستوى الأمنى والإقتصادى والثقافى ، وهو مشروع ضخم يشمل بين ضفتيه كل الأقاليم الجيوسياسية الفرعية الأخرى ، كشرق المتوسط ودوله الشرق أوسطية أيضاً ، وشمال إفريقيا ، ويعالج مشاكلها ضمناً، ويقع على جانبيه الباقى من دول الشرق الأوسط ، ومجلس التعاون الخليجى، ودول غرب إفريقيا.
إن التأمل فى مشروع إتحاد المتوسط سوف يقودنا إلى أنه المشروع الإقليمى الأمثل ، ليس فقط كبديل عن نظام الجامعة العربية، ولكن كبديل عن كل المشروعات المقترحة الأخرى ، وكضرورة للجنوب وللشمال أيضاً، حيث أنه يعالج مشاكل الجنوب المسببة لتلك الأزمات معالجة شاملة، من خلال تكامل أمنى وإقتصادى وثقافى مع الشمال المتقدم ، كما أنه يشمل نطاق جيوسياسى ضخم ، من شأنه فى حالة إستقراره ، أن ينعكس إيجاباً على المناطق الجيوسياسية المجاورة ، ولايحتاج المشروع إلى مزيد من البحث والدراسة، لإنه قائم بالفعل بمعظم مؤسساته ، فقط يحتاج إلى الإرادة السياسية لتفعيل تلك المؤسسات ، خاصة من الجانب الأوربى ، القائد لهذا المشروع منذ البداية.
أهم المراجع
1-جامعة الدول العربية بين الحقيقة والخيال- عبدالجواد سيد – الحوارالمتمدن
2-أساطير الدين والسياسة - عبدالجواد سيد- الحوار المتمدن
3-مصر والبحر المتوسط - عبدالجواد سيد - الحوار المتمدن
4-The Eastern-Mediterranean-New Dynamics and potential for cooperation - EuroMESCO joint policy study -conducted by European institute of The Mediterranean - IEMed - and Israeli institute for regional foreign policies- MITVIM)..