زقاق المدق: والحب بطل كل الأشياء

محمود الصباغ
2018 / 9 / 16


هل شعرت يوما أنك غير متصالح مع المكان حيث تعيش وتنتابك رغبة قوية تدفعك للخروج منه؟
يقول باشلار "حين تبحث-في الحياة- عن مكان تأوي إليه أو تحتمي فيه ,فإنك تلجأ إلى الخيال الذي يتعاطف مع الكائن الذي يسكن المكان المحمي فيجعله يعيش تجربة الاحتماء بكل تفاصيل الأمان والحماية الدقيقة".ومن غير نجيب محفوظ ابن الجمالية؛الحارة الشعبية، ومهندس الحكايات الإنسانية الخالدة يقدر على نقل تفاصيل المكان بدقة و دهشة ؟ .
يشير كتالوج الفيلم الذي أنتج في العام 1963 حسب البيانات المتوفرة على الإنترنت إلى اختيار المخرج حسن الإمام لكوكبة من نجوم السينما العربية للعمل معه على رأسهم شادية وصلاح قابيل، إلى جانب حسن يوسف، يوسف شعبان ، توفيق الدقن وعبدالمنعم ابراهيم وسامية جمال ومحمد رضا؛فضلاً عن اختيار سعد الدين وهبة لكتابة السيناريو الحوار .
يدور الفيلم حول" حميدة " - بنت الحتة/الرمز الذي صنعه محفوظ باقتدار- التي تنتمي إلى القاع وتعيش في حي شعبي لا يكترث له وبه أحد في هذا العالم. تعمل حميدة اليتيمة في مشغل و تسكن مع عديلة البلانة شريكة أمها المتوفية, وتظهر حميدة كفتاة تطمح لحياة أخرى أكثر تحررا و رفاهية. يقع الحلاق عباس الحلو في غرام حميدة فيخطبها ,فتوافق بشرط أن يذهب مع حسين كرشة شقيقها في الرضاعة للعمل في "الأورنس" أحد معسكرات الجيش البريطاني في التل الكبير ليحصل على المزيد من المال .ولكن الأمور لا تتوقف هنا , إذا بعد سفر عباس يتقدم السيد سليم علوان (أغنى رجل في الزقاق) إلى خطبتها فتوافق على الفور رغم انه رجل متزوج على أمل تحقيق ولو جزء من أحلامها .ثم يظهر فرج وهو قواد محترف يدير حانة كبيرة ويبدو أن مهنته انتعشت بفعل الحرب و الاحتلال فصار يصطاد بنات الفقراء والمحرومين في ظل الكساد الذي لحق بالبلاد ليعملن في الملهى الذي يملكه للترفيه عن الجنود الإنجليز والأمريكان في القاهرة ، ومن بينهن حميدة فيتمكن من إغوائها ويقنعها بترك الحيِّ لأنه لا يليق بجمالها وذكائها و يعاهدها على الزواج بها ، فتهرب معه ،لتكتشف لاحقا أنه يدفعها لحياة أخرى غير تلك التي حلمت بها (في الرواية تعلم حميدة أن فرج قواد) فتنغمس معه في حياة جديدة وتنسى الزقاق و أهل الزقاق , ويصبح اسمها تيتي وتتعلم الرقص والغناء واللغه الانجليزية بما يكفى للتفاهم مع الزبائن ،وهناك تتعرف على شكريه زميلتها في المهنة وشريكتها فى حب فرج وإحدى ضحاياه .يعود عباس بعد أن استغنى عنه الإنجليز ليكتشف أن حميدة قد هربت , فلا يصدق و يقرر البحث عنها ,وتحمله المصادفة إلى الملهى حيث تعمل حميدة ، فيتعرف عليها بمجرد أن يراها ويفهم كل شيء فيقرر الانتقام من فرج ،ثم فجأة تدوي صافرات الإنذار لتنبه الناس لحدوث غارة جوية وتندلع معركة فيطلق أحد الجنود الإنجليز النار من مسدسه ليصيب حميدة فتسقط مضرجة بدمائها ، وتقوم شكرية بانتزاع المسدس من يد الجندي و تطلق النار على فرج لترديه قتيلا .يحمل عباس حميدة ويعود بها إلى الزقاق لتلفظ أنفاسها الأخيرة هناك (في الرواية لا تموت حميدة , بل عباس هو من يموت) .
