الفن والمجتمع

عبدالله احمد التميمي
2018 / 10 / 4

الفن والمجتمع
كيف يمكن للأشياء المختلفة أن تكون متألفة اكثر اذا امتزجت مع بعضها البعض كما الفن والمجتمع ، فهما يشتركان في الكثير من المواضيع والأساليب ، وحتى أنهما يستخدمان بعض التقنيات نفسها في التعبير، فعندما نقوم بتحليل مفهوم الفن نجد ، ما هو إلا انعكاساً لكل العمليات الاجتماعية الحياتية على مر العصور ، وعندما نتأمل المجتمع نجد انه منحوتة فنية بكل مكوناته اذاً العلاقة تشاركية حتمية وأزلية في نفس الوقت ، فالإنسان بطبيعته عنصر نشط بالمجتمع ،فنجده ينتج كي يشبع رغباته الحياتية من اجل البقاء بالأساس ، لا من اجل التمتع بالحياة ،كما الفن باقي وهو شكل من أشكال الإنتاج الإنساني موجود في المجتمع من عمر وجود الأنسان على هذه الأرض ،ونعتقد هنا ان كل عناصر مكونات المجتمع هي نفسها عناصر بناء العمل الفني ، والفرق بينهما في الكم وليس في الكيفية ، فجمال المجتمع من جمال فنه ، فلو استعرضنا هنا اهم هذه العناصر لكي تتضح لنا الأمور .
أولا من عناصر بناء العمل الفني كما نعلم : الترابط والوحدة ،فالمجتمع المترابط الموحد بكل مكوناته الفسيفسائية يمتلك صورة جمالية رائعة ، واعلى صور الترابط يتجسد في نواة المجتمع الأسرى
ثانياً التوازن وهو عنصر مهم في نجاح العمل الفني وله عدة أشكال منها التوازن المحوري والتماثل في الكتل والمساحات ، والمجتمع الذي يسوده العدل المحوري يبعث في النفس الارتياح والسعادة والرخاء وعكس ذلك يثير الفوضى والقلق الى حد البشاعة المجتمعية .
ثالثاً الحركة وهذا العنصر مرتبط بالحياة والأنسان وهو من أسس نجاح العمل الفني فنجد ذلك بالخط وبالعلاقات اللونية كما المجتمع الذي يتجلى بحركة انسياب السلع التجارية الى الأسواق وحركة عجلة الصناعة والزراعة وفلاحة الأرض ،
رابعاً الانسجام في العمل الفني يظهر لنا في التألف في المكون وشدة الترابط بين الأشكال والألوان وملامس السطوح ، ونعتقد ان المجتمعات التي يحكمها القانون المدني والذي يوحد كل أطياف المجتمع تحت مضلة قانون وأنظمة وتعليمات الدولة يظهر الانسجام الخالي من الكراهية والتعصب .
اما عناصر الفنان الناجح نعتقد إنها نفسها عناصر العمل الفني ايضاً،لان الفنان هو جزء من المجتمع والذي يحمل نفس طبيعية العمل الفني ، مع الاختلاف في كينونة ذلك الفنان من ناحية ملكاته الفكرية والتأملية ،من هنا يجب ان نعي تماماً أهمية دور الفن في المجتمع بحكم وحدة الطبيعة السارية فينا والتي نؤثر ونتأثر فيها ، فربط الفن بالمجتمع يعني استحضار التقدم والازدهار من النور الى الظلام ، وبالتأكيد أن تطوير الفنان يعتمد على الثقافة المجتمعية السائدة ، بالإضافة الى الإدراك الذاتي لدور الفنان الذي يعكس جمال هذا المجتمع، بحيث نستنتج انه لا وجود لمجتمع بلا فنون ولا فن بلا مجتمع ، وهذا المفهوم الذي أعطى تفسيرًا اجتماعيًا أكثر تحديدًا وذات صفة معيارية لرقي المجتمع ،وما مستوى تقديرينا لمعنى الجمال والفن ،الا وسيلة تعبيرية عن ماهية ذلك الوسط ،فالفن يحاكي العالم ويعطي صوتاً للأفكار والمشاعر البشرية ،من حزن ، فرح وما الى ذلك من مفردات تعبر عن الحالة المجتمعية في ذلك الزمان والمكان ، لذلك تم اعتبار دراسة التاريخ الفني لأي مجتمع متوازية مع دراسة علم السيسيولوجيا "علم تاريخ فن المجتمعات " والأدب البشري .
ففن المجتمع هو نشاط قائم على البيئة المجتمعية ،حيث تتميز بالتفاعل أو الحوار مع كل اطراف المجتمع وغالباً ما ينطوي ذلك على الوسط الثقافي الفني ،كما انه يمكن أن تشمل الممارسة الاجتماعية المشاركة في صنع التاريخ الفني ، والتي يشار إليها بالفن التشاركي الاجتماعي العام ، لذا فإن العنصر التشاركي في هذه الممارسة ، هو أمر أساسي حيث أن الأعمال الفنية التي يتم أنشاؤها هي صورة موازية للعمل التعاوني البناء القائم على الأنثروبولوجي "طبائع البشر".
وقد يندمج مفهوم الفن مع السياسة والمال ، من اجل تحقيق هدف مشترك ، فالسياسيين بحاجة للفنانين لتثقيف المجتمع بالمبادئ والمنهج المراد تطبيقه على ذلك الوسط ،وهنا يتوسع مفهوم الفن الى درجة التكيف مع المجتمع كعلاقة الفن بالدين ، المال ، بالبيئة ،الأعلام ،الحرب كما يمكن اعتباره شكل من أشكال السياسة المشاركة في استمرار السلطة ، من خلال تمثيلها بالحياة العامة ، بمعنى أخر ان يرتبط الفن بكل المفردات المجتمعية ،اذا اعتبرنا ان كل شخص يقوم بتنفيذ أي شيء بمهارة وحرفيه عالية وتفرد هو فنان فريد من نوعه ،من حيث ارتباطه بالطبيعة وبالثقافة والسياسة وبكافة العلوم على وجه الأرض ،كما انه هو الأنسان الوحيد القادر على ربطنا بالماضي والحاضر والمستقبل ، اذا الفن هو المجتمع بكل مكوناته بالمعنى السوسيولوجي .
المرجع
اينيك ،نتالي (2011) سوسيولوجيا الفن ،ترجمة حسين قبيسي ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت ،لبنان