ماذا حقق سيدا للكرد وماذا حقق حزب الاتحاد الديمقراطي؟

صالح بوزان
2018 / 9 / 20

القسم الثالث
ربما حقق سيدا مكاسب شخصية مختلفة، وهذا لا يهمنا. لكنه الآن يجلس في غرفة معتمة للائتلاف السوري المعارض، ويكاد لا يُسمع له صوت إلا عندما يريد أو يُطلب منه (لا أعلم) أن يجدد ولاءه للمعارضة السورية الاخوانية. فيظهر علينا بين حين وآخر، وليس له عندئذ سوى مادة واحدة لتجديد هذا الولاء، وهي الهجوم على حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب. هذا هو انجاز عبد الباسط سيدا خلال السنوات الأخيرة. ففي كل مقالة لسيدا وفي كل ندوة ستجد النقطة الرئيسية في حديثه هو هذه المادة التي تخصص فيها. وبما أن سيدا هو الذي خلق لنا مصطلح "تكامل وظيفي"، فيحق لنا أن نتساءل: مع من يتكامل وظيفياً سيدا؟
لننظر إلى ما حققه حزب الاتحاد الديمقراطي في المقابل. لا أحد يستطيع أن ينكر بأنه حمى المناطق الكردية بالدم من سيطرة التكفيريين وداعش ومرتزقة الجيش الحر. ولو لم يكن تخاذل النظام السوري والصفقة الروسية التركية لما كان يحلم أردوغان والجيش الحر التابع لمعارضة سيدا باحتلال عفرين ونهبها مثل اللصوص. ثانياً، جنّب هذا الحزب الشعب الكردي من العودة إلى القرون الوسطى اجتماعياً وذهنياً تحت شريعة داعش والكتائب الجهادية الاسلامية. يبدو أن سيدا لم يلاحظ أن الشعب السوري الذي وقع تحت سيطرة هذه الجماعات التكفيرية وجيشه الحر عاد إلى تلك القرون المظلمة. فوضعوا النساء في أكياس القمامة، وطبقوا الشريعة الاسلامية على المجتمع بالذبح. وثالثاً، فالمقاتلات والمقاتلون الكرد هم الوحيدون الذين أوصلوا القضية الكردية إلى المحافل الدولية التي اقتات عليها سيدا والمجلس الوطني الكردي. فلولا هذه المقاومة الباسلة لما أثيرت القضية الكردية السورية في تلك المحافل. والبرهان الأكبر لما نقوله، هو الجنون الذي أصاب أردوغان في علاقته مع حليفته التاريخية أمريكا بسبب هؤلاء المقاتلين. وعندما يأس من أمريكا، ذهب راكعاً أمام الرئيس الروسي لمساعدته ضد هؤلاء المقاتلين، ولمنع حزب الاتحاد الديمقراطي من تنظيم وترسيخ الادارة الذاتية مع شركائه في شمال سوريا، وخوفاً من يُقرّ ذلك في الدستور السوري القادم. لقد اصيب أردوغان بفزع لانهيار صديقه السري بغدادي تحت أقدام المقاتلين الكرد. فمدعي إعادة الامبراطورية العثمانية، ورئيس دولة بثمانين مليون نسمة، وقائد أكبر جيش في الشرق الأوسط بسلاحه الحديث، هذا المدعي فقد صوابه أمام ظهور مقاومة كردية باسلة لم يستطع أردوغان زرع عملائه في داخلها كما كان يفعل أسلافه.
وقف سيدا والمجلس الوطني الكردي في كل المحافل الدولية لمنع الاعتراف بالإدارة الذاتية. وطالبا من التحالف الدولي بقطع العلاقة مع المقاتلين الكرد، وعدم امدادهم بالسلاح، ووضعهم في لائحة الارهاب الدولي. هل هي الصدفة هذا "التكامل الوظيفي" بين ما يريده سيدا والمجلس الوطني الكردي والمعارضة السورية الاخوانية وخليفة المسلمين أردوغان؟
يقول سيدا، وهو ينظّر، أن حزب الاتحاد الديمقراطي يرى: " أن المشروع القومي قد بات بالنسبة إليه جزءا من الماضي. ونادى بفكرة الأمة الديمقراطية الهلامية التي تحمل كل تفسير، ولا تلزم صاحبها بأية مسؤولية".