هذه هي النهاية التي اختارها المخرج بخلاف الرواية . لقد كان موت حميدة بهذه الطريقة يعني -من وجهة نظره-موت رمز فاسد أراد منه الإمام على ما يبدو إرضاء الذائقة العامة التي تفضل أن تدفع حميدة ثمن سقوطها,غير أن موتها المصطنع هذا وغير المقنع أثّر سلباً على الفكرة الجوهرية للرواية التي تدور نهاياتها وفق مسار درامي برع مجيب محفوظ في بنائه ليصل إلى نهاية شديد الصدق و شديدة الواقعية عن بطل ساذج دفعه حبه الأعمى وبطالته إلى التهور والموت.فإذا كانت رسالة الإمام تحمل في مضامينها منطقاً تجارياً بنطوي على المساومة مع الجمهور بما يفيد العظة و العبرة كأنه يريد أن يقول لنا "الجمهور عايز كده" ,فإن رسالة محفوظ هي الأقرب للتاريخ الاجتماعي الإنساني ,كأنه يريد أن يقول لنا ,ربما علينا من الآن فصاعدا أن نتوقف عن القتل المصطنع للشرير في نهاية القصة, وبهذا المعنى تكون رمزية موت عباس في الرواية أكثر انسجاماً مع التأويل الدرامي لعناصر الرواية من موت حميدة ,إلا إذا اعتبرنا موتها له منحى إيحائي يرمز إلى مصر إبان الاحتلال وهو ما ذهب إليه رجاء النقاش في قراءته للرواية حين قارب بين حميدة كرمز للمكان وبين مصر المحتلة؛وهو تأويل شديد التطرف و فيه من الشطط ما يضعف من قوة الفكرة و يضيق احتمالات توسيعها لإثرائها نقداً .
حاول الإمام تحقيق رؤيته التعبيرية سينمائياً و ليس وفق تقنية الإبداع النصي الروائي ،وهذا أمر منطقي فهو مخرج سينمائي وليس كاتب نص روائي أو مسرحي ,ولهذا قرر بمساعدة السيناريو أن تكون الكلمة الأخيرة في الفيلم للشر , فالاحتلال شر, والفقر شر و الدعارة, و الحشيش, وتشويه الأجساد ,كلها شرور ,والبطالة هي أم الشرور و أم الرذائل. ربما كانت الإضاءة الوحيد هي عودة حميدة للزقاق حتى ولو قتيلة , قد ينفع هذا الأمر سينمائيا , لكن على صعيد فلسفة الفكرة سوف تعيق مثل هذه المشهدية بسطحيتها تصورنا لشهوانية حميدة ورفضها لحياة الزقاق كما تصورها الرواية.
ولم يتجرأ أحد على ما يبدو سؤال حسن الإمام , كيف "ليس لماذا،بل كيف"هربت حميدة (بالتأكيد ليس المقصود هنا الهروب الإجرائي) وهل شعرت بالندم لهروبها؟, لماذا ترفض الذهاب إلى الملجأ أثناء الغارة؟ و لماذا كانت ردودها على عباس مرتبكة ومضطربة.وماذا كانت تقصد بقولها "أنا انتهيت"؟ثم كيف عادت للزقاق قتيلة؟ ما الذي يمكن أن يقال عن انتماء حميدة للمكان؟ للزقاق؟قد يقول قائل أن نجيب محفوظ يمتلك من براعة المعمار الدرامي ما يجعل أبطاله ينساقون لأدوارهم مرغمين ،ولكن هل كان المخرج مضطر لهذا؟ و هل امتلك البراعة لخلق سردية بصرية موازية لإبداع محفوظ؟ حتى ضمن المنطق النفسي لكل شخصية؟.
