لماذا يشعر العراقيون بالنقص امام العرب ؟

سلمان رشيد محمد الهلالي
2018 / 9 / 25

لماذا يشعر العراقيون بالنقص امام العرب ؟؟ سلمان رشيد محمد الهلالي
افرزت ردت الفعل العراقية على الشعارات الطائفية للجمهور الجزائري ضد نادي القوة الجوية عند المتعلمين وعامة المثقفين ومحاولة تبريرها او انكارها الضوء من جديد على طبيعة العلاقة بين الشعوب العربية والمجتمع العراقي وماهية الاحساس بالنقص والدونية والاستلاب التي تكتنف هذا المجتمع امام العرب . فقبل هذه المباراة وصل نادي الاتحاد الجزائري الى العراق ولعب في مدينة كربلاء واستقبل هناك بحفاوة لامثيل لها , ورفعت لافتات كبيرة ترحب ببلد المليون شهيد , رغم معرفة اغلبية العراقيين - وخاصة الكربلايين - بطبيعة الجزائريين وسايكولوجيتهم الحقودة ونظرتهم الطائفية والقاصرة عنهم , وانضمام الكثير منهم للتنظيمات الارهابية الاجرامية التي ساهمت بحركة القتال ودعوى الجهاد في العراق بعد عام 2003 واهمها القاعدة وداعش التي ادت الى مقتل الالاف الابرياء من الاطفال والنساء والشيوخ بالعمليات الانتحارية في اسواق بغداد . ولكن احساس العراقيون الشيعة بالنقص والدونية امام مايسمونهم "الاخوة العرب" جعلهم يتجاوزون تلك الحقائق البديهية ويعضون على جراحهم واحزانهم وفقدان اولادهم ومحبيهم واخوانهم واطفالهم , ومن الترحيب بالضيف الجزائري الشقيق !! فيما على النقيض من ذلك كانت ردة الفعل الجزائري على تلك الحفاوة والترحيب المنقطع النظير هو استفزاز النادي العراقي بعد زيارتهم الجزائر , من خلال رفع الشعارات الطائفية والتكفيرية واهمها (لااله الا الله الرافضة عدو الله) . فضلا عن الشعارات التي تمجد الديكتاتور السابق صدام حسين , الامر الذي ادى بالهيئة الادارية لنادي القوة الجوية الانسحاب من المباراة .
ترجع جذور احساس العراقيون بالدونية وعقد النقص Inferiority Complex والاستلاب امام العرب الى العقود الاولى من الغزو العربي – الاسلامي للبلاد الرافدين في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب المعروفة بالادبيات والكتابات الرسمية الاسلامية بالفتوحات . فقد تعرض سكان العراق الاصليين المعروفين بالنبط الاراميين (الاراميين لغة والسريان لهجة والمسيحيين ديانة والنساطرة مذهبا) الى نوعا من الحرب الاقتصادية والمكافحة الثقافية , وهذه المكافحة الثقافية وان كانت تعزى الى اسباب سياسية ودينية واقتصادية , الا انها ترجع في جذورها الاجتماعية وبنيتها الاصلية الى اسباب حضارية وثقافية تتعلق بطبيعة الحقد والكراهية التي تكتنف البدوي الاعرابي الكامن في الصحراء للمناطق الحضارية والمدنية في الهلال الخصيب واهل الانهار والسهول في العراق وبلاد الشام ومصر وايران . وهذا الاحتقار يرجع الى طبيعة القيم البدوية في الجزيرة العربية الصحراوية التي تمجد النهب والسلب والاباحية والمشاعية الجنسية وتمجيد الفحولة والذكورية واحتقار اهل الحرف والزراعة والمهن والانهار , واعتبارهم اناس منحطين يفتقدون الى الشرف والبطولة والشجاعة . ويعد الخليفة عمر بن الخطاب اول من اسس ظاهرة احتقار العرب للعراقيين المعروفين انذاك بالنبط وتهميشهم واقصائهم واستعبادهم من قبل الغزاة الاعراب . وهذا يعني ايضا ان الخليفة عمر بن الخطاب هو اول من جعل العراقيون يحسون بالنقص والاستلاب امام العرب في التاريخ , ولاادري ربما كان هناك جذور لهذا الاحساس من قبل السومريين امام الساميين الاكديين الوافدين الذين تسلموا السلطة والحكم لاحقا , فالعراقيين يعرف عنهم تاريخيا الاحساس بالدونية والنقص امام السلطات الغريبة عن نسقهم الديني والمذهبي والقومي او الاجنبية او المحتلة , وهذا الامر لايقتصر على الحقل السياسي او المسار الحكومي والسلطوي فحسب , وانما على الجوانب الادارية والاقتصادية والاجتماعية الاخرى , كما نجد ذلك واضحا في احساس العشائر العراقية الجنوبية - او الشيعية - بالنقص والدونية سابقا امام عشيرة ال سعدون السنية الوافدة , وكذا الامر احساس النائب ضابط الشيعي او الجنوبي في الجيش العراقي السابق قبل 2003 بالنقص والضعة والذيلية امام الضابط السني ومن ثم تبني مقولاته وخطاباته واراءه , وكذا الامر مع الرفيق البعثي الشيعي واحساسه بالدونية والنقص والذيلية امام الرفيق البعثي السني وخضوعه لتوجهاته ومفاهيمه الطائفية والعنصرية وهكذا الامر .
تميز الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بتبني النزعة العصبية العربية المعروفة مجازا بالقومية العربية , وذلك بنمطها المحافظ والقبلي , وهيمنتها الظاهرة والمؤكدة على افكاره واراءه وتوجهاته السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية . في الواقع لانعرف الموارد الثقافية والجذور الفكرية التي استقصى منها ابن الخطاب تلك المطاراحات العروبية المغالية , او الاسباب النفسية وراء تبنيه لهذه النزعة القومية المتطرفة على حساب الرابطة الاسلامية التي اصبحت سائدة عند العرب بعد انتشار الاسلام . والمفارقة ان هذه النزعة لم نشاهدها عند الرسول محمد او الخليفة الاول ابي بكر والخليفة الثالث عثمان بن عفان والخليفة الرابع الامام علي , الا ان بلورتها كنهج سلطوي وسياسي واجتماعي ظاهر نجدها في العصر الاموي الذي شهد تصاعدا كبيرا في تبني التوجهات القومية والعصبية العربية , واحتقار الموالي والنبط وباقي الاقليات من الاديان والاثنيات الاخرى . والمفارقة ان ابن الخطاب كان يعيش في مكة , تلك المدينة التجارية التي تميزت بتفكك النمط القبلي وهيمنة النزعات المادية والمعاملات التجارية والربوية على مسارها الاجتماعي والاقتصادي - كما يقول المنظر الماركسي الشهيد حسين مروة في كتابه (النزعات المادية في الفلسفة العربية – الاسلامية) (المجلد الاول) - اذ لو كان يعيش في البادية او في الصحراء لتفهمنا نزعته العربية او القبلية المحافظة , ولكن بما انه يعيش في مكة – هذه المدينة التجارية العالمية - فان الامر يبقى محل تساؤل وبحث وحيره . ولانريد الدخول في الادلة والروايات التي تبين النزعة العصبية والقومية عند الخليفة عمر بن الخطاب لان هذا الموضوع يحتاج الى دراسة مفصلة , ولكن يكفي ان نذكر عبارته الشهيرة في مدح الاعراب التي ذكرها الدكتور عبد العزيز الدوري في كتابه (التكوين التاريخي للامة العربية) نقلا عن الطبري في تاريخه (الجزء الاول)(الاعراب الذين هم اصل العرب ومادة الاسلام) وهى عبارة جريئة وغير مالوفة ضمن السياق الاسلامي لانها تخالف نص القران الذي يقول ان (الاعراب اشد كفرا ونفاقا) . ويبدو ان القوميون العرب والبعثيون المعاصرون قد احسوا بهذا التناقض والاحراج بين عبارة ابن الخطاب من جهة والاية القرانية من جهة اخرى فحرفوا العبارة من الاعراب مادة الاسلام الى (العرب مادة الاسلام) .
