عن فلسطين ..عنها ،بوصفها أكثر من تفصيل

محمود الصباغ
2018 / 10 / 4

شيعت غزة بداية الأسبوع سبعة من بنيها سقطوا خلال المواجهات الأسبوعية مع آلة القتل لجيش الاحتلال، أكبرهم لم يتجاوز السادسة و العشرين وأصغرهم لم يكمل ربيعه الثاني عشر.ثم يأتي اليوم من كان قواداً في مواخير مولدوفا ليقول في حديث لأحد محطات الإذاعة الصهيونية:لن نسمح بتغيير اقتصادي هام في غزه لأن الهدف جعل حياتهم هناك لا تطاق حتى يتم إسقاط حكم حماس ونلاحظ تقدماً شعبياً ضدها . و سوف تحافظ السلطة على جهودها الأمنية بالتنسيق معنا حتى في غياب أية تسويه سياسيه.
سبعة شهداء ،ولا مين شاف ولا مين دري.
والحديث عن الانحياز ضد غزة (وفلسطين وشعبها عموماً) لا يتوقف بسبب الخلط المتعمد و المنهجي بين "الضحية و "المعتدي" ،حيث بات هذا الخلط يجد طريقه في الموقف الرسمي العربي متساوقاً مع الموقف الغربي في تصوير الإسرائيليين على أنهم "يعيشون في واحة الديمقراطية" المحاصرة من الأعداء حيث تنهال عليهم الصواريخ "المتطرفة-الجهادية" من كل صوب و حدب.ومن شأن مثل هذا الملمح أن يقودنا إلى استنتاجات مضللة حتى قبل طرح الأسئلة ليزيد من تشويه "الآخر" ثقافياً و أخلاقياً.فبحسب التمثلات المجردة لن يستطيع الفلسطيني أن يقدم نفسه كآخر لأن هذا سيؤدي لاختزال صورة اليهودي كنموذج للآخر (كما يظهر ذلك في النقاش الغربي العام بخصوص السياسة الإسرائيلية) ,فتظهر معاناة "اليهود"كمعاناة تاريخية غير مسبوقة ؛مما يسمح لهم "كضحايا" أن يكونوا نموذجاً للضحية الإنسانية و بالتالي التواجد في مطرح محظور غير قابل للنقد, وفي السياق الإسرائيلي فإن هذا التصور يمنح اليهودي-الإسرائيلي الحق ، كما أي يهودي آخر, بالمجاهرة بكونية وعالمية "تضحيته" ويكون التاريخ اليهودي هو "تاريخ الإنسانية".ويستمر التمثل الغربي في تأمله غير المفهوم -لنا على الاقل- ليقرر أن الدفاع عن إسرائيل و عن "يهوديتها" لا يمثل عقبة أمام "إدانة قتل الفلسطيني" لكنه في ذات الوقت يتغاضى عن إرهاب الدولة الإسرائيلية ضد جموع الفلسطينيين , وسيكون من يدعم القضية الفلسطينية عرضة للابتزاز السياسي واتهامه بمعاداة السامية ،و التأكيد على أن الفلسطينيين أنفسهم هم من يتحملون سوء وضعهم ؛باعتبار أنهم امتلكوا ومنذ العام 1948 ا فرصاً حقيقية للسلام و التعايش مع إسرائيل ؛لكنهم اختاروا العنف بدل السلام وفشلوا في نقل رسالتهم وقضيتهم ولهذا لا يمكن اعتبارهم ضحايا.وفي الخقيقة مثل هذا الرأي ليس سوى تسطيح ساذج و متعمد لجوهر المسألة وغير تاريخي"بمعنى الثبات خارج المكان و الزمان".