تعبر وقائع الفيلم عن أحداث مكانية, لكن العودة لهذا المكان هو تتويج للانتماء وهو ما كانت ترفضه حميدة طوال الوقت ,ولذلك كان موتها حدثاً سُريالياً يقع خارج الزمن الروائي و ملمحاً أساسياً على عدم قدرة حسن الإمام التوصل لما كان محفوظ يريد قوله. لنتذكر ما قال همنغواي عندما شاهد الفيلم المقتبس عن روايته (لمن تقرع الأجراس ): "هذه القصة ليست قصتي".ويصدق هذا على زقاق المدق بطريقة ما , إذ لم يستطع السيناريو أن يقبض على فكرة محفوظ ,فبدت حميدة في مشاهد سقوطها "ساذجة"، يلهو بها فرج القواد، بينما كانت في الرواية تعرف جيدًا أنه قواد، وتعرف جيدًا أنه يريدها عاهرة (أليست هي حميدة ذاتها التي يصفها محفوظ بأنها "عاهرة بالسليقة"!). غير أن ما هو مشترك بين الرواية و الفيلم هو "الوعي المقولب" الذي رسم مسارات إيقاع تطور حياة حميدة رغم اختيار كل منهما نهاية مختلفة ,فحميدة سردية بصرية خلقها فعلاً حسن الإمام في حين أن "زقاق المدق" سردية نصية أُبدع محفوظ في رسمها تفاصيلها.
يحتفي الفيلم بحميدة على حساب الزقاق ,ربما بعكس رغبة محفوظ. فيكاد الزقاق يكون مجرد خلفية باهتة لحركة حميدة ,حتى أن المخرج اختار اسم حميدة عنواناً لعمله ,ما يجعل المتلقي ينشدّ للاسم قبل كل شيء (لاسيما وأن الجميلة شادية هي صاحبة هذا الاسم"و يحاول مطابقة العنوان مع المحتوى ,ويبدو أن هذا الاختيار كان بناءً على" اعتبارات سينمائية" ,وفي حين كان هدف محفوظ إبراز جميع الشخصيات, عباس الحلو وحسين كرشة و فرج القواد و المعلم كرشة و زيطة( وهؤلاء يشكلون مجموع شخصيات متناقضة بل ربما متنافسة أيضاً) يجتمعون في مشهد بانورامي يعكس الجوانب النفسية و الاجتماعية و العاطفية و الاقتصادية لسكان القاهرة في فترة الحرب العالمية الثانية ,فقد جسّد حسن الإمام في الفيلم الفرد الواحد لا الجماعة ،وهذا الفرد هو شخصية حميدة التي تضخمت على حساب الشخصيات الأخرى بل وحتى على حساب الزقاق نفسه .ولم يوضح لنا المخرج السر وراء ذلك؛ بل يتركنا نحتار -لاسيما أولئك الذين قرأوا الرواية أولاً-بهذا الانقلاب غير المبرر على الرواية وعلى تلك الصور الرائعة التي رسمها محفوظ لقاع العوالم القاهرية من خلال حارة تتجمع فيها الأحلام و الأوهام و الطموحات و الآلام ,لتستحيل في الفيلم إلى مجرد سردية بصرية غير متقنة في جزء منها لأحد سكان الحي رغم تجربة حسن الإمام المميزة في السينما المصرية وعشقه لتصوير الأحداث المتشابكة و الصراعات الإنسانية؛ و انغماسه في أعماق نفسية أبناء الطبقات الدنيا , فضلاً عن جرأته المشهورة ,وربما كانت هذه الأخيرة هي السبب المباشر لاختياره رواية زقاق المدق و تحويلها إلى فيلم .