تمظهرت المكافحة الثقافية التي قام بها المحتلين المسلمين ضد العراقيين النبط الاصليين - والذين اطلق عليهم العرب تسمية (العلوج) - من خلال سلوكيات واحاديث انتقاصية عديدة لايمكن حصرها , فقد تحول اهل البلد الاصليين من قبل الغزاة الاعراب الهمجيين والمتخلفين الى موالي واغراب . فرغم دخول الكثير من النبط الى الدين الاسلامي , الا ان ذلك لم يشفع لهم من الاحتقار والاقصاء وسياسة الافقار التي اعتمدها الغزاة العرب باوامر مباشرة من الخليفة عمر بن الخطاب , فقد اورد احاديث ووصايا تحذر من النبط او مجالستهم او حتى التزاوج منهم , منها (تعلموا النسب ولاتكونوا كنبط السواد اذا سئل احدهم عن اصله قال من قرية كذا) وقوله ايضا (تمعددوا ولاتستنبطوا) اي تشبهوا بال معد العرب ولاتشبهوا بالنبط . بل وصل الحال بالغزاة العرب ان نسبوا للرسول محمد كذبا وزورا احاديث في ذم النبط منها (لايدخل الجنة نبطي) و(اذا تفقهت الانباط في الدين ونطقت العربية وتعلمت القران فالهرب الهرب منهم) و(ثلاثة هم شرار الخلق الشيطان الرجيم وامام يخشى غشه وظلمه ونبطي اذا تعرب) .
واما في مسار السلوكيات الاقصائية وسياسة الافقار والتهميش , فقد ذكر البلاذري ان عمر بن الخطاب قسم ارض السواد العراقية بين المقاتلين المسلمين , فوجد ان كل مقاتل عربي سوف يكون مسؤولا عن اراضي ثلاث فلاحين عراقيين مع عوائلهم . وذكر البلاذري ايضا ان عمر بن الخطاب ارسل عثمان بن حنيف لمسح ارض السواد فختم على رقاب (550) الف علج (الاسم العربي الاحتقاري للنبط العراقيين) . كما وجه امرا مباشرا بحرق اكبر مكتبة عراقية في العاصمة المدائن انذاك حوت على الالاف من كتب التاريخ الثقافي والحضاري العراقي القديم . وفي العهد الاموي وصل اضطهاد النبط الموالي الى مدايات خطيرة من التصفية والابادة والتهجير حتى ان اغلبهم انضم الى الحزب الشيعي العلوي المعارض نكاية بالامويين , فقد ذكرت المصادر ان الحجاج كان يسم ايدي النبط بالمشاريط , وامر باخراجهم من مدينة واسط التي بناها لقضايا عسكرية وامنية .
لم يستسلم الموالي النبط للمكافحة الثقافية وسياسة التمييز العنصري والمذهبي والاثني التي قام بها العرب المحتلون ضدهم , وتمظهرت ردة الفعل عندهم في سلوكيات عدة منها :
1 . المقاومة الثقافية التي تجلت بحركات التشيع والتصوف والمهدوية والاعتزال والالحاد والفلسفة والزندقة وغيرها , والتي تبلورة كرد فعل ثقافي وديني وفكري ضد الاسلام الرسمي السني بصورته السلطوية والاقصائية , وكانت القيادة والريادة لهذه التوجهات والتيارات والمذاهب للنبط الموالي الذين اصبحوا يشكلون انذاك طليعة الانتلجنسيا والنخبة المتعلمة في العالم العربي والاسلامي .
2 . الانضمام للمقاومة العسكرية والحركات الاحتجاجية والتمردات الثورية ضد الخليفة عثمان بن عفان قي العصر الراشدي اولا او ضد الدولة الاموية وعمالها وامراءها في العراق ثانيا . وقد ذكر حسين مروة ذلك بقوله (ان العراق كان اصل الثورة في وجه التسلط الاموي منذ خلافة عثمان , ومنذ ان صدرت عن ممثل الخليفة في الكوفة – وكان من امراء الامويين – تلك المقالة المتعجرفة المتحدية "ان السواد بستان لقريش") .
3 . الدعوات الفكرية والسياسية بالعدالة والمساواة من خلال المناداة بحركة التسوية المعروفة في الادبيات الاسلامية والمصنفات التاريخية الرسمية بالشعوبية . وقد اكد عبد العزيز الدوري ان حركة الشعوبية نشطت بالدرجة الاولى في العراق , الا انه - كالعادة - نظر اليها من خلال زاوية ايديولوجية قومية - حكومية فقط , واسماها الشعوبية دون الاسم الاصلي لها , وحدد عملها ضمن نطاق الفرس دون النبط والموالي الاخرين , واعطاها بعدا صراعيا قوميا وطائفيا .
ان ردة الفعل المتباينة والمتعددة عند الموالي النبط في العراق لمواجهة المكافحة الثقافية والاجتماعية والحرب الاقتصادية التي قام بها العرب المسلمون المحتلون ليست بالغريبة على هذه المجتمعات التي تعيش ضمن الفضاء القرو – سطي , فقد كانت متنوعة في صورها ومتباينة في انماطها , وسبق ان ذكر انجلز هذه التمظهرات والسلوكيات من المعارضة بقوله (وقد جرت المعارضة الثورية للاقطاعية عبر القرون الوسطى كلها وفقا لظروف الزمن الذي تظهر فيه هذه المعارضة : اما في شكل تصوف او في شكل هرطقات سافرة او في شكل انتفاضات مسلحة) .