وفي العموم تساعد هذه الرواية في تفسير الفشل في تشكيل رأي عام قوي ومتماسك في الغرب يمكن أن يكون تيار غضب و رفض لما يتعرض له الفلسطينيين, فالفلسطيني في المتخيل الغربي ينظر له كموضوع متغاير , وهو ليس ضحية بطريقة ما ,بل في أغلب الحالات معتدٍ على الإسرائيلي وهو منتج للإرهاب, نظراً لأن "اليهود" هم دائما "هدفا للإرهاب"-وليسوا إرهابيين-.وكلما دق الكوز بالجرة يردد الساسة الغربيون أن على السلطة الفلسطينية "نبذ " الإرهاب و كأن هذه الصفة لصيقة و تنتقل بالوراثة.
عندما نقول أن إسرائيل استعمار ليس كمثله شيء ،لابد أن يقودنا هذا إلى الحديث عن جوهر مشكلة الفلسطينين( و التي هي أولا و أخيرا مشكلة بنيوية ناتجة عن كبيعة الحالة الاستعمارية الصهيونية) ,فثمة الكثير مما يمكن قوله هنا من خلال الصورة العميقة للفلسطيني ضمن منظور"الاستشراق" و "الحرب على الإرهاب".
إن إسرائيل , بوصفها التطبيق الصهيوني لاستعمار فلسطين, شكلت ,ومازالت,بؤرة إغراء و جذب للعديد من الدراسات (النظرية و الميدانية) لفهم ظاهرة "النسق " الاستعماري الإحلالي المتشابك بين رغبته في أن يكون مجتمعاً "غربياً" في بقعة مشرقية وبين اختياراته الروحية الدينية و تنازعه الحثيث لأن يكون مجتمعاً ليبرالياً منفتحاً تقوده تكنولوجيا رائدة ومتطورة وبين نزعات قومية فاشية مختلطة بتصورات مرضية عن الآخر ومركبات نفسية يغذيها أوهام الوطن الموعود وشعب الرب و مقاربة الماضي بما يشمل ماكان قائماً مع الحاضر ليصل الأمر إلى خلق تشابهات أو تماثلات مع الحاضر وفرض وقائع ما غير موجودة سوى في أذهان أصحابها ،وإلا فماذا يعني الإصرار الشديد على أن "أجدادهم" كانوا هنا حقاً قبل آلاف السنين.
يقترح جورج أغامبين في تفسيره اللحظة السياسية التي يتحول فيها سلوك السلطة إلى نوع من السيطرة على الحيز و الجسد فلا يتم التمييز بين العنف و القانون.و يتم اختزال الوجود الإنساني "للآخر" إلى مجرد حياة عارية تعنى فقط بالوظائف الفيزيولوجية لهذا الجسد المتحرك بقانون خارجي ,وهكذا جُرّد الفلسطيني من هويته و تحول إلى "موضوع" أو "معتقل" أو "مخرب" أي "شيء" ماعدا كونه إنسان ,و تصبح حياته "عارية تماما" وتحت رحمة سلطة استعمارية مطلقة تتمتع بفائض قوة هائل مختل لصالحها على الدوام يخوّلها "كيّ" طبقات الوعي الفلسطيني و الحياة اليومية، وهو لا يمثل فقط اعتداء على الحياة المؤهلة سياسيا - فضاء المحتمع السياسي داخل الدولة الفلسطينية الممكنة - بل أيضا اعتداء صارخ على "الحياة المجردة" نفسها.