ولكن هل كان هذا كافياً لمثل هذا الإنقلاب؟هل جمال حميدة وحيوتها وطموحها كان وراء تغيير رؤيته للرواية؟ماذا لو لم يكن مخرجاً؟كيف سينظر لفيلمه هذا؟
مما لاشك فيه أن الفيلم وبعد كل هذا الزمن مازال له بصمته الساحرة و شحنته العاطفية ,مثلما ترك محفوظ بصمته الخالدة , فمع كل الملاحظات على العمل السينمائي فقد استطاع التعبير ولو جزئيا عن فضاءات محفوظ بسردية بصرية حافظت بطريقة ما على عوالم محفوظ المحكومة بوعي ذكوري و سلطة ذكورية في مجتمع ذكوري يقوم على التقليل من شأن المرأة و "تشييئها" و يحجب عنها بعدها الإنساني وقيمتها كفرد كامل الحقوق الاجتماعية, وعلى عكس أعمال نجيب محفوظ, المرأة هنا هي البطل ,مع أن عمق الرواية ذكوري بامتياز , وهو أمر منطقي فحارة محفوظ هي حارة ذكورية , وهو مضطر للنظر لأبطاله وعوالمهم بعين الذكر كي يستقيم له البناء السردي و المعمار الدرامي, لذلك تستحيل المرأة إلى رمز , لكنه ليس رمزاً جامداً بل مفعم بالتصورات الذكورية عنه , في حالات قليلة عبر هذا الرمز عن ذاته بوضوح مثلما فعلت حميدة , فالمرأة رمز الإغراء و السقوط كما هي رمز للنجاح و للأمل ,وهكذا اشتغل محفوظ بدقة لإظهار مزايا و خصائص هذا الرمز .بينما الرجل عند محفوظ لا يحتاج للترميز , لأنه يصادفه في جولاته في حواري القاهرة المعزية فشخصياته الذكورية هي أصدق تعبير عن شخصية المصري المعاصر , ولابد أنه سمع قصصهم من رجال التقاهم على المقاهي هناك ,وإذا كانت حميدة تختلف عن نساء محفوظ فقد احتفى بها بشكل خاص و مميز, فحميدة ليست مجرد رمز للخطيئة كما يصورها الفيلم , بل هي ربما أحد نماذج الحلول المجتمعية التي يقترحها محفوظ , وهو هنا لا يراوغ , بل يقدم حميدة منذ البداية على أنها تسير باتجاه السقوط , ومن خلال هذا الوعي "المشخصن" يتم فسح المجال أمام الشخصيات كي تعبر عن نفسها بنفسها تلقائياً بفعل تواجدها، جنبا إلى جنب مع شخصياتها النقيضة: عباس وفرج و حسين كرشة و حميدة . فمثل هذا الوعي لا يشتمل في جزء منه على جدلية إثبات عكسه بمعنى نفي الحال القائم , فالبطل هنا , سواء حميدة أم الزقاق هو الصورة النمطية لبطل محفوظ في معظم أعماله , البطل التجريبي, أي البطل من حيث هو بطل لا من حيث هو بطل مفكر , فحميدة ترفض أخلاقيات الزقاق و قيمه , لكنها تقبل العيش في مكان قريب منه ولا ترفض أخلاقياته ,فرفض حميدة للزقاق يكمن في أن العناية الإلهية اختارتها لتكون ابنة الزقاق وليس ابنة عائلة ثرية ؛ومن هذه النقطة تبدأ كآبتها فتغرق في تصعيد داخلي تمثله موضوعيا المرحلة التاريخية التي تعيشها مصر تحت نير الاحتلال وهي الفترة التي خبرها محفوظ عيانيا و ليس نقلا واقتباسا ,وتتجلى واقعية محفوظ في أن حميدة استطاعت الهروب من الحي ،بيننا فشلت مصر في "الهروب" من الاحتلال. ربما لم يكن محفوظ راضيا عن نهاية الفيلم و نهاية حميدة وفرج وعباس ,كان هم محفوظ التعبير عن الفراغ الذي يخلقه فقدان الأمل و الخوف الذي يعطل التفكير السليم .ليس هدف محفوظ -هنا-تصوير الشر أو تعريفه , بل نقل الصور الحسية لعاطفة مجموعة من الناس تغلفهم مرارة الحياة و كآبتها و يغرقهم فقرهم و يعميهم عن الحس السليم وإن كانوا لا يخلو من الطيبة .
