استرنجيرو

مختار سعد شحاته
2018 / 9 / 16

أغلقُ الباب على روحي التي سرقها الفزع بالأمس، أطفيءُ إنذار الحرائق وأشعل سيجارة في الغرفة لإثبات أنني أملك جسدًا لا يزال نابضًا بالحياة، أنتظر أن ينتهي شبحي من تعليق ذاك الحبل في سقف الحجرة، في محاولة يائسة لقتل ذلك الجنين الذي انتفخت به بطني عبر تسع دقائق مضت، أخاف أن يبقى داخلي للأبد، لا أمل في إخراج نطفة الخوف التي حاولت فوهة المسدس قذفها إلى أعمق جدار العقل الباطن، وأندهش كيف يحدث الحمل عبر منطقتين في الجسد، إذ وضع ذلك السكينُ نطفة أخرى عبر خمش جدار الجسد المستسلم، وأكتشف لأول مرة أنني ميت، فيزيد هدوئي ولا أقاوم اغتصاب فوهة المسدس ونصل السكين لطمأنينتي، وأعرف أنني لم أكن لحظتها موجودًا على الأرض في شارع واسع وخال تقريبًا من المارة، مزدحم بصراخ هيستيري من رفقتي وقت الحدث، وكلما ردد الصمت صراخ زميلتين في الشارع، زاد صمت المتفرجين في الجهة الأخرى، وانشغلوا بمتابعة لحظات الطعن المرعبة، ثمة استسلام وسكينة مغايرة لسكينة الخوف، طمأنينة تأتي من عالم آخر عرفته حين صعدت الجبل وانتشيت منفردًا بتحولي إلى مفردة من كل المفردات التي صاغت جلال الطبيعة حولي يومها، وتأتيني يدٌّ أعرف ملمسها، تسحبني بعيدًا متفادية طعنة مفاجئة واهتزازات يدّ أخرى متشنجة وقابضة على زناد المسدس الذي ازداد سوادُه في الليل، وصوت أعرفه ويعرفني يهمس في أذني وحدي، "لم يحن وقتك يا غريب"، فتتلاشى الصرخات من أذني وأبقى معصومًا في فقاعتي العجيبة، ومن داخلها أسمع ترجيع صدى رصاصتين قريبتين جدًا، وتمتد يدّ ثالثة تجذبني من داخل فقاعتي تلك، وتجري باتجاه مخالف لاتجاه منزلي الكائن على بعد خطوات، والذي شهد الحدث، ولم يحرك ساكنًا، وحدها غرفتي على ناصية الشارع الرئيسي، فتحت الشباك الزجاجي الخرب، وراحت تبكي، لأعود إليها بعد دقائق وأجدها انتهت من تعليق المشنقة وانتحرت أسفًا، ولم تفلح محاولاتي إنقاذها، كانت ماتت بفعل سيطرة الفكرة عليها، وأنها ستبقى مغلقة للأبد، بعد عجزها عن إنقاذي أنا حبيبها منذ عشرة أشهر، ورفيقة لحظاتي كلها خلال ساعات الوحدة.

