الفلاحون في مصر.. الخطاب الغائب والسياسة الواضحة

عصام شعبان حسن
2018 / 9 / 30


كان عام 2014 آخر عهد الدولة المصرية بإقامة احتفال رسمي بعيد الفلاح المصري، ثلاث سنوات من التجاهل التام استكمله إلغاء الاحتفال. كانت الحكومات المتتالية منذ نظام يوليو 1952 تقدّم وعودها بإصلاح أوضاع الفلاحين، ودعم الزراعة، في احتفالها الرسمي. ويؤشّر غياب الاحتفال الشكلي في هذه الفترة إلى أن الدولة تخلع ثوب نظام يوليو بوضوح، سواء في ما تعلق بدورها في دعم أحوال الفلاحين وتحسينها أو الاهتمام بالمسألة الزراعية. يتناسب غياب الاحتفال والخطاب الرسمي هنا مع حضور السياسات المعادية لمصالح الفلاحين، والمتجاهلة أهمية الزراعة ودورها في التنمية. نحن في عصر التحرير الاقتصادي الكامل الذي تفتقر إليه قطاعات كبيرة من الفلاحين لمصلحة إثراء مافيا مالية واحتكارية في مجالات تجارة الأغذية والمحاصيل ومستلزمات الزراعة، والاستيلاء على الأراضي لمصلحة مشاريع عقارية استثمارية.

أعلن نظام يوليو ستة أهداف، أبرزها القضاء على الإقطاع وإقامة عدالة اجتماعية، وشرع فعليا في مواجهة هيمنة الإقطاع، حين أعلن في 9 سبتمبر/ أيلول 1952 قانون الإصلاح الزراعي الأول الذي حدّ من ملكية الأراضي الزراعية، وحدّدها في مئتي فدّان خطوة أولى، ثم قلصها في عام 1961 إلى مائة فدان، حتى وصلت إلى خمسين فدّانا في عام 1969. وساهم القانون جزئيا في إعادة توزيع الأراضي على فقراء الفلاحين، حصل كل فلاح على ما بين فدّانين وخمسة، لكن هذا لم يعن تصفية الإقطاع، أو إنهاء نفوذه الاقتصادي والسياسي، إنما سعي إلى خلخلة معادلة عدم التوازن السياسي والاجتماعي في الريف المصري بين كبار ملاك الأراضي والفلاحين الذين كان يعمل أغلبهم أجراء زراعيين. وكسب النظام من هذا القانون جماهير واسعة من الفلاحين، شعرت بأن " الأرض لمن يزرعها"، واستردّوا بعض الكرامة التي كانت تهدر في أراضي "الوسية" و"العزبة" التي كانت تحت أمر الإقطاعيين، سواء في عملية الإنتاج أو تشكيل المشهد السياسي، وما يتضمّنه من انتخاب وترشّح، وهيمنة سياسية تبدأ من محيط "العزبة" إلى محيط الدائرة الانتخابية. أصبح لبعض الفلاحين أرض، ونزعت بعض الأراضي من ملاكٍ ليس لهم علاقة بالأرض سوى ملكيتها، ولا علاقة بالزراعة غير منتوجها المادي.

لم يكن قانون الإصلاح الزراعي وحده الدالّ على انحيازات نظام يوليو للفلاحين. سعت الناصرية إلى تنمية الزراعة وتحسين أحوالهم، وربطت الزراعة بسلسلة الصناعات التي أنشأتها، ودعمت وجودها باعتبارها صناعات الغزل والنسيج والسكر، كما أنشأت معاهد ومراكز دراسات وجمعيات واتحادات تعاونية زراعية.
كانت الناصرية، في تعاملها مع الفلاحين، تحاول إعادة التوازن الاجتماعي والطبقي، وإيجاد تنمية تجعل النظام يستمر، ويكمل خططه ويثبّت أقدامه، كما كان خطابها تجاه الفلاحين واضحا، على الرغم من الظلم الذي تعرّضت له بعض المناطق في صراعها مع الإقطاع، وعدم تدخل الدولة بشكل حاسم لنصرة الفلاحين فيها، كما حدث في قرية كمشيش، إلا أنه، وبشكل عام، عبّرت سياسات يوليو عن انحياز لمجمل الفلاحين.