ظهرت اول بوادر الاحساس بالنقص والدونية من قبل الموالي النبط العراقيين امام العرب في العقود الاولى من الغزو الاسلامي , حيث نتج عن خطاب السلطة ضدهم والذي اتهمهم صراحة بالشعوبية والكفر والابتداع والزندقة والالحاد وغيرها الى حالة من الانكفاء والهزيمة الداخلية والعطالة الذاتية والجبن والخنوع والاحساس بالنقص والدونية , والسبب هو ان خطاب السلطة هو خطاب المنتصر وصاحب النفوذ والحكم والهيمنة والاعلام والاموال , ومن يملك هذه المقومات هو من يملك تحديد المفاهيم والخطاب والحقيقة . كما جرت العادة ايضا ان الامم المغلوبة والمهزومة دائمة الاقتداء بالامم الغالبة والمنتصرة – كما يقول ابن خلدون - وكالعادة فان فئة المثقفين والمتعلمين الموالي هم اول المتاثرين بالخطاب الاقصائي الرسمي العربي , لان معرفتهم قبل غيرهم بمضامين الخطاب والايحاء والنصوص التي تستهدف النبط الموالي , تجعلهم اكثر من غيرهم في الاستسلام والخضوع له , وهو شبيه بالامر الذي حصل عندنا في العراق في القرن العشرين , فقد تعرضت فئة المثقفين المعروفين بالانتلجنسيا للتدجين والخصاء والترويض من قبل السلطات القومية والبعثية الحاكمة اكثر من غيرها , ومن ثم افرز عندها حالة من الاحساس بالنقص والدونية والضعة امام السلطة القومية الحاكمة والمركزية السنية والقاعدة الاجتماعية التي تستند عليها , والسبب – كما قلنا - هو معرفتها اكثر من غيرها من الفئات الاجتماعية الاخرى بالخطاب والياته ومضامينه وشفراته التي تريد السلطات ان توصله او تبغيه للمجتمع . وكان اول تمظهرات ونتائج الخطاب السلطوي العباسي ضد النبط والموالي هو تبني بعض المثقفين من الموالي انفسهم لخطاب السلطة , كما نجد ذلك واضحا في نموذج الجاحظ . فرغم انه يرجع في اصوله الاجتماعية الى الموالي , الا انه كتب ونشر اراء متطرفة ضدهم في كتبه المتعددة واهمها كتابه الشهير (الحيوان) حيث سخر منهم وشبه وجوه النبط بالقرود . وقال ان لهم اضراسا غير اضراس البشر وذيولا !! . كما يعد الجاحظ ايضا اول من ذكر اصطلاح (الشعوبية) في كتابه (البيان والتبيين) الشائع حتى الان تملقا للسلطة العباسية وخضوعا لتوجهاتها الفكرية والدينية , ووصف المنادين بهذه الدعوة بانهم من اوباش النبط , وهذا ليس بالغريب عن الجاحظ وغيره من الدخلاء الذين يتعصبون لتوجهات السلطة الحاكمة والقوى النافذة من اجل حيازة المقبولية والاعتراف والمكانة عند اصحاب الهيمنة والنفوذ , وهو مصداق القاعدة التي ذكرها الامام علي (لايتعصب الا دخيل) . وبالطبع ان موقفه هذا يذكرنا بالمثقفين الشيعة – وباقي الاقليات - المخصيين في القرن العشرن او بداية القرن الحادي والعشرين الذين خضعوا لخطاب السلطة القومية والبعثية حول ترسيخ الصورة النمطية عن الشيعة وتاريخهم وسلوكياتهم واتهامهم بالتبعية والعمالة والشعوبية وغيرها . (ويمكن مرجعة مقالتنا في موقع الحوار المتمدن "عقدة كيس الحاجة عند المثقفين الشيعة والمسيحيين والكورد") .
استمر الاستهداف الاثني للنبط الموالي طيلة الحكم الذي يطلق عليه الراشدي (عدا فترة حكم الامام علي) والاموي وحتى اواسط العصر العباسي , حيث تلاشى وجودهم الاجتماعي والسياسي بعد انصهارهم بالمجتمع الاسلامي واصبحوا عربا بحسب النظام الذي اخترعه الغزاة الذي يفرض بموجبه على كل مولى الانضمام الى احدى القبائل العربية او التحالف معها وحمل اسمها , الا انه - ومع مرور الزمن وتوالي الاجيال - اصبح الموالي هم العرب الاقحاح , كما نجد مصداق ذلك حاليا في انساب القبائل العراقية التي كانت من النبط الموالي ثم اصبحت تحمل اسماء تلك القبائل العربية . ان هذا الاستهداف – وكما قلنا – استمر طيلة المراحل المتعددة – عدا مرحلة حكم الامام علي القصيرة – الذي قربهم وساوى بينهم وبين العرب في العطاء , بل ان التقدير والتقريب وصل حتى الى ائمة الشيعة انفسهم الذين اطلقوا الاحاديث والعبارات في مدحهم والثناء عليهم , ولانعرف في الواقع السبب الحقيقي لتقريب الامام علي والائمة الاخرين للنبط الموالي في العراق , ولكن يمكن اعطاء المقاربات الثلاث الاتية حول اسباب التقدير والاحترام وهى :
1 . اسلام الكثير من النبط الموالي على المذهب الشيعي بصورته المبسطة والمثالية - او تشيعهم لاحقا - بسبب الظام والاقصاء الذي عانوه من الغزاة الاعراب , ومن ثم انضمامهم الى صفوف البيت العلوي ومشاركتهم في حروبهم المتتالية والمتعددة . فضلا عن مساهمتهم الفاعلة بحركة التوابين ومعارك المختار الثقفي الذي استطاع الثار من قتلة الحسين في كربلاء وغيرها من المواقف , حتى نسب القول للامام الصادق ( واهل هذا السواد منا ونحن منهم) . فيما ذكرت الروايات ان الاشعث بن قيس زعيم كنده خاطب الامام علي : ياامير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء (تسمية للموالي النبط) على وجهك . فغضب الامام منه وقال : من يعذرني من هؤلاء الضياطرة !! بل ذكروا ان الامام علي كان يكلم اهل النبط بلغتهم ويستمع الى شكواهم , وهذا يدل على معرفة الامام باللغة الارامية التي قيل انها قريبة من العربية . ويبدو ان النزعة المساواتية عند الامام علي بين الموالي النبط والعرب هى من جعلت احد الاعراب يقول له (انك قليل الخالات في الدهناء) اي انك قليل الخالات في الصحراء العربية المعروفة بالدهناء .
2 . الاصول الاجتماعية المشتركة بين اهل البيت والنبط الموالي الاراميين . فمن المعروف ان الرسول محمد واهل البيت – وبحسب الرواية الرسمية - يرجعون الى ابراهيم وابنه اسماعيل اللذين كانت ولادتهما في العراق (مدينة اور في الناصرية حاليا) , وهما ليسا من العرب وانما من الاراميين . وقال الامام الصادق بهذا الصدد (نحن اهل الييت والنبط من ذرية ابراهيم) . وقد سال الامام علي عن نسبه فاجاب صراحة (من كان سائلا عن نسبنا فاننا من نبط كوثي) .