يحيلنا هذا الأمر-نظرياً-إلى رأي يرى بعدم وجود هامش حقيقي يمكن بموجبه تعريف بنية الدول المختلفة المعاصرة، سواء كانت بنية دولة مستبدة أم دولة استعمارية. فالنظريات الحديثة عن السلطة و السيادة و السيطرة و غيرها أصبحت ترى أن الدول الحديثة -باعتبارها دول قومية -تمارس العنصرية بشكل "طبيعي"بحكم تعريفنا للقومية.وعلى الرغم من انتشار الفكرة الشائعة التي تقول أن معظم الدول القائمة حاليا إنما قامت على أساس قومي ..فإن هذه الدول ليست قومية بطريقة ما بحيث يمكننا بسهولة ملاحظة كافة التشكيلات الوطنية و الإثنية و العرقية تعيش في هذه الدول جنبا الى جنب سواء سلمياً ام تخوض في ما بينها صراعاً على التمثيل و الإقليم،بيد أن القومية بحد ذاتها هي فكرة متخيلة يشترك فيها أعضاء جماعة اجتماعية معينة . تقوم بالدرجة الاولى على مفهوم الحدود ( و ليس فقط الحدود الجغرافية) . مفهوم الحدود يتحدد بتشكيل الهوية عبر التاريخ المشترك ، غير أن فكرة الحدود نفسها تلعب دورا وظيفيا أيضا في خلق مزاعم معينة لجماعة ما في إقليم ، كما هو الحال في فلسطين و بعض دول البلقان( بلغاريا و مقدونيا مثلا ) أو باكستان و الهند في الصراع على كشمير أو الصين و اليابان و غيرها من الامثلة . السؤال الهام الذي لا يمكن للقومية أن تجيب عليه بطريقة كافية ووافية نوعا ما هو : ما السبب الذي يجعل شخص ما يموت في سبيل الوطن؟؟؟ أهي الحدود الجغرافية للإقليم للدفاع عنه ؟ أم التاريخ ؟ أم المصلحة الاقتصادية أم الدين ؟؟؟ الكثير من الاسئلة تشكل إحراجا للقوميين .
أما "العنصرية" هنا فهي حالة متطرفة من الاستبداد؛ و لايمكن للدولة الحديثة-كما يزعم ميشيشل فوكو- الاستمرار في العيش دون تورطها في العنصرية التي يرى فيها فوكو "قطعاً "بين "ما" ينبغي له(من أفرادها) العيش و بين "ما" ينبغي له الموت"، وهذا يعني تحول الدولة على ضوء هذه التجانسات البنيوية لمفاهيم مثل السلطة و العقاب و الانضباط و المراقبة إلى دولة "طبيعية" يمثل فيها تطور التقنيات البيولوجية الرافعة الموضوعية للعنصرية التي سينتج عنها بلا شك ممارسات متفاوتة تتراوح بين الاستعباد الجماعي وصولاً للقتل الجماعي.
سوف تزعم الدولة "الطبيعية"أنها تخدم جميع مواطنيها و تحتج بامتلاكها الشرعية للعمل على تقليل وتهميش الفروقات الأخلاقية المتقاطعة مع سياسات الدولة من خلال "اختراع" لغة خاصة "محايدة و موضوعية" و بالتالي يتحول النقاش حول سياسات الدولة إلى مجرد نقاش حول مسائل تقنية تعنى بقضايا الرأي العام لا أكثر, و لن تتعدى مناقشة القيم التي تكرس المعمار الاجتماعي-الانساني. وهذا ما يمثله التلاعب القاتل في معادلة القوة و السلطة التي تقوم على "شرعية" الحق السيادي في إدارة الحياة اليومية للمواطنين و "احتكار" استخدم السلاح ضد العنف (الداخلي و الخارجي) على حد قول ماكس فيبر , ومن هنا كانت ردة الفعل "الكولونيالية" الإسرائيلية المتطرفة على انتفاضتين فلسطينيتين سابقتين ملفتة للنظر على الصعيدين الداخلي و الخارجي , فعلى الصعيد الداخلي عملت إسرائيل على تكثيف الاستيطان في ما بقي من أراض الضفة و تحويلها إلى أرخبيل مقطع الأوصال و من ناحية أخرى بناء جدار الفصل العنصري الذي سيساهم عند انتهائه في توسيع الهوة بين الفلسطينين أنفسهم و انقاطعهم عن أمكان عملهم و سبل عيشهم اليومي فضلا عن عزلهم ضمن "حظائر" بعيداً عن عيون الإسرائيليين "الكيوت" و "الحسّاسين "جداً إزاء قضايا الإرهاب و القتل .