على عكس ما تلا ذلك من خطواتٍ أجهضت مشروعات التنمية، وضربت أحد أسسها، وهي الزراعة، ما أفقر الفلاحين وكرّس أزمة الفقر في الريف، وزاد معاناة المدن عبر هجرة الفلاحين إلى المدن، للبحث عن فرصة عمل، أعادت سلطة حسني مبارك الأراضي التي وزعها نظام يوليو على الفلاحين إلى الإقطاعيين بقانون 96 لسنة 1992، الإصلاح الزراعي المعدل، وعادت فلول الإقطاع تعيد سطوتها معه مستمدا قوته من الدولة التي ذهبت، هي الأخرى، إلى الاستيلاء على بعض الأراضي والجزر النيلية، ويبدو أنها ستستمر في ذلك، تحت مسمّى التصرف في الأصول والأراضي لحل أزمتها الاقتصادية. وليست محاولات الاستيلاء وتهجير أهالي جزيرة الوراق بعيدة عن المشهد، والتي سقط فيها شهيد، وحبس فيها عشرات، كمعركة مواجهة الفلاحين لقانون الإصلاح الزراعي المعدل، والتي استشهد فيها ثلاثون فلاحا، واعتقل وأصيب ما يزيد على ألف آخرين في مواجهاتٍ مع الشرطة وبلطجية الإقطاع.

تتأزّم أحوال الفلاحين والريف عموما في مصر تحت تأثير مشكلات متنوعة، ترتبط بما طرأ على الزراعة من تدهور وإهمال الدولة المسألة الزراعية، أبرز تلك المشكلات البطالة المرتفعة (تزيد على 11%) واعتماد الريف على المدن في فرص العمل، بل والحصول على المواد الغذائية أحيانا، إضافة إلى ارتفاع مستلزمات الزراعة، منها الآلات الزراعية المستوردة التي يعجز الفلاحون عن تملّكها، بالإضافة إلى رفع الدولة أسعار المبيدات والأسمدة، أضف إلى ذلك تبعات ارتفاع أسعار الطاقة من كهرباء وسولار، وكلاهما يتم الاعتماد عليهما، خصوصا في
الرّي. وإذ أضفنا إلى ذلك مشكلات تسويق المحاصيل الزراعية، سوف نجد الفلاح محاصرا من حيث زيادة تكلفة الإنتاج الزراعي، في ظل انخفاض المنتج، وأسعار توريد المحاصيل إلى الدولة، وسقوط الفلاح فريسة للاحتكارات وكبار التجار الذين يبيعون المستلزمات، من تقاوي وأسمدة ومبيدات، بأسعار مرتفعة، ويشترون المحاصيل بأسعار بخسة. وهنا تكون المحصلة النهائية هروب الفلاحين من مهنة الزراعة، وما يتبعه من نتائج كارثية، أبرزها ارتفاع أسعار الغذاء، نتيجة تراجع إنتاج المحاصيل، وخسارة نسبة كبيرة من فرص العمل في الزراعة، وما يترتب على ذلك من إعاقة لعملية التنمية عموما.

إجمالا، يمكن القول إن الفلاحين أصبحوا فريسةً لسياسات التحرير الاقتصادي والتقشّف، والتي من بين بنودها تخفيض الدعم الموجة للنشاط الزراعي، ومستلزمات الإنتاج الزراعي، ورفع أسعار الطاقة. وإذا أضفنا ارتفاع أسعار الخدمات، فإننا أمام صورة معاناة مضاعفة، حيث يحصل الفلاحون المفقرون على خدماتٍ لا تناسب دخولهم، كما يغلب على المناطق الريفية، خصوصا الصعيد، تهميشا واضحا من حيث مشروعات التنمية أو مستوى الخدمات، ما يزيد معاناة قطاع كبير من المصريين.

وفي ظل هذه الظروف القاسية، لا يجد الفلاحون من الدولة سوى الإهمال، بينما أنصارهم التقليديين من قوى اجتماعية أصابها الضعف أو العمى، فذهب بعضها يؤيد سلطةً لم تأخذ من الناصرية سوى الاستبداد، فلا نقابات فلاحية حقيقية، ولا كتل سياسية مدافعة عن الفلاحين، ما عدا أصوات هنا وهناك متناثرة، أصابها الاستبداد، وحصار المجال العام بحالةٍ تقترب من الموت، لكن هذا كله لا ينفى إمكانات أن يعلن الفلاحون عن آلامهم وأمالهم، خصوصا وأن الريف المصري في الوجه القبلي تزداد معاناته، وقد أعلن في أكثر من واقعة تململه في صور تتفاوت في قوّتها.. شهدت عدة مدن في الصعيد احتجاجاتٍ ضد التعذيب، وأعلن فلاحون في عدد من المناطق احتجاجهم، سواء بالتجمهر أو تنظيم مؤتمرات تعلن عن مطالبهم، مثل مؤتمر زرّاع القصب الذين احتجوا على أسعار توريد المحصول، أو تحرّكات الفلاحين ضد توريد أسعار القمح الذي حدّدته الدولة. واضح أن الأزمة محتدمة، وربما تكون هذه المناطق الأكثر معاناة تثبت أن الحراك السياسي والاجتماعي قد تكون له إرهاصات اجتماعية أكبر في المناطق الفلاحية.