3 . القيم الاسلامية والانسانية التي يحملها الامام علي والائمة والتي ترفض التمييز الاثني بين المسلمين , ومناداتهم بقيم التسامح والعدالة في خطاباتهم وسلوكياتهم , الامر الذي جعلهم يقربون النبط الموالي بصفتهم اناس مظلومين تعرضوا للاقصاء الديني والسياسي والافقار الاقتصادي من قبل العرب . قال المغيرة ( كان علي اميل الى الموالي والطف بهم , وكان عمر اشد تباعدا عنهم) . فيما ورد صراحة عن الامام الباقر قوله عن اعمال المهدي بعد ظهوره المفترض (ويرد السواد الى اهله) وبالطبع ان اهله الاصليين هم العراقيين النبط وليس الاعراب الغزاة المتخلفين .
تطور استهداف النبط الموالي من العراقيين فيما بعد الى استهداف العراقيين بالاسم الصريح , وادرجوا على لسان الرسول محمد كذبا وزورا احاديث في ذم العراق رويت في كتب الاصحاح تملقا للامويين والعباسيين , الذين جعلوا العراقيين في خانة الاستهداف الطائفي والتكفير الديني والتخوين الاثني بسبب معارضتهم المزمنة لجميع انظمة الحكم المتعاقبة . فقد نسب الاعراب للرسول محمد قوله عن ارض العراق نقلا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب (ارض الزلازل والفتن وفيها قرن الشيطان) , ورغم ان المتتبع البسيط يعرف ان هذه الاحاديث وضعت في كتب اهل السنة كنتيجة للصراع المذهبي بين الامويين والعلويين وانحياز العراقيين للبيت العلوي , الا ان المؤسف له ان تجد عراقيا مثل رجل الدين محمد بهجت الاثري (1904-1996) يؤكد صحة الاحاديث الواردة في ذم العراقيين ورفض الاحاديث الواردة في مدحهم واعتبرها (موضوعة) , ولاعجب ان يخرج هذا الراي من الاثري فهو تلميذ رجل الدين السلفي المعروف بطائفيته البغيضة وحقده الدفين على التشيع والعراقيين بعامة المدعو محمود شكري الالوسي .
وقد يعترض احدهم على هذا الراي بالقول : ان الامام علي له ايضا احاديث في ذم العراقيين . والجواب على هذا القول ان تلك العبارات خرجت ضمن سياق احداث تاريخية معينة او محددة في اسبابها وظروفها ومعطياتها تتعلق بطبيعة العراقيين التراخي في الحروب والتشويش على الحكام والامراء , وليست اطلاقية او عامة , والدليل وجود الكثير من احاديث المدح والتقدير من قبل الامام علي نفسه وباقي الائمة عن العراق والعراقيين والكوفة والشيعة والنبط وحتى الجماعات العربية التي شاركت في معاركه في الجمل وصفين والنهروان .
تجلت اعلى تمظهرات الاحساس بالنقص والدونية والاستلاب عند العراقيين امام العرب في القرن العشرين , والسبب هو دخول معادل جديد من الاستهداف الطائفي والمناطقي والعنصري وهو الخطاب السلطوي الذي توجهه السلطات القومية الحاكمة بعد تاسيس الدولة العراقية عام 1921 ضد الاغلبية الشيعية في البلاد . فبعد ان كان الاستهداف في صدر الاسلام من قبل الخلفاء الاوائل والامويين والعباسيين يرتكز على اسس قومية واثنية وحضارية ضد الموالي النبط الاراميين , اصبح بعد تاسيس الدولة يستند الى اسس مذهبية وطائفية ضد الاغلبية الشعية , واتهامها بالتبعية والصفوية والفارسية والهندية وغيرها من المفردات التي تشكل في المتخيل العروبي والقومي انماطا سلبية ومحمولات انتقاصية . وقد مرت تلك الاستهدافات بمرحلتين متمايزتين :
المرحلة الاولى : وتبلورة مع تاسيس الدولة العراقية وقيام الحكم الملكي عام 1921 وحتى سقوطه بعد ثورة تموز عام 1958 واعلان تاسيس الجمهورية العراقية . وتميزت بان الاستهداف اتخذ شكلا نخبويا وفكريا , وهو قيام بعض الكتاب الموالين للنخبة الحاكمة ذات الاصول الجورجية والانكشارية والمملوكية والتركية في العهد الملكي بالنيل من الاغلبية العراقية الشيعية والطعن باصولها الاجتماعي والدينية والوطنية . وكان اهم تلك المؤلفات كتاب المدرس السوري في العراق انيس النصولي (الدولة الاموية في الشام) عام 1926 وكتاب عبد الرزاق الحصان العاني (العروبة في الميزان) عام 1933 وكتاب الشاعر معروف الرصافي (الرسالة العراقية في السياسة والدين والاجتماع) عام 1940 وغيرها .
المرحلة الثانية : وتبلورة بعد الانقلاب البعثي في شباط 1963 ضد نظام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم والغاء الجمهورية الاولى (1958-1963) وحتى اسقاط النظام البعثي الحاكم عام 2003 . وتميزت بان الاستهداف اتخذ نمطا مؤسساتيا وحكوميا وشعبويا . فبعد عام 1963 اخذ العراقيون يسمعون مفردات غريبة عن اسماعهم وانماطهم الثقافية السائدة من قبيل الشعوبية والشروكية والصفوية , وغيرها من المفردات التي يقصد بها مجموعة معينة من ابناء الشعب العراقي , وهم الاغلبية الشيعية , الامر الذي خلخل النسيج الاجتماعي في البلاد , وزرع الاحتراب الاهلي والانقسام المذهبي في المجتمع . وقد وصل ذروة الاستهداف الطائفي الثقافي الصريح عام 1991 عندما نشرت جريدة الثورة الرسمية مقالات لرئيس الجمهورية صدام حسين تحمل عنوان (ماذا حصل في اواخر عام 1990 – وهذه الاشهر من عام 1991 ولماذا حصل الذي حصل ؟) اتهم بها اهل الجنوب وسكنة الاهوار بالانحلال الاخلاقي والسقوط الاجتماعي والاباحية والدياثة وغيرها من مفردات اللاشعور القومي التي وفدت من خارج كهوف التاريخ .(ويمكن مراجعة مقالتي – من كتب مقالات جريدة الثورة عام 1991 ؟ في موقع الحوار المتمدن) .
وترجع الاهداف الاساسية للنيل من العراقيين طائفيا وعنصريا واثنيا واتهامهم بالتبعية والشعوبية والاباحية والصفوية والهندية من قبل السلطات القومية الحاكمة (الناصرية والبعثية) الى اهداف اجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية عدة , ولكن يبقى اهمها الهدفين الاتيين :
الاول : ترسيخ الهزيمة الذاتية عند الانتلجنسيا الشيعية واخصائها وتدجينها وترويضها وجعلها في خانة الاستهداف والعطالة والجبن , حتى لاتؤدي الدور المقرر لها في المقاومة والتحرر والتنوير والتحريض على الثورة والنهضة , ورفض التمييز الطائفي والعنصري والاثني , ووضعها في موقف الدفاع الدائم وخانة التبرير المزمن امام السيد الوهمي الذي يوجه لها الاتهامات المتتالية والطعنات القومية والوطنية والدينية والاخلاقية . ولاحاجة الى القول انهم نجحوا في ذلك نجاحا باهرا , حتى اصبح اقصى هموم المتعلم والمثقف الشيعي هو ارضاء السلطة القومية والمركزية السنية والتماهي مع خطابها واراءها ومقولاتها واطروحاتها , سواء اكان قبل عام 2003 او بعدها .
