نينوى في حياة اليهود

طلعت خيري
2018 / 10 / 2

قلنا في مقالة سابقة –ان المغزى العقائدي من تكرار قصص الأنبياء في الكتب السماوية وخاصة القران هو لإزالة ما علق فيها من تداخلات الأديان السياسية التي حرفت القصص وصاغتها بما يتماشى مع أهدفها السياسية الطائفية والقومية –سطر الفكر التوراتي القومي قصة النبي --يونان- يونس --ضمن الجغرافية المقدس لبني إسرائيل – حيث جعل ارتبطا روحيا مقدسا بين نينوى ويونان- يونس وهيكل مقدس الرب في أورشليم-- -- صانعا امتدادا روحيا ذات أهدافا قومية يمتد من فلسطين الى نينوى --الإصحاح-- صلى يونان لربه في جوف الحوت فقال لقد طردت من أمام عينيك ولكنني أعود انظر الى هيكل قدسك –لقد أحاط بي غمر الماء والتف عشب البحر براسي ونزلت الى أسافل الجبال ومغاليق الأرض علي الى الأبد --ثم أصعدت من الوهدة حياتي حين أعيت في نفسي فذكرت الرب فجاءت إليك صلاتي الى هيكل قدسك

الإصحاح—

وبلغ الأمر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد ونودي وقيل في نينوى عن أمر الملك وعظمائه قائلا لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئا لا ترع ولا تشرب ماء وليتغط الناس والبهائم بمسوح ليصرخوا الى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم لعل الله يندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك فلما رأى الله أعمالهم رجعوا عن طريقهم الرديئة فندم عن الشر الذي تكلم به




في سوق الصوافة في باب الطوب ، وفي منتصف الشارع ، كانت نسوةٌ يهوديات يفترشن الارض ، على شكل سلسلة احداهن وراء الاخرى ، ويعرضْنَ خدماتهن في خياطة الثياب على نحو سريع يكاد يكون فوريا يقودهم رجل كبير في السن يهودي ايضا ، هو من يُفَصِّلُ قطعة القماش ، ومن يقيس القماش على الزبون الواقف ، الذي اشترى لتوه قطعة القماش من بزازين يقابلون هذه السلسلة البشرية وهو من يتحاسب عنهم ، وهو مَنْ يدير عملية الادارة برمتها . لكن كيف يعمل هؤلاء ؟؟ إنهن يعملْنَ بشكل تكاملي ، حيث يقوم هذا الرجل الكهل في المقدمة باخذ القياسات اللازمة للزبون الذي كان قد اشترى القماش لِتوِّهِ من البزاز المقابل ، ثم يُفصِل اجزاءه على البدن مباشرة ويقصه ، ثم يرمي بالاجزاء المفصّلة الى العاملات خلفه ، فيبدأن بحركة مكوكية سريعة، كلٌ منهن ، بخياطة ما يُلقى اليها ، من ردن ، والى الثانية الصدر، والتالية الردن الاخرى، والتالية الجيوب والاخرى الازرار ، وهكذا الاخريات يخطنّ الاجزاء الاخرى لتنتهي الاجزاء المخيطة الى عاملة جالسة في آخر السلسلة فتجمع الاجزاء المخيطة وتوحدها وتربطها كلها وتنهيها على شكل ملابس جاهزة ، يلبسها الزبون من فوره . وهكذا ترى هذا الزبون الذي اشترى القماش ودفع ثمنه ثم فصله وارتداه ، قبل أن يرتد اليه عقرب الربع أو النصف ساعة بالكثير .
كان هذا يحدث في الشارع الذي يمتد من (( الصَوَّافَة )) شمالا باتجاه ساحة باب الطوب الداخلية وسوق العطارين وخانات دبغ الجلود ، في هذا الشارع الذي يتقاسمه بائعو الصوف والوبر والخز وتجارُه ، وبعض البزازين بائعو الاقمشة الخفيفة والملونة ، يتوسط الصوافين والبزازين فيه بضع دكاكين لصاغة فضة ، من الجانب الايمن ، وبعض بقالين يبيعون الدهن الحر ( السمن البلدي ) ، في الجانب المقابل، ويفصل بين بقالي السمن البلدي فسحة هي عبارة عن مدخل( جانبي ) الى سوق اللحم القديم ( الشارع الموازي لشارع الصوافة ) .وهما شارعان ، لاتمر فيهما المركبات الكبيرة والسيارات .


