طبيعة العلاقات الدبلوماسية لإقليم كوردستان العراق بعد 2003

جونا صبحي جميل
2018 / 10 / 2

يصف المراقبون الخارجيون الإقليم في بعض الأحيان، بأنه "العراق الآخر"، لها حكومتها و برلمانها و قوى الشرطة و الأمن الخاص و علاقات دبلوماسية مع العالم الخارجي و الحقيقة أن زيادة انخراطها في الشؤون الدولية يثير عدة تساؤلات في ذهن المتابع للشأن الكوردي عن طبيعة علاقاتها الدبلوماسية بعد 2003، أبرزها:
- التساؤل الأول: ماهي مراحل تطور العلاقات الدبلوماسية في إقليم كورستان العراق؟
هناك عدة مراحل مرت بها الدبلوماسية الكوردية، و في هذا السياق نستذكر بصورة سريعة المراحل التي خاضتها منذ بداياتها، كما يلي:
- المرحلة الأولى، امتدت بين عامي 1961 و 1991، كان التواصل الكوردي مع العالم الخارجي ضعيفاً ولم يكن رسمياً. وكان اللقاء الخارجي الأبرز خلال تلك الفترة قد عقد مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، والذي وعد بتقديم دعم للكور لكنه لم يترجم كلامه بأفعال على الأرض الواقع.
-المرحلة الثانية، للفترة الممتدة من عام 1991 إلى عام 2003، اتسمت بالدعم الإنساني وانفتاح كوردي على إقامة علاقات محدودة ببعض دوائر السياسة والقرار في عواصم الجوار العراقي، مثل تركيا وإيران وسورية وبعض المؤسسات والشخصيات الأوروبية. واستفاد الكورد في تحركاتهم بإصدار مجلس الأمن الدولي القرار 688 في (5 إبريل/نيسان 1991)، والذي تم بموجبه إنشاء منطقة حظر للطيران العراقي الامر الذي شكل بداية تأسيس حكم ذاتي كوردي بصلاحيات واسعة. في تلك المرحلة، لم يتسم النشاط الدبلوماسي الكوردي بطابع سياسي، بل انحصر في الإطار الإنساني، حتى بعد تدخل الخارجية الأميركية عام 1998 ورعاية اتفاق مصالحة بين الحزبين الكرديين الرئيسين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
-المرحلة الثالثة، بدأت في إبريل/نيسان 2003 وهي مرحلة ما بعد احتلال العراق حيث أدى الإقليم دوراً أكبر، و حصل على مزايا أفضل و ضعته في مقام شبه مستقل و بخاصة فيما يتعلق بعلاقاتها الدبلوماسية التي فيها شاهدنا الإهتمام المتزايد من جانب دول كثيرة بإقليم كوردستان سياسياً و الى يومنا هذا، سنعرض حيثياتها فيما يلي من تساؤلات.
-التساؤل الثاني: هل هنالك اساس قانوني دستوري يستطيع اقليم كوردستان ان يستند اليه او يستمد منه حقه لإقامة العلاقات الدبلوماسية بعد 2003؟ و ماهي المشتركات بين وزارة الخارجية في الحكومة الاتحادية و الإقليم على مستوى التمثيل والعلاقات الدولية وهل تتعارض مع الدستور ام متوافقة؟ وما هي الاسس التي استندت اليها الإقليم في علاقاتها الخارجية ضمن توصيفات العلاقات الدولية ؟
في الواقع، لم يعانِ إقليم كوردستان كثيرا من تأسيس علاقات خارجية واسعة، فقد كان منذ عقود يدير مثل هذه العلاقات خارج سيطرة المركز في بغداد، قبل أن يجري في عام 2005 إقرار الدستور العراقي الذي منحه صلاحيات وحقوقا واسعة لتكريس هذه الاستقلالية النسبية في السياسة الخارجية، لذا قامت حكومة الأقليم بموجب قوانين الإقليم (المادة 22 من نظام مجلس الوزراء في إقليم كردستان رقم 1 المؤرخ بـ 15-6-2006) ودستور الجمهورية العراقية لعام 2005 (المادة 121، فقرة 4) بتأسيس دائرة للعلاقات الخارجية و التي تقابل وزارة الخارجية في أيلول 2006، بوصفها ضرورة و ركيزة مهمة من ركائز الحكومة