لشبكة الانترنت فوائدٌ جمةٌ ، و متاعبٌ كثيرةٌ .

يوسف حمك
2018 / 9 / 16

شبكة الانترنت اقتحمت حياتنا على حين غرةٍ ، و فرضت سطوتها
علينا بكل هدوءٍ و رويةٍ .
جعلت من كنوزها العلمية و الثقافية و برامجها التواصلية فخاً لقنصنا ،
و من إغراءاتها الشهوانية طعماً لاصطيادنا ، فوقعنا في حبائل عشقها
من حيث لا ندري .

انفتحنا على العالم بالصوت و الصورة معاً ، بلا قيودٍ ، أو طرق الأبواب
التي فتحتها الشبكة على مصراعيها .
فباتت وسيلة إعلامٍ بكافة صورها المرئية و المسموعة و المقروءة ، تمطر
علينا بالنفع و الضرر على مستوى الفرد و المجتمع معاً .

في أعماق هذا الضيف الوافد إلينا من بلاد الغرب الكافر - حسب زعم اللاهوتيين و الملتحين و أئمتنا - كل طيبٍ و خبيثٍ ، كل ضارٍ و منفعةٍ ،
و كل جميلٍ سلسٍ و كل قبيحٍ غليظٍ ، كل نورٍ وقادٍ و كل ظلامٍ و جهلٍ و انغلاقٍ .
بدواخلها كنوز العلم ، و أمهات الكتب و أضخم المراجع ، و افكارٌ نيرةٌ توصلك لبر الأمان .
وسيلة تواصلٍ بين الأقرباء و المحبين و الأصدقاء في شتى أصقاع الأرض ، للحوار و تبادل الآراء و الارتقاء بالأفكار .
سخيةٌ في تقديم العون لمن يطلب المساعدة فور السؤال بلا مقابلٍ ، و لا تعرف إلى البخل طريقاً .
و وسيلة خداعٍ لكل انتهازيٍّ منافقٍ يقدم نفسه في ثياب ناصحٍ راشدٍ .
و لكل سياسيٍّ فاسدٍ فاشلٍ كوطنيٍّ متفانٍ في سبيل الوطن و الشعب .
لكل رجل دينٍ زنديقٍ موغلٍ في وحل الطائفية يقدم النصح كملاكٍ طاهرٍ .
و لكل غارقٍ في مستنقع العار يقدم نفسه بثوب العفاف و نقاء النفس .
كما لكل صديقٍ وهميٍ بلا مصداقيةٍ .
و فيها برامجٌ للإزعاج من قبل هواة الاختراق .
و من أدمن بالانترنت فقد انعزل و انطوى ، و انسلخ حتى من الاندماج الأسريِّ .
و مواقعٌ إباحيةٌ تسيل إغراءً و شهوةً لغواية المراهقين و المراهقات .
و وسيلة ضياعٍ و انحرافٍ تبث سمومها الهدامة لتفسد النفوس الضعيفة
التي وجدت في تلك الشبكة ضالتها المنشودة ، لمزاولة هوايتها في السب
و قذف الآخرين و كشف عيوبهم دون وجه حقٍ

و للمرأة دائماً سوء حظٍ ، فكل تصرفاتها و حركاتها تقاس بميزان شرف العائلة .
ذاك الشرف التعيس الذي ألصقته العائلة بما بين فخذي المرأة ، لتحملها
مسؤولية كل أفرادها .
الرجل يبيح لنفسه التلصص بما حوله ، و يتفاخر بممارسته الفاحشة .
لكنه يسلط سيف شرف العائلة على رقاب المرأة إن تمادت ، و إن تجاوزت
وجب حز رقبتها .
يسمح لنفسه الاعتداء على أعراض الناس ، لكن دمه يغلي من عروقه إن اقترب أحدٌ من عرضه .
لا عائلة تخلو من امرأةٍ تمارس الرذيلة . حتى عائلات الأنبياء لم تسلم من تهمة الفاحشة ، و كذلك أرقى العائلات .
أما الرجال فحدث و لا حرج .

التشهير بالمرأة على مواقع التواصل الاجتماعيِّ لتشويه سمعتها عملٌ لا أخلاقيٌّ ، و مدانٌ بكل المقاييس .
فعرض صورٍ مخلةٍ بالأداب حتى و إن كان بالفبركة و التزوير لغرض الإساءة و الانتقام .
و هناك من ينشر وسخه على حبل غسيل غيره ، فذاك عذرٌ أقبح من ذنبٍ ، و يندرج في خانة المراوغة ، و مسح غبار فضائح مستفحلةٍ مزمنةٍ يعرفها القاصي قبل الداني ، و شاع صيتها في كل الأصقاع .
صوته في مهب الريح حتى يثبتوا التهمة بالدليل القاطع و الأدلة الدامغة .
كماهو انفلاتٌ من عقال العقل و المنطق .

يقول بوبليليوس سيروس : ( عندما نفقد الآخرين شرفهم نفقد شرفنا ) .
كلام ينطبق على من يسعى لإلحاق العار بغيره إن كان بممارسة الفاحشة أو التشهير أو عرض صورٍ مخلةٍ بالآداب .
ففي كل الحالات يفقد شرفه قبل المساس بشرف غيره .
لأن الشرف من الصفات الحميدة التي لا تقاس بالمال و لا الجاه و لا المراتب العليا . بل هو عفة النفس ، و نقاء السريرة ، و بياض القلب ، و انفتاح العقل ، و طهارة الروح .
حتى قوانيننا وضعت لصالح الرجال ، وتخفف حكم من يرتكب الرذيلة منهم ، أو حتى القتل في جرائم الشرف الخاص تجاه المحارم .
هؤلاء لا تستيقظ نخوتهم إلا حين المساس بفرج المرأة . أما انتهاك حرمة الوطن و استباحة سيادته فلا يرف لهم جفنٌ .
فعن أي شرفٍ يتحدثون ؟!