الثاني : تبرير اقصاء الاغلبية الشيعية عن الادارة والحكم من خلال اتهامها بالعمالة والتبعية والاجنبية عن البلد , ومن ثم الاعلان - او الايحاء - بعدم مشروعيتها او احقيتها بالمساواة او العدالة , او المطالبة بالمشاركة السياسية بالسلطة والادارة والحكم .
ويعد الاستهداف السلطوي القومي للعراقيين ابان الفترة مابين (1963-2003) هو امضى الاستهدافات التي صنعت المثقف الشيعي المخصي والمجتمع المازوم الفاقد للهوية والوعي , والسبب هو اعتماد تلك السلطات وسائل شمولية متعددة ونافذة تتميز بالذكاء والايحاء والتكرار (والتكرار سلطة) - كما يقول رولان بارت - واهمها الاموال والاعلام والقوات المسلحة والتربية والتعليم وغيرها . وقد تمظهر ذلك التاثير القومي والتربية البعثية في العديد من السلوكيات سواء اكان من قبل النخب الشيعية المخصية او المجتمع الموتور اهمها :
1 . الترويج للايديولوجية القومية العربية وتبني خطابها الاقصائي والطائفي والعنصري , حتى لو شمل هذا الخطاب ابنائها واهلها ومناطقها .
2 . التستر على الاعمال الارهابية التي يقوم بها العرب والمسلمين السنة ضد العراقيين بعد عام 2003 من حيث القتل والتهجير والتفجير والخطف والاغتصاب والسبي والتدمير وغيرها .
3 . التستر والتغاضي عن عمليات التخوين والتكفير والتحريض الاعلامي التي قام بها العرب بعد 2003 او تبريرها بطرق دنيئة ومنحطة لاتخرج الا من المتعلمين الشيعة المخصيين .
4 . التغاضي عن التحريض السعودي - او العربي بعامة - لصدام حسين بالحرب على ايران (1980-1988) ودعمه ماديا واعلاميا وسياسيا , والتي فتحت باب التراجع والخراب في المجتمع العراق .
5 . التستر عن السلوكيات العربية الاجرامية في الحرب على العراق عام 1991 بعد احتلال صدام حسين للكويت عام 1990 من خلال قتل الابرياء بالغارات الجوية وتدمير البنى التحتية وفرض الحصار الاقتصادي على المجتمع العراقي (1990-2003) .
6 . التملق للتاريخ العروبي وتبييض صفحته السوداء والاحتفاء برموزه وقادته واعماله وسلوكياته المنحطة , حتى لو كان متسما بالطائفية والاستبداد والاقصاء للفئات الشيعية – او حتى غير الشيعية – الاخرى , كما ظهر عندنا مؤخرا في دفاع الكاتب شمخي جبر عن هارون الرشيد والكاتب علاء اللامي عن صلاح الدين الايوبي , تملقا للمركزية السنية وخضوعا لخطابها القومي , والا ماعلاقة شمخي جبر من اهل الثورة بهارون الرشيد ؟ فهل هو حفيد زمردة خاتون مثلا ام المستضيء بالله ؟!!.
7 . التعاطف مع الدول العربية التي تتامر على اغلبية العراقيين وتحقد عليهم وتكفرهم . وهذا التعاطف قد تبلور في مطلع القرن العشرين بدعوى دعم حركات التحرر والدول العربية المحتلة , او بعدها كما في القضية الفلسطينية . ويذكرون بهذا الصدد ان السيدة نازك الملائكة (وهى شيعية من عائلة ال كبة) اهدى لها زوجها عبد الهادي محبوبة خريطة معدنية لفلسطين , فاخذت بالبكاء الحار حزنا على فلسطين !! واعتقد انها عاصرت قبل موتها الاف الفلسطينيين الارهابيين والانتحاريين وهم يفجرون اجسادهم العفنة في بغداد بعد عام 2003 . واما القضية الجزائرية فانها من اكثر القضايا التي شغلت الراي العام العراقي ونخبه الفكرية والادبية والسياسية من حيث التضامن والتبرعات والقصائد الشعرية وغيرها , ومازال اهالي بغداد يتذكرون استقبال المناضلة الجزائرية !! جميلة بو حيرد وتسمية احد الاحياء الشيعية - طبعا - باسمها . كما لاننسى تبرع عبد الكريم قاسم بملايين الدنانير للثورة الجزائرية ضد الفرنسيين في زمن كان اغلبية المجتمع العراقي من الفقراء والمرضى والمعوزين , ولكن المكافاة التي تلقوها العراقيون من هؤلاء الاعراب هو المزيد من الطائفية والارهابيين والانتحاريين الجزائريين الذين فجروا انفسهم الحقودة في وسط الابرياء في بغداد , حتى اصبح هذا البلد بنظر العراقيين (بلد المليون ارهابي) وليس (بلد المليون شهيد) . واما موقف العراقيين من الدول العربية الاخرى في مصر والاردن وسوريا واليمن والصومال وتونس والسودان ودول الخليج الفارسي والدعم المادي والاعلامي والتعليمي والعسكري الذي حصلوا عليه فان الامر يحتاج الى مجلدات ودراسات مفصلة لاستعراضه وبيانه .
وقد اشار الى ظاهرة تملق العراقيين للعرب والتودد اليهم دون ان يقابلها اي اهتمام او تقدير عربي الكاتب حسن العلوي في كتابه (بقية الصوت الاجابات المؤجلة) بقوله (نحن في دمشق على امتار قليلة من ساحة عبد الرحمن الشاهبندر ولااحد هنا يتذكر ان مدينة الكاظمية استقبلت الشاهبندر , واقامت له مهرجانات ومادب شعبية , والقى شاعر الكاظمية الكبير الشيخ عبد الحسين الازري قصيدة رحب فيها بالشاهبندر . واما سعد زغلول زعيم مصر فكانه زعيم العراقيين , اذا توفى كتب في رثائه الشعراء . ولكن من من العرب يذكر زعيم الاستقلال العراقي الشيخ مهدي الخالصي ؟ من منهم يذكر زعيم الحركة الوطنية جعفر ابو التمن الذي نفى كما نفى سعد زغلول ؟ من من اهل تونس استقبل مفكرا عراقيا حرا مثلما استقبلنا في العراق عبد العزيز الثعالبي التونسي ؟ وكم ليبيا على علم الان بان فقهاء النجف قد ارسلوا كتائب الجهاد الى طرابلس الغرب لمقاتلة الايطاليين ؟ واما الجواهري فقد الف 1600 بيتا خاصا عن مصر ونضالها الاستقلالي والوطني) .
