نازك الملائك عاشقة الليل تحولت لشظايا ورماد في قرارة موجة

شكيب كاظم
2018 / 9 / 20

مثلت الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة ظاهرة نوعية شاخصة في الشعرية العراقية الحديثة وذلك من خلال ابتكارها للون جديد في الكتابة الشعرية اذ رأى الكثير من الشعراء في الوزن قيدا يحد من حرية الشاعر وامكاناته فضلا على قيد القافية الواحدة لذا لجأ العديد منهم على اطراح هذا التقييد مجترحين لونا جديدا في الكتابة الشعرية. تتيح للشاعر حرية اوسع في الانتقال بين البحور وفي تنويع القافية واذا كانت نازك في قصيدتها الاولى التي اسمتها (الكوليرا) تعرف انها تجترح جديدا وتقدم ابتكارا في الشعر والتي نظمتها بتأريخ 27/10/1947 ونشرتها في ديوانها الثاني الموسوم بـ(شظايا ورماد) واصفة فيها مشاعرها ازاء نكبة مصر بتفشي مرض الهيضة – الكوليرا وقد حاولت – كما تقول – في كتابها النقدي الرائع (قضايا الشعر المعاصر) الصادر عام 1962 والذي استعرته من صديقي الشاعر الذي طواه الموت سراعا (1978) محمد حميد الموسوي وقرأته تلك السنة.
تقول نازك انها حاولت بقصيدتها هذه (الكوليرا) التعبير عن وقع ارجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر وقد ساقتني ضرورة التعبير الى اكتشاف الشعر، هذا التبشير الذي ستتراجع عنه نازك بعد نحو عشرين سنة في مقدمة ديوانها (شجرة القمر) الصادر عام 1968 واذ احدثت هذه القصيدة دويا هائلا فقد عز على بدر شاكر السياب ان لا يكون السباق الى اجتراح هذا اللون الجديد، وقد كتب قصيدته (هل كان حبا؟) نشرها في ديوانه الثاني (ازهار ذابلة) ومن الملاحظ ان كليهما نشرا ديوانهما الاول على نمط الشعر العمودي العربي اذ كان ديوان نازك (عاشقة الليل) 1947 وكذلك السياب في ديوانه (اساطير) لكنهما غايراه في الديوان الثاني ليضمناه اولى قصائدهما على اللون الجديد.
لقد نشأت نازك في اسرة تحب الادب والعلم فابوها صادق الملائكة كان محبا للادب والثقافة ومدرسا للغة العربية وقد وضع بين يديها امهات الكتب التراثية. فنهلت منها حتى انها اكملت قراءة كتاب (البيان والتبيين) لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في ثمانية ايام مما ادى الى التهاب عينيها، كما قرأت شذور الذهب في النحو وخزانة الادب للبغدادي، وشرح الجرجاوي على الفية ابن مالك. فضلا على شروح ابن قطة العدوي. كما قرأت للمحدثين: الالوسي وزكي مبارك وخاصة مقالاته التي جمعها في كتاب اخذت عنوان المقالات ذاتها (جناية احمد امين على الادب العربي) وكتب طه حسين وديوان الملاح التائه للشاعر المصري علي محمود طه فضلا على شعراء العراق، كل هذا الخزين المعرفي فضلا على موهبة الشعر التي افاض الله عليها بها مع ذكاء ورهافة حس. كل هذا جعلها تجلب انتباه زميلاتها من الطالبات في المدرسة حتى اطلق عليها لقب الشاعرة مع انها تنأى بنفسها عن هذا الوصف، لما جبلت عليه من خجل وحب للعزلة والتأمل اذ نجد ان هذه البنت البكر للاسرة المكونة من ابيها صادق الملائكة وامها سليمة (سلمى عبد الرزاق) الاب المولود عام 1892 والمتوفى عام 1969 وامها التي تصغره باربع عشرة سنة والمتوفاة في لندن عام 1953 اثر مضاعفات فتح الجمجمة ودفنت هناك. اقول لان هذه البنت التي وفدت الى الدنيا مع انبلاج عام هجري جديد اذ مع دقات ساعة القشلة التي لم يكن في ذلك الوقت غيرها الاثنتي عشرة سمعت صرخات الطفلة الجديدة سمراء اللون خالية من اي ملمح من ملامح الجمال والتي شاء جدها ان يطلق عليها اسم (نازك) تيمنا بالثائرة السورية ضد الاحتلال الفرنسي (نازك العابد) وفدت نازك على الدنيا يوم 23/ اب/ 1923 ويوم طلبت منها المديرة القاء قصيدتها في حضرة المفتشة سحقها الخجل وما استطاعت القاء شعرها فتولت صديقتها التي بشرت بموهبتها القاءها نيابة عنها لكنها مع غشيان المنتديات زال خجلها. ومازال في الذاكرة القاؤها المؤثر لقصيدتها في قاعة الملك فيصل الثاني (الشعب حاليا) لمناسبة انعقاد مؤتمر الادباء في شباط عام 1965 وقد استمعت لقصيدتها بكل متعة وشغف.