لتعزيز مصالح الإقليم وشعبه وتنفيذ الكثير من الواجبات في ميادين عدة وخاصة في ميدان العلاقات مع المجتمع الدولي. و الدائرة هي إحدي الدوائر التابعة لرئاسة مجلس الوزراء من أجل وضع الإقليم في قلب الأحداث الدولية وتفاعلاتها و إبراز جهود الحكومة في ميدان العمل الدبلوماسي من خلال تطوير العلاقات الدبلوماسية لحكومة اقليم كوردستان مع دول العالم. لذا تأتي اهمية دائرة العلاقات الخارجية كونها المؤسسة المسؤولة عن بناء السياسة الخارجية لحكومة اقليم كوردستان و حماية مصالحها و مواطني إقليم كوردستان المقيمين في الخارج عن طريق ممثلياتها في تلك الدول وفقا لتشريعات إقليم كوردستان ودستور جمهورية العراق. عليه، أصبح الإقليم الكوردي "مستقلاً بحكم الأمر الواقع" مما سمح بتكثيف علاقاتها الخارجية و التي تعرف اصطلاحاً بـ "الدبلوماسية الموازية" Paradiplomacy، وهو مصطلح يشير إلي النشاط الخارجي المباشر للمدن والأقاليم والوحدات الإتحادي (Federated) الذي يسير جنباً إلي جنب مع الدبلوماسية التقليدية للدولة. ويظهر ذلك عندما تحصل الكيانات داخل الدول علي صلاحية ممارسة نوع من السياسة الخارجية في إطار الدستور والقوانين التي تسمح لها بالمشاركة كلاعب فاعل في الساحة الدولية بصورة مستقلة عن الدولة المركزية التي تنتمي إليها سعياً وراء المصالح الخاصة لمواطنيها. لذا فحسب الدستور تعد رسم السياسة الخارجية والدفاعية والمالية من صلاحيات الحكومة الإتحادية، لكن بوصف الاقليم شريكاً في الدولة الفدرالية، التي يجب أن تؤمن بالتفويض والشراكة في القرار السياسي و إدارة البلد، يقع جزء من تنفيذ هذه السياسة علي عاتقها بالتنسيق مع الحكومة المركزية و أحيانا بالتعارض بسبب سياسة التهميش من الحكومة الاتحادية إذ عقدت أربيل عدة اتفاقيات نفطية مع عدد كبير من الشركات الأجنبية، دون الرجوع إلى الحكومة العراقية.
-التساؤل الثالث: هل العلاقات الخارجية بمعزل عن الدولة الاتحادية؟
ان فتح القنصليات في إقليم كوردستان العراق جاء على أساس كونها جزء من الدولة العراقية الاتحادية(الفيدرالية) مثله كمثل فتح القنصليات في البصرة و غيرها من المدن العراقية، ليس على أساس دولة ذات سيادة و كيان مستقل عن العراق. لذا يستند الى الشرعية الدستورية لاجراء علاقتها الخارجية بما فيها إبرام اتفاقيات غير متناقضة مع الدستور و السياسة الخارجية العراقية و لاسيما في مجالات التنمية و التطور الامر الذي مهده تأسيس مكاتب للأقاليم و المحافظات في السفارات و البعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية و الاجتماعية و لإنمائية و التطور، فضلا عن ذلك الزيارات التي يقوم بها رئيس الإقليم و كذلك رئيس الحكومة و المسؤولون للدول الأجنبية و استقبالهم بشكل رسمي، و الزيارات المتكررة للمسؤولين الكبار على مستوى روؤساء الدول و نوابهم و وزراء خارجيته الى إقليم كوردستان يدحل ضمن البعثات الخاصة و التي أكدتها اتفاقية فينا لعام 1969 المتعلقة بالبعثات الخاصة، التي تعد مكملة لاتفاقية فينا لعام 1961 للبعثات الدبلوماسية و بديلاً له. كل ذلك يقوم بدور المبعوث الدبلوماسي لإقليم كوردستان العراق حتى في دول الجوار فإن دل على شي فهو يدل على المكانة المهمة للإقليم و يدخل ضمن الاعتراف الواقعي و الضمني لحكومة إقليم كوردستان من قبل الدول الكبرى و الدول الصديقة.