افرز الخطاب القومي العربي الطائفي والعنصري ضد العراقيين واغلبيته الشيعية والكوردية نوعين من ردود الفعل عند الانتلجنسيا العراقية العصرية :
الاول : الاستسلام الكامل لتلك الطروحات والتماهي معها وتاييدها وتبني مقولاتها وخطابها الطائفي والعنصري والاقصائي , والاستسلام لحالة الاحساس بالنقص الدونية والاستلاب امام العرب , والتستر على اعمالها الارهابية والاجرامية والتكفيرية والتخوينية ضد العراقيين . وهذا النوع يشكل – للاسف - اكثر من ثلاث ارباع توجهات عامة المثقفين والمتعلمين العراقيين من القوميين والبعثيين الشيعة والشيوعيين والاسلاميين , والاغلبية الساحقة من ابناء المجتمع من الرعاع والسوقة . ولايمكن حصر جميع اسماء الكتاب والادباء والاعلاميين والمثقفين والمتعلمين العراقيين الذين خضعوا لهذا المتخيل القومي والخطاب الطائفي والاستسلام له , ولكن يمكن ادراج اهمهم : علاء اللامي وشمخي جبر وليث الصندوق ورشيد الخيون وعزيز الحاج وكاظم حبيب وجعفر المظفر وعدنان حسين وسلام الشماع وطاهر البكاء وضياء الشكرجي وعبد الامير الركابي وغسان العطية وعلي ناصر كنانة وباسم فرات وقاسم حسين صالح وعلي الربيعي وسعد ناجي جواد وسمير عبيد وحيدر سعيد وفلاح المشعل وناظم عودة وحميد الكفائي وعدنان الطائي وضياء العبادي وعون الخشلوك ونديم الجابري وشامل عبد القادر وعلي السوداني وغيرهم .
الثاني : التسامي عن هذا الخطاب القومي الطائفي والتمرد على اطروحاته وانتقاده بحسب القاعدة التي ادرجها ميشيل فوكو (ان كل سلطة تفرز معارضة) . وتبني المنظورات الليبرالية والاصلاحية التي تقف بالضد من التوجهات الاقصائية والالغائية , والتحرر من اتون المتخيل القومي واللاشعور الاعرابي المستحكم على النظام المعرفي العراقي . ونجد هذا ظاهرا في كتابات : علي الوردي وعبد الخالق حسين وهيثم الجنابي وعباس الموسوي وحامد البياتي وحيدر نزار ومحمد زكريا ابراهيم وعصام الخفاجي وابراهيم الحيدري وعلي عنبر السعدي وحميد شاكر وعبد اللطيف الحرز وعامر بدر حسون وكنعان مكية وفالح عبد الجبار وعامر عبد زيد الوائلي وعقيل الناصري وسليم الوردي واحمد الموسوي وغيرهم .
ولكن يبقى السؤال هو : كيف يتحرر العراقيون من عقدة الاحساس بالنقص والدونية والاستلاب من العرب , والتسامي عن خطابها الطائفي والعنصري والاقصائي ؟ في الواقع ان الية التحرر من هذه العقدة يحتاج الى ممارسات اجتماعية وسياسية وسلوكيات نفسية وثقافية عدة يمكن ذكر اهمها :
1 . المعرفة بهذه العقدة النفسية والاجتماعية والية تكوينها وبلورتها والقوى القومية والطائفية والعنصرية التي تقف ورائها والهدف من تاسيسها . وكما قال بيكون (ان المعرفة قوة) .
2 . الاعتراف بها بوجود هذه العقدة التاريخية وعدم انكارها او التسامي او تبريرها بحجة التقارب والانسجام والتكاتف مع العرب , او الكذب الصريح بعدم وجود هذا الاحساس بالنقص عند العراقيين امام العرب واعتبار ذلك من الاوهام , لان مفتاح حل اي عقدة نفسية والتحرر منها هو الاعتراف بوجودها وعدم انكارها .
3 . عدم الاستسلام لخطاب الاقصاء والطائفية والعنصرية الذي تبثه القوى القومية العربية والمركزية السنية وتحليله وتفكيكه وانتقاده وتعريته واستعراض الاسباب الحقيقية التي تقف وراءه والاهداف المتوخاة منه .
4 . اعتماد مبدا (خير وسيلة للدفاع هو الهجوم) وعدم الركون لعملية التبرير والاستسلام لتلك الاتهامات والخطابات الاقصائية والطائفية والخوف منها او التوجس من خطاباتها ومطارحاتها , وذلك من خلال اليات فضح القائلين بها وتعريتهم وبيان حقيقتهم وتاريخهم الاجرامي والارهابي والاباحي , كما فصلنا ذلك في مقالنا (ماهية الفتاوي الغريبة عند اهل السنة) في موقع الحوار المتمدن .
5 . عدم الترويج للفكر القومي العربي وايديولوجيته الاقصائية او الانضمام للاحزاب والتيارات والتوجهات القومية من اجل الحصول على صك البراءة من القوميين العرب وحيازة الاعتراف والمقبولية والمكانة منهم , لان هذا يصب في الاخير لصالح هذا الفكر الاجرامي والعنصري . كما ان هذا الفكر بطبيعته يساهم اوتوماتيكيا بعملية الخصاء والتدجين والترويض للمثقفين الشيعة , وكما ذكرت سابقا في مقالتي (علي السوداني قوميا متطرفا) في موقع الحوار المتمدن : ان المثقف الشيعي اذا اراد ان يكون قوميا عروبيا فيجب عليه ان يكون مخصيا , او يعمل على اخصاء نفسه لاحقا , او يتقمص دور المخصي , والسبب هو التناقض البنيوي بين النزعة القومية العربية والروحية الوطنية العراقية الارامية التي تعد النزعة الشيعية المرتكز الدلالي فيها , والاختلاف الجذري بين الذاكرتين التاريخيتين اللتين تشكلان الخميرة الثقافية والشخصية النمطية بين الاثنين . فالذاكرة التاريخية للقومية العربية التي تشكل المركزية السنية الاساس الثقافي لها تختلف جذريا عن الذاكرة الوطنية الارامية العراقية التي يشكل التشيع الاساس الفكري والايديولوجي لها , وبما اننا امة مسكونه بالتاريخ – او التاريخ مسكون فيها - فان من الصعوبة بمكان التسامي عن هذه المنظورات الماضوية والتاريخية .