واذ اكملت نازك دراستها الثانوية كانت من الطالبات الدرعميات والمقصود بالدرعميات طلبة دار المعلمين العالية. فتخرجت فيها عام 1944 بدرجة امتياز وهي المرة الاولى التي تمنحها الدار ثم ما لبثت ان حصلت على منحة دراسية لدراسة الادب المقارن في جامعة وسكونسن الامريكية. واذ تنهي دراستها تعود الى العراق لتعين مدرسة في كلية التربية عام 1957 ومن ثم اقترنت بالدكتور عبد الهادي محبوبة الذي كان لهما فضل تأسيس جامعة البصرة خلال العام 1964 – 1965 وقد رايتهما سنة 1967 وكنت اعمل في مستودع نفط ناحية العزير وهما يستريحان من وعثاء السفر الطويل في احد مقاهي الناحية على الشارع العام الرابط بين العمارة والبصرة.
وتظل المرأة امراة مع ان هذه الامرأة نازك الشاعرة الباحثة الاكاديمية تظل امرأة تكره ان تسرق الاوراق والحبر منها زوجها فها هي تعاتبه في قصيدتها (مشغول في اذار؟) ينام الورد او يصحو/ ويبسم في المدى ليل ند او ينتشي صبح/ سواء ذاك او هذا. حبيبي. انت مشغول/ سدى مني اوتار تصلي او تراتيل/ على مكتبك البارد تنكب بلا احلام/ وتسرق روحك الارقام (...) سواء انت مشغول/ باوراقك والحب على المكتب مقتول/ الافلتسقط الاوراق والاقلام
يمكن عد نازك الملائكة في سلوكها الحياتي وانتاجها الثقافي مثقفة عضوية على تعبير الناقد الايطالي غرامشي والمقصود بالعضوي هنا المثقف المنغمس بقضايا الناس وتطلعاتهم لا المثقف النائي عنهم في برجه العالي ولقد دفعها هذا الى مراجعة ما سبق ان ذكرته في كتابها النقدي المهم (قضايا الشعر المعاصر) اذ بعد ان شهدت طوفان شعر التفعيلة وكتابة من هب ودب به. منتقضين شعر العمود الخليلي. دفعها ذلك الى مراجعة منجزها في ابتكار شعر التفعيلة حتى عد بعض الباحثين والنقاد اراءها هذه قريبة من ظاهرة الارتداد والنكوص ارتداد عن ارائها التي بشرت بها من خلال مقدمتها لديوانها الثاني (شظايا ورماد) والتي ازادتها رسوخا في كتابها الرائد الرائع (قضايا الشعر المعاصر) ولان التماثيل الصم هي وحدها التي لا تتغير ولانها انسانة عالية رهافة الحس والوجدان فقد تأثرت قناعتها وخاصة بعد ان شملها العصف السياسي الذي ضرب العراق بعد تموز عام 1958 فغادرت العراق نحو لبنان لتنعم باجواء الحرية في هذا البلد الرائع.
كانت نازك مقلة في نتاجها الابداعي والنقدي قياسا بعمرها الكتابي الذي زاد على نصف قرن – منذ بداية الاربعينات – وكذلك عمرها البايولوجي الحياتي الذي يقترب من الخمس والثمانين سنة 23/ من اب 1923 – 20/ حزيران/ 2007 ولكن هذا القلة كانت عالية القيمة المعرفية والفنية مما اكسبها شهرة مدوية وسيتحول هذا الدوي الى خلود يبقيها في اذهان الدارسين والباحثين والقراء فلقد قدمت دواوين قليلة هي 1. عاشقة الليل/ 1947 – 2. شظايا ورماد/ 1949 – 3. قرارة الموجة/ 1957 – 4. شجرة القمر/ 1968 – 5. مأساة الحياة واغنية الانسان/ 1970 وهي مطولة شعرية كانت متأثرة في نسج وشيها بالشعراء الانكليز وفلسفة شوبنهاور التشاؤمية التي صبها في كتابه المدوي (سقوط الغرب) 6. يغير الوانه البحر/ 1977 – 7. للصلاة والشعر عام 1997 فضلا على مجموعة قصصية واحدة نشرتها في القاهرة عام 1977 عنوانها (الشمس التي وراء القمة) ويظل كتابها المدوي (قضايا الشعر المعاصر) 1962 علامة شاخصة في الجهد البحثي والتنظيري لنازك اردفته ولكن – يالضياع العمر – بعد ثلاثين سنة بكتابها النقدي التنظيري الرائع الموسوم بـ(سايكولوجية الشعر ومقالات اخرى) الذي صدر عن دار الشؤون العامة ببغداد عام 1993 غير ناس كتابها النقدي الذي درست فيه الشاعر المصري علي محمود طه المهندس واسمته (الصومعة والشرفة الحمراء) صدر عام 1965 بالقاهرة والذي يمثل سلسلة المحاضرات التي القتها على طلبة معهد الدراسات العالي بالقاهرة.
ومازالت في الذاكرة الندوة الاحتفائية التي اقامتها دار الشؤون الثقافية العامة عام 1994. لدراسة شعرها ومنجزها المعرفي فضلا على كتاب احتفائي اصدرته عنها جامعة الكويت عرفانا بفضلها للتدريس في اروقتها.
غادرت نازك العراق بعد احداث عام 1991 الى القاهرة مع زوجها الباحث الدكتور عبد الهادي محبوبة وابنهما الوحيد الطبيب (البراق) لتحيا هواجس كابوسية اضنت الروح والجسد زادتها وطأة وقسوة رحيل الزوج الحاني والعطوف وما لبث الزمن ان اطفأ ذبالة روحها يوم الاربعاء 20/ من حزيران/ 2007 ودفنت في مقابر 6/ اكتوبر بضواحي القاهرة وعدد المشيعين لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة.
وهكذا يمضي الابداع غريبا متوحدا متغربا ومغتربا.