-التساؤل الرابع : هل اثبتت حكومة الاقليم دورها الدبلوماسي في الوقت الراهن؟
تمكن الإقليم من بناء علاقات دبلوماسية منفتحة تعتمد الاسس الديمقراطية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة أساساً للانفتاح الدبلوماسي على دول الجوار والعالم، بالإضافة الي الدبلوماسية الممنهجة جعل من الإقليم منطقة إقتصادية مزدهرة وآمنة وسط كل التوترات والتشنجات الموجودة في الشرق الأوسط، حيث إستطاعت حكومة الإقليم ان تؤسس دائرة للعلاقات الخارجية خاصة بإقليم كردستان، وقد تم فتح أكثر من (14) ممثلية للإقليم في دول العالم المختلفة، وأكثر من(14) ممثلية لدول أجنبية في الإقليم، ومكاتب دائمة وممثلين لبعض المنظمات الدولية وأن تستقطب الآلاف من الشركات الاقليمية والدولية بما فيها شركات النفط العملاقة التي استثمرت مليارات الدولارات في مجال تنقيب النفط واستخراجه وربط مصالح كبريات شركات النفط العالمية بمصالح كردستان الاقتصادية والسياسية. .إن نموذج العلاقات الدبلوماسية التي قدمها الكورد منذ أكثر من 20 عاماً ، رغم بعض النواقص في المرحلة التي أدت الى انفتاح الإقليم على العالم الخارجي لايعني انه لاتوجد عوائق امام تواصل الإقليم على الصعيد الخارجي و التي يمكن ان نشير الى أبرزها.
1.الازمة المالية الخانقة منذ اكثر من ثلاثة اعوام كانت السبب في عدم افتتاح ممثليات جديدة لحكومة الإقليم بسبب قطع مستحقاتها منذ عام 2014 من الموازنة الاتحادية العامة للدولة العراقية، الى جانب ذلك دخلنا حربا دفاعية ضد أشرس منظمة ارهابية (داعش)، علاوة على قدوم نحو المليونين من اللاجئين والنازحين من الداخل والخارج الى كوردستان، كل هذه الأمور القت بظلالها الرمادية على مجمل اوضاع الاقليم بضمنها علاقاتها الدبلوماسية.
2. لسنا بدولة مستقلة ولا يمكننا العمل وفق البتروتوكول الدبلوماسي، حيث لا نستطيع من دون موافقات الحكومة الاتحادية في بغداد ان يكون لدينا مراكز دبلوماسية في الخارج، إذ لا توجد وزارة خارجية في الإقليم، ولا نمتلك حتى الآن معهدا للتأهيل والاعداد الدبلوماسي .
3. قلة الكفاءات التخصصية، كذلك عجزت عن ايجاد آلية لزيادة تقوية العلاقة مع الشخصيات الاجتماعية والثقافية والاعلامية البارزة في المجتمعات الغربية التي لها تأثير على رأي العام في مجتمعاتها وعلى اصحاب القرار فيها، وهي من صميم عمل ووظيفة العلاقات الخارجية في كل مكان.
عليه، امام هذه المعوقات و غيرها لأ يمكن انكار أن الإقليم استفاد من نصوص الدستور العراقي لعام 2005 والذي منحه حقوقاً كرست له نوعاً من الاستقلالية في بناء استراتيجية وعلاقات خارجية مع الدول بمعزل عن بغداد، لتثير علامات استفهام كثيرة حول سر تمكن أربيل من حشد الدعم الدولي لصالحها على حساب بغداد من خلال الزيارات التي يُجريها مسؤولون غربيون إلى الإقليم، فضلاً عن نجاح السلطات في تنظيم مؤتمرات مختلفة بحضور شخصيات غربية نافذة فبعد عام 2003، شهد إقليم كوردستان زيارات لعدد من المسؤولين الغربيين وشخصيات نافذة في الاتحاد الأوروبي، أبرزهم وزراء خارجية كل من بريطانيا ولوكسمبورغ وبلجيكا وهولندا، ووزراء دفاع الولايات المتحدة وإيطاليا والمجر وكندا وبريطانيا وألمانيا، إضافة إلى نائب رئيس الوزراء الهولندي، لودفايك آشر... و غيرها. بمعنى آخر، يمثل عدد الذين زاروا كوردستان أربعة أضعاف مَنْ زار بغداد من الشخصيات الدبلوماسية والدولية حتى الآن، وهو الأمر الذي دفع بغداد، إلى الاعتراض على زيارات التي شهدها كوردستان، معتبرين أنها كان يجب أن تتم من بوابة بغداد. أمام هذه المعطيات و غيرها، يجب الاعتراف ايضا ان الدبلوماسية الكوردية هي بمواجهة تحديات قوية ومعقدة تقودها الحكومة المركزية في العراق التي تحاول على الدوام خلق أزمات اقتصادية وسياسية خطيرة لإقليم كوردستان، أي إلهاء الإقليم بمشاكل وأزمات داخلية لإضعاف فعالية حراكه الدبلوماسي.