زقاق المدق إذن حكاية مكان.حكتية حارة مغلقة في منطقة الحسين ,متفرعة من شارع الصنادقية الموازي لشارع الأزهر و يقال أن اسمه أتى من مهنة سكانه حيث كانت تطحن فيه التوابل قبل نقلها إلى سوريا.زقاق المدق درب صغير منسي مرصوف بحجارة لامعة وملساء من كثر احتكاك أقدام البشر بها ..فلا عجب إذن أن يفتتح محفوظ روايته باستهلال ملحمي يتكثف فيه المكان برشاقة ,فيقول: "تنطبق شواهد كثيرة بأن [زقاق المدق] كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يوماً في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدرى. أي قاهرة أعني؟ الفاطمية؟.. المماليك؟.. السلاطين؟.. علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار، ولكنه على أية حال أثر، وأثر نفيس.. كيف لا وطريقه المبلط بصفائح الحجارة ينحدر مباشرة إلى الصنادقية، تلك العطفة التاريخية، وقهوته المعروفة بقهوة"كرشة" تزدان جدرانها بتهاويل الأرابيسك، هذا القدم باد، وتهدم وتخلخل، وروائح قوية من طب الزمان القديم الذى صار مع مرور الزمن عطارة اليوم والغد".فتاريخ الزقاق هو تاريخ آيل للنسيان حيث يلتف الزقاق "في غلالة سمراء من شفق الغروب، زاد من سمرتها أنه منحصر بين جدران ثلاثة كالمصيدة، له باب على الصنادقية، ثم يصعد صعوداً في غير انتظام، تحف بجانب منه دكان وقهوة وفرن، وتحف بالجانب الآخر دكان ووكالة، ثم ينتهي سريعاً – كما انتهى مجده الغابر– بيتين متلاصقين، يتكون كلاهما من طوابق ثلاثة".هنا مبتدأ الحكاية و من هنا خبرها حيث تبدو ملامح سكان الزقاق شديدة الالتصاق بتاريخه و معالمه و عوالمه , وحين يبدأ الوصف بالغروب , إنما يريد الإشارة إلى أن صفة الغروب و"الاختباء" ملازمة للزقاق الذي "تزدان جدرانه بتهاويل الأرابيسك, وروائح قوية من طيب الزمن القديم " ,تعبير غير مرئي عن المجهول ,وما يتطلب ذلك الاختباء من مصيدة أشبه بالجدران تخفي الزقاق بين أزقة شارع المعز عن بقية أحياء منطقة الحسين في القاهرة الفاطمية لتجعله مكان منعزل مسكون بهواجس سكانه فقط ,المنقطعين عما حولهم يعيشون حالة "غروب" لمجد أفل ,حتى أنه يمكن القول من حسن حظنا أن الفيلم مشغول بالأسود و الأبيض ,الأمر الذي يزيد من رهبة المكان و قربه من الصورة الحقيقية التي أراد لنا محفوظ أن نراها في الزقاق .
وعلى الرغم من أن المكان هو البطل الحقيقي في زقاق المدق , لدرجة أن الكاتب اختار عنوان قصته باسمه , إلا أن هناك بطل آخر ينافسه, ومن يكون سوى الإنسان منافسا قويا للمكان؟ إنها حميدة وحكايتها .الأنثى-الإنسان-النموذج الذي قد نصادفه في أي لحظة و في أي مكان, الحدث الأبرز في الفيلم, تبدأ الأحداث بها و تنتهي عندها ,وشخصيتها المركبة تحمل جزء من "تاريخها" فهي فتاة جميلة لكنها فقيرة , متمردة لكنها وحيدة ,تنظر للزقاق بدونية لكنها لا تملك وعياً كافياً لأن تثور, فحبها للمال حب ساذج و مرهق ,يدفعها في نهاية المطاف للتضحية بكل شيء لتحصل على لا شيء. وهي حين تهرب من الزقاق إلى ما تعتقد أنه سيجلب لها السعادة و المال,فإنها تهرب عن سابق إصرار و ترصد ,بجرأة أقرب منها للوقاحة و الانتهازية الساذجة حين تظن أن ما يقع خلف جدران الزقاق عالم آخر ,وفي هذا رمزية واضحة عن سعي المدينة الأوسع لتفكيك الوعي الجمعي للمناطق الشعبية و التهام تاريخهم لصالح المدينة البرجوازية الجديدة الصاعدة فتسقط حميدة بين يدي قواد محترف لتتعرف على درب آخر من الأخلاقيات تختلف عن أخلاقيات الزقاق .