الحكومة المغربية تحتجز الشباب في وطن لم يعد لهم .

سعيد الكحل
2018 / 9 / 20

من مصائب هذه الحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية منذ 2011 ، أنها وضعت كل العراقيل في وجه الشباب الطامح في غد أفضل والباحث عن مصادر عيش تضمن له الكرامة وتحافظ له على الحد الأدنى من مقومات إنسانيته . إن اجتهاد الحكومة إياها لم ينصب على خلق فرص الشغل ودعم التشغيل الذاتي وتنويع مصادر خلق وتنمية الثروة وحماية المال العام من التبذير والنهب ، بل انحاز إلى الفساد والنهب بإطلاق "مبادرة" " عفا الله عما سلف" التي ضمنت الإفلات من المحاسبة والعقاب وشملت بالعفو كل المفسدين وناهبي المال العام . كانت إستراتيجية الحكومة ولازالت جعل الشعب في خدمة الدولة وليس الدولة في خدمة الشعب . وسنت الحكومة سلسلة قوانين واتخذت حزمة من الإجراءات والقرارات الهدف منها توفير موارد مالية إضافية لخزينة الدولة ، ليس عبر دعم الاستثمار العمومي والخاص وتنويع الموارد ، ولكن بنهب وسرقة أرزاق المواطنين . فالمواطنون باتوا ، في ظل هذه الحكومة، هم المورد المالي الرئيسي لخزينة الدولة ، مما ترتب عنه اتساع ظاهرة الفقر وارتفاع نسب البطالة وتغوّل الإجرام . بسبب انسداد الآفاق أمام الشباب ومصادرة أحلامهم في الشغل والعيش الكريم ، اضطروا إلى ركوب مخاطر البحر بحثا عن منافذ للهجرة نحو الضفة الأوربية .
شباب أثقل كاهلهم الفقر والانتظار وخيبة الأمل ، فقرروا المخاطرة بحياتهم وسلامتهم الجسدية . فهم ليسوا مهربين للعملة ولا متاجرين في الممنوع ولا متآمرين على مصلحة الوطن . تركوا "الجمل بما حمل" ، تركوا لمن صادروا أحلامهم المناصب والمكاسب وحتى الوطن والأرض . فلم ينازعوا أحدا في سلطة أو منصب أو مكسب ، بقدر ما يتشوفون إلى اليوم الذي تطأ أقدامهم أرضا ظل الفقهاء والشيوخ ينعتونها "بأرض الكفر" ويحذرونهم من العيش بين شعوبها الفاسقة وقوانينها الكافرة، بينما ظل الشباب يراها "جنة الدنيا" وأرض العدل والكرامة.
وما دامت الحكومة تتاجر بمآسي الشباب ، فقد قررت منعهم من الهجرة ، وباتت حريصة على ألا يتسلل أحد إلى البحر فرارا بجلده كما لو أنها حريصة على حياته وسلامته . بل هددت باعتقال الراغبين في الهجرة والوسطاء والمحرضين عليها . لم تجتهد الحكومة في معالجة أسباب الهجرة السرية وطمأنة الشباب على مستقبلهم في وطنهم كما تفعل كل الحكومات الديمقراطية، وإنما ركزت في اجتهادها على العقاب واعتقال الطامعين في الفرار من جحيم العيش في وطن لم يعد حضنا آمنا لهم . فالحكومة تقرر حجز الشباب المغربي داخل حدود الوطن بعد أن حولته إلى سجن شاسع جغرافيا وخانق للآمال . فلا هي "أطعمتهم ولا هي تركتهم يأكلون من خشاش أرض الغرب الذي لا تكف منابر مساجدنا عن نعته بـ"الكافر" .
لقد كان حريا بحكومة لها كرامة وعزة أن تقدم استقالتها بعد موجات الهجرة السرية الجماعية لشبابنا من وطن ليس به حروب ولا مجاعة ولا طاعون ولا فتن طائفية ولا كوارث طبيعية . كارثة واحدة تجتاح الوطن وهي كارثة الإفلاس السياسي لحكومة قررت منذ البداية "طحن" الشعب في ماكينة الدولة وتحويله وقودا لإدارة دواليبها .
من مفارقات الحكومة المغربية أنها فتحت فرص الهجرة لشباب جنوب الصحراء وضمنت لهم حقوق الإقامة بالمغرب ، بينما حرمت شباب المغرب من الهجرة نحو أوربا . لم تعاقب الحكومة المهاجرين السريين من جنوب الصحراء ولا تعترض جحافلهم عند الحدود مع موريتانيا والجزائر ، لكن تتخذ كل الوسائل لمطاردة الشباب المغربي على طول الشواطئ حتى لا يجد منفذا يفر بجلده من موت محتوم وواقع مأزوم وأمل معدوم.