أما ردة الفعل الخارجية، فتمثلت بقيام إسرائيل(ساعدها في ذلك أحداث 11 سبتمبر ووجود رجل في البيت الأبيض مثل جورج بوش الإبن ) بالترويج لبروباغاندا صاخبة غايتها تحويل المجموع الفلسطيني إلى مجموع جمعي إرهابي "وراثي" ،عبر أفكار و ممارسات تتلطى خلف أوهام حل عسكري لحسم الصراع على الأرض،مشكوك في مدى واقعيته حتى من قبل قادة أمنيين,فقد جاء في عريضة موجهة للرأي العام الإسرائيلي ,نشرتها " يديعوت احرونوت "مطلع العام 2004، وقع عليها أربعة من رؤساء " الشاباك " السابقين،وهم: أبراهام شالوم ويعكوف بيري وكارمي غيلون و عامي أيالون." إذا ظلت إسرائيل متشبثة بالخيار العسكري في مواجهة الفلسطينين فقط فأنها مهددة بخطر الزوال ". ومن "التضليل الإيحاء للرأي العام أنه بالإمكان ضمان أمن الدولة وبقائها عن طريق القوة وبدون الاستعداد لدفع الثمن الذي تتطلبه تسوية سياسية دائمة مع الفلسطينيين ".
لقد تحولت فلسطين مع بداية المشروع الاستعماري ليهود أوروبا الصهاينة إلى فضاء مخترق يمزقه العنف المنهجي الذي صار جزء من طبيعة وسياسة هذا المشروع ودولته اللاحقة ،و شكل "الييشوف" الاستيطاني الزراعي مجتمعاً يهودياً صهيونياً ينمو ليس على حواف المجتمع الفلسطيني بل في قلبه ،مما مكّنه لاحقاً من التحول -بفضل تعاظم الهجرة-إلى أغلبية أدت إلى كسر إيقاع الحياة اليومية الفلسطينية وفرض هندسة القوة ودفع فلسطين إلى حافة التاريخ واليأس، و تحول ما بقي مع الفلسطينيين من "وطن" إلى "أراضٍ متنازع عليها" أشبه بفضاء إقليدي مسطح وإلى رموز هندسية محايدة ( أ ...ب .. ج) ،لاسيما بعد أوسلو ،وهذا يتطلب فرض منهجية متعاقبة و متجددة من الإذلال الوطني و المجتمعي و النفسي للفسطينيين ؛ فالفلسطيني "شر مستطير لابد منه" ولذلك لابد من "ضبط إيقاعه" عبر سلسلة لاتنتهي ،بل تزيد، من القوانين و العقوبات الصارمة الجماعية و الفردية وإيصال رسالة في منتهى الاستعلاء و الاستكبار " قاومنا ,حتى نتمكن من سحقك, قاومنا و سترى ماذا سيحل بك و بعائلتك"...
عندما يتحول التاريخ إلى مطية ،تنطلي لعبة الاستعارة و التورية على المتلقي وتصبح الأمكنة و الأحداث و الأشخاص "مواضيع"مقيمة جبراً داخل النص وتصبح حتى أعظم الأفكار مجرد هلام...غبار ليس إلا. فالأمر لايتعلق بفكرة مرغوب فيها لتغيير حقيقة ما تاريخية أو سواها ؛فصفات البشر وخصائصهم هي صفات حقيقية-لك أن تختار أنت نوع هذه الحقيقة- وواقع انتمائهم هو أيضا واقع حقيقي و هو أكثر وضوحا في عالمنا المعاصر بسبب الصراعات التي تتولد منه ،فنحن لا نعيش على سفينة نوح كي نقول لهؤلاء البشر بسهولة : هيا يا رفاق لا توجد حقا فروقات كمية قابلة للقياس بينكم , لذا تقدوموا و انسوا ما بينكم ....
يقول لنا التاريخ-إن رغبنا التعلم منه- لن يعدم الفلسطينيون وسيلة للمقاومة؛ ربما ليس اختيارا أو خيارا؛حتى لو تم وصف أعمالهم البطولية على أنها " إرهاب" فإن ما يقومون به يوميا وبحسب وصف إدوارد سعيد يعد "واحد من أعظم حالات التمرد ضد الاستعمار في عصرنا الحالي"