حين تُعرض الشهادة الأكاديمية على بازار السياسة - القسم الثاني

صالح بوزان
2018 / 9 / 18

الدكتور عبد الباسط سيدا وحزب الاتحاد الديمقراطي
في كل الأحوال، ما كتبه سيدا عن داعش مجرد مدخل فكري وسياسي مفتعل لموضوعه الأساسي، وهو تشبيه حزب الاتحاد الديمقراطي "وظيفياً" بداعش. يدرك سيدا أن داعش مات والنصرة في طريقها إلى الموت، والجيش "الحر" الاسلامي أصبح جيش أردوغان. أما الذي يقلق سيدا، على ما يبدو، هو بقاء حزب الاتحاد الديمقراطي الذي أصبح له الدور الواضح ليس بما يتعلق بالقضية الكردية السورية فقط، وكذلك بما يعلق بالحل النهائي للأزمة السورية.
يقول سيدا: " وإذا قارنا بين دور داعش في الساحة السنية، وبين دور حزب الاتحاد الديمقراطي -الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني- فإننا سنلاحظ أن المهمة كانت ذاتها، والمقومات كانت عينها. ولكن مع فارق من جهة الرسالة الأيديولوجية".
نتساءل من الذي كلف داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي بهذه المهمة المشتركة؟ طبعاً يجاوبنا سيدا النظام السوري والايراني. هو يريد أن يوحي للشبيبة الكردية أن قادة هذين التيارين مجرد عملاء للنظام السوري والايراني اللذين يتحكمان بهما من الخلف. ثم يضيف موضحاً فكرته أن "حزب الاتحاد الديمقراطي سوق نفسه برسالة هجينة، متعددة المقاصد. فعلى الصعيد الكردي أوحى للناس بأنه يعمل من أجل ضمان حقوق الأكراد، ورفع الظلم عنهم، عبر المحافظة على مناطقهم، وإبعادهم عن الصراعات والأعمال القتالية. وادّعى في أكثر من مناسبة بأنه يلتزم الخط الثالث الذي لا يتقاطع مع خط النظام أو خط المعارضة".
لنناقش هذه الأفكار بهدوء.
إذا كان داعش، وبطلب من النظام حسب سيدا، قد اغتصب المناطق التي حررها الجيش الحر من سلطة النظام السوري، فالنظام السوري هو الذي سلم المناطق الكردية حسب كل تصريحات سيدا وتصريحات ائتلافه والمجلس الوطني الكردي لحزب الاتحاد الديمقراطي. وبعد أن استلم حزب الاتحاد الديمقراطي هذه المناطق، قامت وحدات حماية الشعب بحمايتها، وأقامت فيها سلطتها وليس الحفاظ على سلطة النظام. أليس الجيش الحر هو الذي هاجم هذه المناطق لاغتصابها من وحدات حماية الشعب. فمن الذي فتح المعركة ضد الآخر؟ ألم يقتحم الجيش الحر القرى الكردية في مناطق الباب وطرد الكرد منها؟ ألم يهاجم العكيدي تل حاصل وتل عرن اللتين كانتا تحت سيطرة وحدات حماية الشعب وطرد الكرد منها؟ ألم يهاجم الجيش الحر تل أبيض وطرد الكرد منها؟
أضف إلى ذلك أن السؤال الأبرز الذي يمكن أن يوجهه أي قارئ غبي وليس قارئ ذكي لسيدا: إذا كان حزب الاتحاد الديمقراطي هو مجرد عميل للنظام السوري، فلماذا لم يقدم له هذا النظام السلاح ومساعدته بالطيران عندما اقتحم داعش كوباني؟ هل كان النظام يريد عندئذ أن يسلم الشمال السوري لداعش؟ وفي هذه الحالة سيبرز سؤال آخر: لماذا تحالف هذا الحزب "العميل" للنظام مع أمريكا ضد داعش؟ وهل كان هذا أيضاً ايعازاً من النظام السوري؟
نعلم جميعاً أن داعش لم يقاوم تركيا في جرابلس. كل ما في الأمر حلقوا ذقونهم وبدلوا جلبابهم وتخلوا عن راياتهم المقدسة واستبدلوها بالعلم التركي وقالوا "عاش أردوغان". هل كان ذلك أيضاً بإيعاز من النظام السوري والايراني بالاستسلام لتركيا؟ والأهم من ذلك، هل عدم مساعدة النظام السوري للقوات الكردية في عفرين كان يعني تحالف النظام مع تركيا ضد حزب الاتحاد الديمقراطي؟
يبدو أن للذكاء حدود ولكن للغباء ليس حدود.
يستخدم سيدا كلمة أخرى غامضة سياسياً عند الحديث عن سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي فيختلق لنا مصطلح السياسة "الهجينة". هذا المصطلح هو الآخر يدخل في باب التضليل الأكاديمي. فبرنامج حزب الاتحاد الديمقراطي عند تأسيسه عام 2003 واضح من حيث حقوق الشعب الكردي في سوريا وعلاقة هذه الحقوق بالدولة السورية.
نعلم علم اليقين، لو قام كرد سوريا بملايينه الثلاث كرجل واحد ضد النظام السوري لما استطاعوا اسقاطه في دمشق. وهذا ما أكد عليه كل الساسة الكرد السوريين. وأعتقد سيدا أيضاً يقر بذلك. فتغيير النظام يتم من قبل القومية الأكبر سواء بمساعدة أو عدم مساعدة الأقليات. لا يمكن للأقليات أن تقوم بدور الريادة في التغيير العام. كما لا يمكن لهذه الأقليات أن تدعم حركة القومية الكبرى للتغيير إذا لم تضمن حقوقها في برنامج التغيير. ألم يستطع سيدا الأكاديمي الاستنتاج أن هذه الفكرة كانت من الأسباب الجوهرية لانفضاض الكرد عن الثورة السورية وعن المعارضة السورية؟
لا أعتقد أن سيدا لم يشاهد ولم يقرأ كيف وقف عرب سوريا، بما في ذلك المعارضة مع النظام ضد الانتفاضة الكردية عام 2004. لم تتظاهر مجموعة عربية واحدة تضامناً مع الانتفاضة الكردية. ولم يصدر حزب معارض سوري واحد بياناً للتضامن مع المنتفضين. بل سارعت هذه المعارضة بالقول أن هذه الانتفاضة قامت بتحريض من أمريكا، وأنها دعوة للانفصال. هل استنتج سيدا درساً من هذا الحدث؟
كانت المعارضة السورية بعد الثورة، ولا سيما عندما كان سيدا رئيساً للمجلس الوطني السوري، تريد أن يكود الكرد وقوداً في هذه المعركة دون أن تعترف في وثائقها بحقوق الشعب الكردي بنص صريح. بل لاحظنا أن هذه المعارضة كلما كانت توقع على وثيقة فيها شيء من حقوق الشعب الكردي السوري سرعان ما يقوم قادة المعارضة بالتنصل منها في تصريحاتهم الفردية. ألم يتصرف صديقه العزيز برهان غليون هكذا؟ ألم يقل جورج صبرا في ندوة وبحضور سيدا: يطالبوننا بحقوق(يقصد الأكراد الذين خارج الائتلاف) وهل حقوقهم بجيبي حتى أقدمها لهم؟ ألم يشعر سيدا عندئذ بالإهانة؟ ففي المحافل الدولية يدعي صبرا أنه يتكلم باسم الشعب السوري وليس باسم الائتلاف فقط، أما عندما يجري الحديث عن حقوق الكرد يتحول صبر إلى مجرد فرد لا يملك في جيبه حقوق الشعب السوري.
يتبع..