قصة السويس كما رواها سادات غريب..

السيد إبراهيم أحمد
2018 / 10 / 4

صدر كتاب "قصة مدينة السويس" للكاتب سادات غريب في عام 2017م، وكان بمثابة الكتاب الأول الصادر عن جريدة "البيان السويسي" التي ترأسها وقدَّمت للكتاب الأستاذة نجاح محمد علي، والغلاف يوحي بأن الكتاب قراءة تاريخية بانورامية للسويس قبل النشأة وعبر العصور حتى اليوم، ولكن الكاتب كما أوضح الحدود المكانية لكتابه عن السويس حدد أيضًا الفترة الزمانية التي سيتناولها فأشار في الغلاف الداخلي إلى أنه سيتناول صفحات مجهولة من معركة 24 أكتوبر 1973م، على أنه بدأ من قبل تاريخ النكسة بأيام في الأول من يونيه 1967م كمدخل تأسيسي يبني عليه الأحداث التي تلت بعد ذلك تباعا.

يأخذ سادات غريب القارئ في جولة داخل مدينته وأثر النكسة عليها وعلى شعبها الذي عانى الويلات التي دعته لتفجير النكات الناقدة المريرة، ومع هذا لعق جراحه وقام بدوره الوطني تجاه الجنود الراجعة الجائعة وكيف وزع السوايسة عليهم الطعام والسجائر بل تنازل عمال المصانع عن وجباتهم لهم عن رضا، ثم ينقلنا الكاتب بسرعة داخل يوميات المحافظ ولقطة فلاش باك على الأيام التي سبقت النكسة ودوَّنها في أجندته من الأول من شهر يونيه وحتى الحادي عشر منه، وكيف تكاتف الشعب مع القيادة السياسية إلى أن وقعت الهزيمة المُرة وتنحى رئيس الدولة وسانده الشعب رافضًا الموقف برمته ومطالبا باستعادة الأمل واستكمال المسيرة.

كما تطور الموقف العسكري على جبهة القتال الذي بدأ تنفيذ مهمة واسعة تستهدف إنقاذ الجنود العالقين في صحراء سيناء خاصة وأن القوات الإسرائيلية تتقدم نحو شرق القناة، ويكون لهيئة قناة السويس برجالها ومعداتها شرف هذه المهمة التي تلتها على الفور مهمة تزامنت مع وقف القتال ألا وهي إعادة تنظيم وإعداد القوات المسلحة، وكانت البشائر في قيام حرب الاستنزاف واستعادة الثقة للجيش والشعب معا، وترويع العدو باستهداف مواقعه.

يعود الكاتب بطريقة الفلاش باك الوثائقية والتي بدأها من زاوية رسمية مع محافظ المدينة، ليبدأها هذه المرة من مذكرات أحد أبطال منظمة سيناء العربية، وهي منظمة فدائية عربية أنشأتها مصر في أعقاب الاحتلال الإسرائيلي، ألا وهو المرحوم الفدائي غريب محمد غريب الذي تعرَّض من خلال صفحات مذكراته لأحداث أول عملية فدائية ناجحة قام بها ونتج عنها أسر أول إسرائيليين وإفشال رفع علم العدو على القناة، وبعدها تم تكليفه بضم عناصر سويسية تصلح لمهمة الانخراط في العمل الفدائي، ثم ذكر بعض من عمليات حرب الاستنزاف التي قام بها أبطال المنظمة، وقسوة لحظات تهجير الأهالي عن السويس على من اضطرتهم ظروفهم لذلك ثم استدعتها الضرورة الملحة تحت وطأة الضربات الإسرائيلية على رؤوس المدنيين العزَّل.

تصل أحداث الكتاب إلى النقطة الارتكازية المفصلية وهي انتصار السويس في الرابع والعشرين من أكتوبر التي أولاها الكاتب عناية خاصة منذ أن رصد دخول العدو والاستعداد للمواجهة معه، وحين عرض أحداث ذلك اليوم دقيقة بدقيقة، واستعرض كمائن أفراد منظمة سيناء في صباح ذلك اليوم أيضا، كما سجل يوميات السويس لمدة عام تبدأ من أكتوبر 1973 إلى أكتوبر عام 1974 وما فيها من أحداث هامة، ثم اختتم الكتاب بملحق يحوي سيرة ذاتية قصيرة ممعن الذين استشهدوا ومن رحلوا ومن بقوا على قيد الحياة من منظمة أبطال سيناء، وكذلك صورًا تذكارية لهم ولبعض الأحداث التي شهدتها السويس وهو ما أعطى زخمًا للكتاب.

تعود أهمية الكتاب لشخص الرواي "سادات غريب محمد" من كونه ليس فقط قد أرَّخ لهذه الفترة التاريخية المفصلية بأمانة ولكن لأنه نجل شيخ الفدائيين المرحوم غريب محمد غريب، ومن المهتمين برصد وتسجيل أحداث مدينة السويس، ومن وراء كتابه هدف أسمى يتجلى في تخليد ذكرى من قدموا حياتهم وأرواحهم وشبابهم فداءً للسويس مدينتهم، ولمصر وطنهم بل للعروبة كلها، وسجلا يحفظ تاريخهم المتصل بتاريخ مدينتهم في فترة تاريخية حاسمة وهامة، ورسالة إلى القادمين من أجيال قادمة من أبناء المدينة ومصر ليعرفوا ما قدمه أجدادهم من تضحيات كانت سببًا في استعادتهم لوطنهم وأن يعيشوا فيه أحرارًا بلا خوف من عدو، ويتخذونهم قدوة.. يتمثلون حياتهم وحماسهم وجهادهم ضد من يريدها بأذى أو مؤامرة أو حرب.

كم أتمنى أن يواصل الكاتب والمؤرخ الوطني السويسي الغيور سادات غريب محمد غريب عرض مذكرات باقي أبطال نجمة سيناء، كما أتمنى أن يكون هناك آلية مصرية ترعي مثل هذه الكتابات وجمعها في مجلدات كالأعمال الكاملة عن السويس، وأن يقرر من خلالها مستخلصا عن تاريخ السويس يوزع على طلاب مدارس المدينة الصامدة من الأجيال الجديدة أو كقصة مقررة عليهم، لتترسخ في وجدانهم، وتعيها ذاكرتهم؛ فالوطنية والجهاد إرث وجينات تسري في الدم والروح، وهو ما انتقل إلى الكاتب من والده وسينتقل منه لأبنائه لتظل دائرة الوطنية متواصلة لا تعرف التوقف.