زبائن هؤلاء العاملات يكونون عادة ، من ابناء الريف الذين ينزلون الى الحاضرة ( الموصل ) بعد فترات جني المحصول وتوفر السيولة النقدية ، ويتجهزون بالمواد الغذائية والتبوغ ، والشاي والسكر واليابسات ( البقوليات ) ، و يشترون ملابس لهم ولذويهم من الاطفال والنساء ، وبالمقابل ، فانهم ( اي ابناء الريف ) يجلبون ما لديهم من مشتقات حيوانية ، من صوف وسمن وشعر ماعز وبعض المحصولات البرية والاعشاب ، وما يمكن أن يكون سلعة قابلة للتسويق . ويتبضعون فيما يتبضعونه ايضا ، مخشلات ( عبارة عن اقراط او خلاخيل خفيفة وصغيرة تربط بها حبات خرز او غيرها ) ومصوغات فضية ، يطلبها ابناء الريف بوفرة ، فتكون في هذا السوق دورة اقتصادية شبه متكاملة يصرف ابن الريف ما عنده ويأخذ ابن الريف ما يحتاجه من بضائع وخدمات . وطبيعي ان يكون هذا الريفي ، لا يملك امولا سائلة مثلا ،ليدفعها الى هذا الخياط اليهودي وفريقه ، لكن ذلك لن يشكل عقبة ، لان مشتري السمن البلدي من الفلاح ، سيصرف لهذا اليهودي نقوده لقاء شراء السمن ، او أن الصواف سيضمن لهذا حقوقه ، أو أن صائغي الفضة اليهوديين الوحيدين في السوق ، واللذّين سيبيعان الفلاح اقراطا او خلاخيل فضة ، سيضيفان حساب الخياطة الى القائمة التي سيسددها الصواف او السمان مثلا ، الذي اشترى بضاعة هذا الفلاح ، ولان الصائغين المذكورين ، هما اصلا امينا صندوق ، لهذا الفريق( الخياط ) ، وحيث يحتفظان لديهما بالدخل ويعتمدان عليهم في الصرافة كذلك. وكذلك فان ابناء الموصل الحاضرة ايضا يستعينون بهذا الفريق : الخياط ، في خياطة الاثواب والملابس الداخلية الرجالية ، وحتى الملابس الجاهوية الفخمة الموشاة ( المطخمة ) بالابريسم والحرير ، والتي تتطلب مهارة ودقة في الصنع ، كما أن الخدمات تشمل ايضا ، عملية رثي الثياب ، وصيانة بعض العباءات المصنوعة من شعر الماعز ، وعملية صيانة العقال واعادة ضبطه وشده . ولازالت المنطقة لحد الان ، تحوي الكثير من الخياطين الذين يخيطون الخيم ، والعباءات الثخينة المبطنة بالفرو والتي تسمى ( الحورانيات ) وحاويات الماء القماشية القديمة ، وهو على اغلب الظن مما ترسب من بقايا تلك الخدمة .

هذه الرواية لصورة كانت في العشرينيات وما قبلها وبعدها بقليل ، رواها لي جدي المولود سنة 1890، والذي كان يمتهن تجارة المواشي والاغنام ، ويدخل في صلب اهتمامه التجاري ، ما يتفرع من المواشي من جلود واصواف ولحوم ، وتعلقات علف ورعي وما شاكل ذلك . والتي تنتهي جميعا الى صلب اختصاص هذا السوق ونوعية مرتادية ومتسوقيه .

اقول هذا لكي اثبت سند هذه الرواية في الوقت الذي لاتتوافر لدي من المراجع والمصادر الا هذه الرواية . وأظن ان الاسناد الصحيح لها سيوفر لها بعض المصداقية التاريخية .

http://www.baytalmosul.com/1575160415711587157815751584-15711587157516051577-15941575160615831610/8


يونان-- الإصحاح رقم 2- 3



صلى يونان لربه في جوف الحوت فقال لقد طردت من أمام عينيك ولكنني أعود انظر الى هيكل قدسك –لقد أحاط بي غمر الماء والتف عشب البحر براسي ونزلت الى أسافل الجبال ومغاليق الأرض علي الى الأبد --ثم أصعدت من الوهدة حياتي حين أعيت في نفسي فذكرت الرب فجاءت إليك صلاتي الى هيكل قدسك --فالذين يراعون أباطيل كاذبة يتركون نعمتهم-- أما أنا فبصوت الحمد اذبح لك وأوفي بما نذرته لخلاص ---فأمر الرب الحوت بقذف يونان الى البر---فصار قول الرب الى يونان ثانية --فقال له --اذهب الى نينوى المدينة العظيمة وناد لها -- فقام يونان وذهب الى نينوى بحسب قول الرب ---- فسار ثلاثة أيام حتى وصلها--فبدأ يونان يدخل المدينة مسيرة يوم ونادى بعد أربعين يوما ستنقلب نينوى-- فامن أهلها بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحا كبيرهم وصغيرهم وبلغ الأمر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد ونودي وقيل في نينوى عن أمر الملك وعظمائه قائلا لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئا لا ترع ولا تشرب ماء وليتغط الناس والبهائم بمسوح ليصرخوا الى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم لعل الله يندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك فلما رأى الله أعمالهم رجعوا عن طريقهم الرديئة فندم عن الشر الذي تكلم به