وحميدة و إن كانت شخصاً فرداً, إلا أنها في سلوكها تعكس ما يعتمل من صراعات داخل الزقاق ,فحميدة هربت من الحي-مثلما فعل "حسين كرشة" قبلها-تدفعها رغبة صادقة وقوية في أن تعيش حياة ترف و بذخ دون قيود وهذا واقع معظم المصريين في تلك الحقبة , الهروب من واقع الفقر إلى عالم رحب واسع حيث المال و الرغبة في العيش واقتناء الأشياء الجميلة .ولو شئنا توسيع مجال الرؤية لقلنا أن حميدة ليست سوى نموذج قد نصادفه في العديد من المجتمعات الخاضعة للاستعمار الذي يعمل على تشويه معقولية وعمل المجتمع المحلي عن طريق خلق "ثقافة" موازية لما هو سائد , وربط سوق العمل بمركزه وإحكام سيطرته على مراكز القوى المحلية و مفاصل المجتمع المدني ليساهم بشكل مباشر و غير مباشر في تفكيك المنظومة الأخلاقية للمجتمع .وعلى هذا فشخصية حميدة مركبة من عنصرين أساسيين أثّرا فيها و أثراها , العامل الذاتي لشخصية حميدة نفسها, و الظروف الاستعمارية المسؤولة عن كل الانحرافات,وليس أقلها تحويل حميدة من بنت حارة "جدعة" إلى عاهرة وظيفتها الترفيه عن جنود الاحتلال ,وليس عمل عباس الحلو و حسين كرشة لدى الإنجليز سوى نموذج لشخصيات تحاول الاستفادة من المغزى الاقتصادي لوجود الاحتلال ,فالجميع يسعى بطريقة انتهازية تبريرية للاستفادة من وجود الاحتلال, الذي كان له مفعول السحر في التغيير الاقتصادي في مصر وساهم في تفكيك العلاقات الاجتماعية القديمة و تأصيل نزعة تسليعية ذاتية تسعى لتحقيق المكسب السريع , و هذا بطبيعة الحال سيفرز ظلماً هائلاً و يكدس فئات اجتماعية تنسحق فوق بعضها البعض الذي سيقود لاحقا إلى الإنفجار "ثورة يوليو؟", كما سار هذه الظلم في الاتجاه المعاكس بولادة شرائح طفيلية , تنظر للمال بقداسة وبقيمة عالية , وتمتزج هذه النظرة بأحلام من طابع رجعي تأمل في العودة إلى التماسك الاجتماعي و الأسري الذي كان سائداً -باعتقادهم-قبل الاحتلال.وهذا هو حال الفئات التي ترفض التغيير في المجتمعات على مر التاريخ البشري الاجتماعي, فالمعلم كرشة الذي كان ممن شاركوا في ثورة 1919 تحول إلى صاحب قهوة ويبيع الحشيش, وسمسار انتخابات, وحيادي بطريقة مدهشة , إذ حتى الإنجليزي المحتل لم يعد يُنظر له كمحتل وهذا أصدق تعبير عن اهتزاز صورة العمل الوطني في اذهان الناس
وهذا المشهد ليس بعيداً عن واقعنا الحالي, فانقلاب كرشة "لمن يدفع أكثر" يشبه العديد ممن نصادفهم الآن .ورجعية الأفكار المضادة للتغيير ليست بعيدة كثيراً عن مقولة "كنا عايشين".
وهكذا تنظر حميدة للأمور بمقياسها الذاتي المتمركز حول شخصيتها و حبها للمال و الجاه و المكانة الاجتماعية ولكن بمعايير ساذجة ولطالما رددت أنها تريد الخروج من الزقاق إلى ما ليس تدري؛ولما أتيحت لها الفرصة ؛كانت للأسف على يد قواد لايرحم .