لنتكلم عن القومية الكردية التي يرى سيدا وكأنه مفكّرها. لماذا لم يتفضل سيدا بتوضيح ماذا يقصد بالقومية الكردية؟. قد نغفر لشاب يعبر عن عشقه للقومية الكردية دون القدرة على شرحها. وقد نغفر له حماسه حتى في المطالبة بتأسيس دولة كردية في شمال سوريا. لكن أن يتلاعب رجل أكاديمي بهذه الكلمة، فهو تصرف مقصود لا يمت للفكر بشيء.
لا تهمني كثيراً مصطلحات حزب الاتحاد الديمقراطي. لكنني أعلم أن رؤيته حول القومية الكردية واضحة ومعلنة ، سواء أ كنت مع هذه الرؤية أو ضدها. وباتت هذه الرؤية أكثر وضوحاً خلال السنوات الثمانية من الأزمة السوريةً. فرغم المصطلح الهلامي الذي يذكره سيدا، ورغم أخطاء هذا الحزب العديدة، إلا أن الأسس المكونة لرؤيته تتجلى في الحصول على اعتراف الدولة السورية دستورياً بالشعب الكردي وبالإدارة الذاتية التي هي بدورها فدرالية داخلية لشعوب الشمال السوري. مما يعني الاعتراف بكل القوميات الموجودة في سوريا على قدم المساواة. وثانياً جعل اللغة الكردية لغة رسمية في هذه الادارة مع اللغة العربية والاقرار بلغاه الشعوب السورية الأخرى وثقافتها. وثالثاً، رفض أي فكرة للانفصال عن سوريا، ورفض فكرة دولة كردية في الشمال السوري. ورابعاً، توزيع الثروة بشكل عادل على جميع شعوب سوريا ومناطقها.
ولنسأل الأكاديمي سيدا ماذا يتضمن مفهومه للقومية الكردية في سوريا؟ هل يريد إنشاء دولة كردية؟ هل يريد انشاء فدرالية كردية خالصة في المناطق الكردية الثلاث، ويقيم جسراً سماوياً أو نفقاً أرضياً لربط هذه المناطق ببعضها البعض؟ وأخيراً، ما هي البنود التي يريدها سيدا من خلال مفهومه للقومية الكردية أكثر مما يريدها حزب الاتحاد الديمقراطي؟ والسؤال الأهم من كل ذلك: هل استطاع سيدا ورفاقه في المجلس الوطني الكردي الحصول على موافقة حلفائهم في المعارضة السورية على ما يريدون؟ وهل أقنعوا مولاهم أردوغان للقبول بذلك؟
لم تكن فكرة القومية في الشرق تعني يوماً المساواة بين الشعوب. كانت تعني دائماً توجه عنصري ضد القوميات الأضعف. وهنا لا معنى لما قد تقوله الأقليات عن قوميتها السمحة، لأنها ليست في السلطة حتى نعرف هل حكامها يؤمنون فعلاً بمساواة القوميات أم لا؟ وهل يريد سيدا أن يقلد العرب والترك والفرس تجاه الآشوريين والسريان والأرمن كردياً؟ أليست هذه الشعوب موجودة تاريخياً في الكثير من مناطق كردستان؟
إن الفكرة القومية والفكرة الدينية، كما هي موجودة في ذهن مدعيها في الشرق، هي فكرتان بغيضتا ، وأدت بمعتنقيهما إلى ممارسة العنصرية القومية والدينية، وتأسيس الدكتاتوريات عليهما.
وأخيراً، أعود ثانية إلى ما قاله جليسي في الباص في مدينة آمد قبل خمسة عشر عاماً، لأقول أن المشكلة الكبرى للشعب الكردي، على ما يبدو، هي أنه ابتلي بمثقفين يركّعون الفكر لنزواتهم الخاصة، ولا بد لهذا الشعب أن يتحرر منهم قبل التحرر من ساسة زعماء العشائر وأمراء المدن.
يتبع..