6 . عدم الاستسلام لمصطلحات الالغاء والخصاء والتدجين التي يطلقها القوميون العرب والمركزية السنية ضد العراقيين الاصليين والتشيع في العراق , او البراءة منها ونفيها , او محاولة تبريرها , او اعتبارها عار او منقصة , لانها هى من ساهمت بتاسيس عقدة النقص والدونية والاستلاب عند العراقيين . فمن المعروف ان الانسان الذي يتوتر من اسم معين او يغضب من تهمة معينة او موقف محدد , فان الاخرين - وفي سبيل الضحك عليه - والاستهزاء منه - او من اجل الصاق تهمة معينة به , يقومون بتكرار تلك الكلمات بصوت عال واعلانها باستمرار امام الملا والناس . وبمكن الرد على هذه الاتهامات والمصطلحات الاقصائية من خلال الاليات والمفاهيم العقلانية والموضوعية الاتية :
- الطعن بالنسب العربي : يرتجف شيعة العراق - وباقي الاقليات في العالم العربي – خوفا ورعبا وقلقا اذا وجهت اليهم الاتهامات بعد الانتساب لامة العرب . في الواقع لااعرف لماذا هذا القلق والرعب من هذا الاتهام ؟ هل في امة العرب مايبعث على الفخر والاعتزاز ؟ بل هل في امة العرب صفة سلبية لاتوجد عندهم ؟ فالحمد لله جميع الخصال والسمات السلبية حوتها امة العرب (الاستبداد والطائفية والعنصرية والتخلف والاباحية والانحلال والسقوط الاخلاقي والجبن والارهاب والتحرش والخيانة والعمالة والغدر والصفاقة ووووووووغيرها) . واذا اردنا الرد على هذا الاتهام : فاقول : نعم نحن لسنا عرب . وليس نحن العراقيون فقط , بل ايضا سكان بلاد الشام ومصر . فهذه المجتمعات تعربت لاحقا بعد الغزو العربي الاسلامي الذي بدا في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب , الذي جلب – للاسف - الاسلام بصورته الداعشية وليست المتسامحة والمعتدلة التي تجلت بصورة الامام علي واهل البيت . فنحن اراميون نبط اصلا ونسبا , وهو نسب ليس العراقيون وسكان بلاد الشام فحسب , بل ونسب الرسول محمد واهل البيت ايضا . واما الاستناد على اللغة العربية التي نتكلم بها في اننا عرب , فهو ليس دليل عقلاني او موضوعي ابدا , فالامريكان يتكلمون الانكليزية وهم ليسوا انكليز , والبرازيليون يتكلمون البرتغالية وهم ليسوا من البرتغال , والارجنتينيون يتكلمون الاسبانية وهم ليسوا من الاسبان , والسبب لان هذه اللغات المفروضة حكوميا وسلطويا , هى لغات الاستعمار السياسي والاحتلال الثقافي , كما ان العربية لغة الاستعمار والاحتلال العربي البغيض لمنطة الهلال الخصيب في العراق وبلاد الشام .
- الاتهام بالشعوبية : اعتاد القوميون والطائفيون اتهام العراقيون - الشيعة تحديد - بالشعوبية (وهى بحسب التفسير العربي الرسمي والسلطوي يعني كراهية العرب والقومية العربية والهجوم عليها) . وكالعادة يرتجف الشيعة المخصيون من هذه التهمة ويحاولون البراءة منها ونفيها . فيما ان التفسير الحقيقي والاصل التاريخي والاصلي للشعوبية هو المناداة بالمساواة بين الموالي النبط الاراميين الذين اسلموا لاحقا وبين العرب الحاكمين اصحاب السلطة والنفوذ والهيمنة , وهى بالتالي محل فخر واعتزاز ان تنادي بالحقوق والمساواة , وليس محل تردد او توجس وخوف . وحتى لو فرضنا ان الشعوبية هى فقط الهجوم على العرب وانتقادهم وتعريتهم – بحسب الرواية والتفسير الرسمي الذي يذكره عبد العزيز الدوري وعبد الله سلوم السامرائي وغيرهم - فهل العرب امة مقدسة لايصح انتقادها او الهجوم عليها ؟ جميع الامم والشعوب كالفرس والترك والكورد واليونان والروم تعرضت للهجوم والانتقاد على مدى تاريخها , ولكنها لم تصف المهاجمين بالشعوبية والحقد والكراهية وغيرها . ثم هل فعلا ان العرب لايستحقون النقد والهجوم والتعرية ؟ في الواقع ان امة العرب هى اكثر الامم استحقاقا للهجوم والنقد , ليس من اجل اصلاحها واظهار سلبياتها واختلالاتها من اجل تقويمها وتصحيحها فحسب , بل من اجل تعرية حالة التكبر والعنجهية البدوية والكبرياء الفارغة والاستعلاء على الاقليات والضعفاء التي تتميز بها هذه الامة الفاشلة .
- الفارسية : من الاتهامات التي وجهتها الدوائر الطائفية والعنصرية العربية للاغلبية العراقية الشيعية بانها (فارسية) . وكالعادة يرتجف المثقفون الشيعة المخصيون خوفا من هذا الاتهام , ويحاولون باي وسيلة التحرر من هذه التهمة من خلال وسائل متعددة اهمها الهجوم على الفرس والايرانيون باي وسيلة او مناسبة من اجل اثبات عروبتهم الكسيحة وهويتهم المازومة ( وتجد هذا واضحا عند الاخوة الاربعة عزيز الحاج ورشيد الخيون وجعفر المظفر وكاظم حبيب حيث تجدهم للاسف باي مناسبة يهاجمون ايران من اجل ابعاد هذه التهمة الفظيعة عن انفسهم) . في الواقع ان الفرس امة عظيمة جدا , وهم اصحاب حضارة عريقة وقديمة , ونحن العراقيون الاصليون الاراميون لاننتسب اليها ابدا ولاهم ينتسبون الينا , فهم اريون ونحن خليط من السومريين الاريين والاراميين الساميين . واما تهمة الفارسية التي يلصقونها بالشيعة فهى نوعا من الطائفية والعنصرية المبطنة ليس الا , اي انهم يريدون القول انت فارسي – شيعي , ولكن بما انهم اذكياء ولايريدون الاثارة الطائفية العلنية , فانهم يستخدمون التورية – كما في تهمة الصفوية - التي سنذكرها لاحقا . كما يجب ان نذكر ان الفرس امة عظيمة لاتقارن بالعرب ابدا , فهم افضل من امة العرب باشواط عدة لاحصر لها , ولاتوجد حضارة افضل من الفرس غير الحضارة العراقية والمصرية القديمة . بل ان العرب ليست عندهم حضارة ابدا , ولم يؤسسوا حضارة صافية من قبلهم , لان الحضارة العربية بالاسلامية هى ليست من نتاج العرب ابدا , بل هى من نناج النبط والسريان والفرس واليونان والروم والاقباط والامازيغ وغيرهم من اصحاب الامم المغلوبة والحضارات القديمة سابقا , وكما قال توينبي ان الحضارة العربية نشات في احضان السريانية .
- الصفوية : وهى من اهم الاتهامات التي يرددها الطائفيون والقوميون العرب ضد الشيعة . ويقصدون بها كل شيعي يتصدى للعمل السياسي والحكومي والثوري المضاد للمركزية السنية , او كل كاتب او مثقف يتصدى للخطابات الاقصائية والعنصرية والطائفية . واما الشيعي الخانع والمثقف الذليل والمخصي الذي يعيش على هامش الاحداث ويستسلم للخطاب القومي والطائفي ولايرد عليه - او ربما يقوم بتكراره والاقتناع به - فانه حتما – عند الدوائر الطائفية والقومية العربية - ليس بصفوي او فارسي , وانما وطني غيور او عروبي اصيل . والصفوية هو نسبة للدولة الصفوية التي قامت بتشيع المجتمع الايراني قبل خمسة قرون , بعد ان كان سنيا مدة الف عام تقريبا , واعتقد ان هذا هو محل الحقد واصل الكراهية ضد هذه الدولة العظيمة بانجازاتها المعمارية والادبية والفكرية والعسكرية . وبما ان هذه الدولة الصفوية دخلت في حروب مع الدولة العثمانية السنية التي عاصرتها , فان السنة العرب – وخاصة العراقيون – الذين يقدسون الدولة العثمانية ويقدرونها سيوجهون لها هجوما قاسيا ونقدا لاذعا , وسيلصقون بها لاحقا جميع صفات الاتهام والتكفير والتخوين , بل وسيعممون تلك السمات على جميع الشيعة الاخرين في العالم , فيما ان الواقع هو لاتوحد مقارنة بين الدولة العثمانية الهمجية والمتخلفة (دولة الخوازيق) والدولة الصفوية .