انصب اهتمام محفوظ على المعالجة الدرامية للمكان والعناية به عبر شحنه بوقفات زمنية متقاربة,فالمكان عنده واضح لدرجة أنه استطاع بسهولة عزله عن القاهرة وهذه العلة المكانية وإن كانت استهلالاً ملحمياً كما ذكرنا أعلاه إلا أنها في المقابل ليست تأملا فلسفيا بل هي واقع ومعيش كان محفوظ يراه يومياً من خلال تردده على الزقاق و على مقهى المعلم كرشة. وكان لقدرة محفوظ المذهلة في الوصف دوراً هاماً في تقريب المجردات الذهنية التي تميز الكتابة .فإذا كانت السينما عبارة عن عالم حسي بصري تختزل الكلمة إلى صورة فإن هذا قد يؤثر سلبا على النص و يعرضه لمخاطر التآكل مثل الاستغناء عن بعض الشخصيات أو الأحداث أو المواقف أو الأمكنة ، أو زيادة شخصيات وحوادث، أو تغيير جوهر بعض الشخصيات والحوادث. وهذا يتطلب إعادة صياغة للنص الروائي يتجاوز المعطيات الضرورية السابقة مثل الاختزال والتكثيف والتقديم والتأخير إلى التغيير في مسار الأحداث واقتراح نهاية بديلة تقدم رؤية تتفق مع الواقع أثناء إنتاج الفيلم. فهل ستكون السردية البصرية أمينة في رسم الشخصيات النصية؟ما الذي يمكن أن يضيفه المخرج سواء للمكان أم للشخصيات أم لتصورات الكاتب و مقاصده.؟ الديكور مثلاً؟ الموسيقا؟ التصوير؟ ما الذي سيغامر المخرج بحذفه ليتساوق مع متطلبات عمله؟وهل سيكون محقا في الحذف؟وأخيرا هل سينجح في تناول الأحداث و يحقق "الفرجة" للمتلقي التي هي عماد العمل السينمائي؟.كل هذه الأسئلة و غيرها كثير ,عادة ما تكون محور تساؤلات المشاهد حين يستعرض فيلماً سينمائياً مقتبساً عن نص أدبي. وقد حاول حسن الإمام أثناء تحويل "زقاق المدق" إلى "حميدة" الإجابة ولو بقدر ضئيل عن بعض هذه التساؤلات من خلال مراعاة أهمية المكان في الرواية المكان ,فكانت للكاميرا الحامل رئيسي لنقل أفكار المخرج, ومثّلت معادلاً موضوعياً لقلم محفوظ ,ففي حين كان القارىء يقلب صفحات الرواية منبهراً من دقة الوصف المكاني وتفاصيله ؛كانت الكاميرا تنتقل بالمشهد بين زوايا الزقاق و بيوته و حوانيته, مع التركيز على حميدة ؛وليس صعباً أن نلحظ كيف أن الكاميرا لم تخرج من المكان عندما خرج منه عباس الحلو , ولكنها خرجت منه عندما هربت حميدة ,فكانت الكاميرا معها في شقة فرج القواد و في الملهى حيث كانت تعمل ,حتى في موتها وعودتها للزقاق ظلت الكاميرا معها ,فبقيت حميدة محور الفيلم الرئيسي و ملمحه السينمائي الواضح ,حتى أن المشاهدة الثانية للفيلم تعطي انطباعا جديدا وهو أن الفيلم يتحرك منذ البداية من أجل أن يهيىء الظروف لحميدة كي تخرج من الحي , ثم عندما تخرج،تبهت الصورة و يصبح المكان ضبابي ,مضطرب غير محدد المعالم , إلى أن تعود حميدة (قتيلة هذه المرة) , وبتركيزه من جديد على الزقاق , يكون المخرج قد حاول جاهدا تحقيق انتمائه للعمل الروائي .
إذن زقاق المدق المكان هو الحيز الذي سيستقطب فيه و ضمنه عوالم محفوظ الساحرة بكل أبعادها: الزمانية والمكانية والتاريخية والحضارية يفردها أمامنا بكل تفريعاتها الفرعونية والفاطمية والمملوكة ككل واحد لا يتجزأ و كتعبير شبه عفوي عن معنى الدولة العميقة في وجدان المواطن المصري المنقطع بفعل الإحتلال عن هذه الدلالات العميقة ؛وهذا العقل الجمعي المستلب الناتج عن ذه ل المصري أما الغرب ليس وليد الحرب و الإنجليز فقط ؛بل سبق ذلك أن قامت الحملة الفرنسية بتفكيك هذه الأبعاد و التفريعات فيما يعرف تقليدياً بصدمة الحداثة المعرفية الأولى لمصر الحديثة .
هذا عن زقاق المدق المكان ؛أما زقاق المدق النص فهو بطل محفوظ المغرق في مخليته يرصد فيه حياة شريحة من سكانه في زمن تدهورت فيه الظروف الاجتماعية و الاقتصادية في مصر بسبب الحرب و بسبب الاحتلال .