- الايرانية : تميز القوميون والطائفيون العرب بالاستعلاء والتدليس وخلط الاوراق والصفاقة الثقافية حتى انهم الجماعة الوحيدة في العالم التي اعتبرت اسم دولة ما سبة وعار او منقصة كبيرة وهو (الايرانية) . وحتى اسرائيل لم يعتبروا اسمها سبة او منقصة مثل الايرانية , وطلقوا عليها بدل من ذلك الصهيونية . وهذا الاستهداف للاسم الايراني انما وراءه اهداف طائفية متعددة , ولكن يبقى اهمها بلورة انقسام اجتماعي ونفسي وشرخ سياسي و ثقافي بين الشيعة في العالم العربي والدولة الايرانية , ومنع اي تواصل او تقارب فيما بينهم . والسبب هو وضع الاقليات الشيعية في العالم العربي تحت المطرقة والخصاء والتدجين , حتى لايستطيعوا رفع رؤوسهم عاليا والاعتماد والاتكال على اي دولة خارجية قد تعينهم او تساعدهم في المطالبة بالحقوق والمساواة والعدالة والمشاركة السياسية في الادارة والحكم , كما حصل مع الاقليات المسيحية في العالم العربي , عندما وضعها الخطاب القومي والديني في خانة الاستهداف والاقصاء , واعتبر العلاقة بينهم وبين الغرب المسيحي سبة وعار وعمالة , الامر الذي سهل من ترويضهم وتدجينهم واخصاءهم , ومن ثم تلاشي تلك المطالبات بالحقوق والمساواة الدينية والعدالة الاجتماعية التي تميزوا بها في عصر النهضة العربية في اواخر القرن التاسع عشر . ولم يتخلص من هذا الترويض سوى الموارنة في لبنان الذين لم يهتموا بالاتهامات العربية ووضعوها تحت اقدامهم وحصلوا على حقوقهم كاملة . ايران هى دولة اعتيادية او طبيعية حالها حال كل الدول في العالم , وجارة مهمة للعراق . وتربطها مع اغلبية العراقيين علاقة دينية ومذهبية وتجارية وثقافية قديمة . وهى ليست مقدسة عندنا , ولكنها من جانب اخر ليست مدنسة او شيطاتية - كما صورها المتخيل العربي والطائفي – الذي للاسف خضع له اغلبية العراقيين من الطائفيين السنة والمخصيين الشيعة - ويمكن التعامل معها والاستفادة منها تجاريا وسياسيا وكسبها للصف العراقي في مواجهة التحديات – واخرها الارهاب وداعش - واما الخلافات بيننا وبينهم على الحدود والمياه وغيرها , فهى ليست باعقد من الخلافت بيننا وبين بعض الدول المجاورة الاخرى مثل الكويت وتركيا والسعودية , ولكن المتخيل القومي والطائفي والخطاب العروبي والبعثي والعنصري ضخم من تلك الخلافات واعطاها بعدا اجتماعيا ونفسيا وتاريخيا غير حقيقيا . الدولة الايرانية وقفت مع الشعب العراقي في مواجهة الديكتاتورية البعثية الطائفية قبل عام 2003 بعد ان اصطف الاخوة العرب الاوباش مع نظام صدام حسين . وايران اليوم بعد 2003 هى من اهم حلفاء العراق في العملية السياسية من جانب ومواجهة الارهاب العروبي الطائفي السني الذي يريد اعادة المعادلة الطائفية البغيضة في الادارة والحكم , وساعدت العراق في مواجهته وكسر ظهره وتلاشيه من المناطق الغربية السنية والسورية على حد سواء .
- المجوسية : الديانة الايرانية قبل الاسلام . استحضر المتخيل القومي الطائفي مفردة المجوسية ضد الاغلبية الشيعية (العراقية والايرانية) على حد سواء واسماهم (عبدة النار) . وبالطبع ان اغلبية العراقيين لايعرفون ماهية الديانة الزرادشتية التي يطلق عليها (المجوسية) ويعتبرونها سبة فظيعة لاتغتفر , فيما ان الواقع هو ان الديانة الزرادشتية التي ظهرت في بلاد فارس هى ام الديانات التوحيدية في العالم (اليهودية والمسيحية والاسلامية) . فهي ديانة إيرانية قديمة وفلسفة دينية آسيوية. كانت الدين الرسمي للإمبراطوريات (الأخمينية والبارثية والساسانية) .نسبت الديانة إلى مؤسسها (زرادشت)، وتعد واحدة من أقدم الديانات التوحيدية في العالم، إذ ظهرت في بلاد فارس قبل 3500 سنة. ظهرت الزرادشتية في المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الأخمينية عندما قام الفيلسوف زرادشت بتبسيط مجمع الآلهة الفارسي القديم إلى مثنوية كونية : سبتامينو (العقلية التقدمية ) وأنكرامينو (قوى الظلام أو الشر) تحت إله واحد وهو أهورامزدا (الحكمة المضيئة). وهناك إعتقاد خاطئ ساد بين أتباع الأديان الإبراهيمية أنهم يعبدون النار، ولكنهم في الحقيقة يعتبرون النار والماء أدوات من طقوس الطهارة الروحية. أفكار زرادشت أدت إلى تبلور دين رسمي يحمل إسمه قرابة القرن السادس قبل الميلاد، ويجادل بعض علماء الأديان أن أفكاره أثرت على أديان توحيدية لاحقة مثل اليهودية والغنوصية والمسيحية والإسلام . هناك إختلافات كبيرة بين الأديان الإبراهيمية والزرادشتية ، إذ يظل الزرادشتيون أقرب للأديان الهندية القديمة، ولكن هناك بعض أوجه التشابه التي يُعتقد بشكل واسع بين علماء الأديان أن اليهود تعلموها منهم خلال السبي البابلي ، والديانة الزرداشتية نفسها ، تأثرت بالفلسفة الدينية لحضارة بابل العراقية القديمة. والمفارقة ان القوميين العرب والطائفيون السنة يتهمون الايرانيين بعبادة النار , فيما كان اجدادهم قبل الاسلام يعبدون الاحجار والاصنام , ولم تحوي ديانتهم الوثنية اي فلسفة اخلاقية او فكر عرفاني متطور او متميز .