لا ريب إن تحويل عمل روائي بهذا الحجم إلى عمل سينمائي مهمة صعبة و شاقة ,ولا يخلو من المخاطرة ,بل و المقامرة , لأن المخرج سيضع مصير عمله بين جمهور واسع متعدد لا يشبه جمهور القراء , بل شرائح أوسع و أمزجة متباينة أكثر فضلاً عن اختياره المتقن في إسناد الأدوار لممثلين قادرين على تجسيد فكرته و فكرة النص بالدرجة الأولى. ومما يجدر ملاحظته أن سيناريو الفيلم لا يعبر في الحقيقة عن وظيفة السيناريو الحقيقية كما يراد له أن يكون ؛أي"الكتابة بالصورة"، بل هو أقرب منه إلى المعمار الدرامي الأدبي الكلاسيكي وهو لا يختلف كثيرا عن الكتابة القصصية و المسرحية ,ونظرا لافتقار هذا النمط لآلية الصورة فهو يركز على الحوار ,الأمر الذي نلاحظه في معظم الأفلام المصرية ,حيث للحوار دور كبير فى تطوير الأحداث كما يساهم بفعالية في رسم الشخصيات ،وهذه الخاصية تجعله فقيراً من الناحية السينمائية بالصورة , إذ يصبح المشهد السينمائي شكل من أشكال الرواية المصورة أو العمل المسرحي ,فالتركيز على الحوار قد يفيض في حالات كثيرة عن حاجة المشهد و ربما يؤثر على إيقاع الفيلم بصورة عامة ,وهنا تبرز احترافية حسن الإمام حين بذل جهداً مضاعفا لموازنة إيقاع الصورة و الحوار ,وهو المعروف باعتماده على تقنية الحوار الطويل و الراوي في أفلامه .
أخيرا... أعترف أنه تروق لي الأفلام المقتبسة عن نصوص أدبية لاسيما تلك التي أتيح لي فرصة قراءتها, فهنا يكون للتأمل الذهني وظائف متعددة لعل أهمها "المقارنة" و "المتعة".مقارنة الأحداث في الفيلم و النص , ومتعة القراءة و الفرجة,وهما بالنسبة لي أهم عاملين يدفعانني سواء للقراءة أم للمشاهدة .غير أن المربك في الأمر هو ميل معظم المقارنات لصالح النص على حساب السينما ,ولهذا الأمر أسباب عدة، ربما تتاح لنا فرصة للتحدث عنها لاحقا .وأقصد النصوص هنا , ليس أي نص , إنما تلك النصوص العظيمة التي خلدت مؤلفيها و نالت قسطاً وافراً من الشهرة و الاهتمام و النقد .وزقاق المدق-حميدة ,عملين مختلفين من منبع واحد أتيحت فرصة لي قراءة الأول و مشاهدة الثاني , و يا لها من تجربة مثيرة تستحق المغامرة.
ستقول الأسطورة لاحقا , ربما بعد قرون أن شخص ما كان يمر من هنا يوميا يضع نظارة سميكة لا تظهر عيناه منها .يسند ظهره على مسند كرسي خشبي ,ثم يحني جسمه الهزيل و يمد يده المرتعشة نحو الأرض , نحو بلاط الزقاق, يغرسها بقوة , يحفر أعمق و أعمق , يتلبسه فضول الكشف و نهم المعرفة , فتخرج من بين أصابعه فتاة جميلة شهية كأنها خرجت للتو من حكايا الساحرات, يبتسم لها ويسألها "من أنا". تندهش من السؤال, تظنه أخطأ , إذ من المفترض أن يسألها هو عن حالها :من هي ,ليس من هو.تضحك تنسل من بين أصابعه بخفة تلف جسدها الشهي بعباءتها السوداء لتظهر بطريقة مقصودة و استفزازية تكوير مؤخرتها وتقول بلهجة شعبية لا تخلو من الابتذال "الله؟أنت حميدة يا واد!" ثم تتابع :قال على رأي المثل [كتر الكلام عيبة و كتر العتب خيبة] ثم تمضي مبتعدة بأنوثتها الطاغية التي تكاد تفجر جدران الزقاق ,تهرب من الزقاق نحو "الحداثة" إذ لا معنى لجمالها داخل الزقاق وعوالمه المكتظة بالحشيش و البطالة وتشويه الأجساد و الاحتيال رغم بساطة سكانه و طيبتهم المقتنعين بحياتهم على الرغم من سلبيتهم إزاء ما يجري حولهم من أحداث.يستفيق الرجل من ذهوله ليسمع الشيخ درويش يصرخ في الأرجاء بصوت شجي ...ماتت حميدة " ولكل شيء نهاية .....يعني End"