أعود إلى الفقاعة ويعود صوته الهامس، "أكنت تظن أننا نسيناك، وجافاك حفظنا يا هشّ القناعة والإيمان؟!، حفظناك، وأرجعنا لك زائل الدنيا، فافهم كيف تنجيك محبتنا كل مرة دون انتباه؟!".
يبقى أثرٌ ملون بلون الخجل حين طالعت بقع دم غير كاذبة على قميص له لون قلب تمنيت أن أحمله في صدري المنهوش باللوم كلما رأيتُ دمًا مستباحًا، وتدحرجت إلى روحي كرة الخوف الأكبر الذي ظننتُ أنني كسرته رفقة من كسروا خوفهم، الكرة في وجهي الآن بعد التفاتي إلى الخلف تداركًا لشعوري بملمس بارد يضغط خلف جمجتي، يا الله! كم هي باردة فوهة هذا الشيء الأسود، تمنيت في لحظة لو أنها تسخن كسخونة ما يدور من حولي، تخيلت تلك القطعة ذهبية اللون وهي تعبر مسافة لا تتعدى بضع سنتيمترات هي كل طولها، رجوتها لو تخرج وتنهي كل آلام الخيانة والوحدة والانعزال وتحطم حاجز اللغة الفولاذي، ربما كنتُ سأفهم ما كان يقوله ذاك البشري العصبي الغاضب، أو أفهم بعدها ما تقوله مصمصات الشفاه في الناحية الأخرى من الشارع، أو ربما أفهم ما قاله ذلك البائس حين راحت فوهة المسدس ترتعش بين يديه فتتحرك للأمام والخلف في المساحة الفاصلة بين جبهتي ودائرة خروج الرصاصة التي تشبه نفقًا كحياتي، يا الله! كيف ينصب كل تركيزي في محاولة لرؤية تلك القابعة في الطرف الآخر من الفوهة، تلك التي أرجوها أن تخرج ويكون خلاصًا لكل الأسئلة التي يتصدرها سؤال أكبر؛ لماذا تمت خيانتي؟! لماذا تآمرت الحياة على جعلي ذلك الغريب المنعزل؟! أي حكمة يا ربّ في اتهامات المتبجحين الجاهلين، لأصبح منبوذًا ومطاردًا عبر المسافات؟! أين الحكمة في عذابي وهشاشتي التي طفحت بها حياتي فجأة وكنتُ أظنها صُلبة؟! ولماذا تأتيني الدروس عن الناس بثمن غير بخس؟! اخرجي أيتها القابعة هناك، ها هي جبهتي التي تحجب ملايين الصور والأسئلة التي تقتلني، اخرجي يا رصاصة الرحمة بالغريب، أرجوك!!
تتسع فقاعتي، وتنفجر، يتطاير رزاز من شفافيتها على لساني، فينادي أبي ومرشدي؛ "يا أبي!! مدد"، ولا يجيب، أكرر النداء بلساني الغريب وسط ذهول من حولي من ثباتي وسكوني، وأبتسم حين تتقافز كلمة تحدد علاقتي بالمكان، بل وتسورني وللأبد في علاقاتي هنا، "استرنجيرو... استرنجيرو"، تتلقفنها الأفواه فتستدعي إلى ذواكر وجوههم ضرورة التعبير عن التعاطف غير المثمر، دون أن تنفي حقيقة وجودي هنا، "أجنبي"، "غريب" لا تهم الترجمة الدقيقة للكلمة، قدر ما تردني إلى عالمي وحجرتي التي رحت أراها تحاول الانتحار قبل التثبت من موتي المحتم في هكذا حوادث مماثلة، فأبتسم وأطلب لها مثلي من المدد، "مدد يا أبي من الله، مدد يا سيدي".

تنطلق رصاصة، يردفها رصاصتان، وجاء من أقصى زاوية الشارع المتقاطع رجلُ يسعى، هاشًا صائحًا "مسكوه"، وأنا من جديد كطفل السوق الضائع في تمرينات الكتابة، أتبع الجمع الذي تحرك باتجاه معاكس لاتجاه بيتي؛ أحاول الصراخ وإخبارهم أن حجرتي تحتاجني الآن، تحتاج أنفاسي، صوت رنين الماسنجر الذي أستجديه أن يأتيني حاملا صوت الطفلين، صوت خيبتي حين ينتهي جرس المكالمة وصوت يقترح ترك رسالتي إليهما، ولا أعرف كيف أمكنني مرات كثيرة من الصمود أمام طوفان الوجع، فيتماسك صوتي بالسؤال؛ "طمنوني عليكم يا حبايبي"، آه يا غرفتي المسكينة! من سوف يزعجك الآن بصوت السيفون المزعج في دورة المياه المنزرعة عنوة في أقصى جانبك؟ لا يسمع الشارع صوتي، يضيع عبر صرخات رجلين غاضبين آخرين يركلان ذلك البائس المصاب في فخذه الأيمن برصاصة اخترقت الفخذ الفقير، وتوتر يفضي إلى ركلات غاضبة، ونظرة أسى في عينيه تسلبني آخر طرف لخيط الغضب، ترجوني، فأقول بصوت ضعيف "آسف" عبر لغتي التي صارت للجميع دليلهم الدامغ أني ذلك ال"استرنجيرو"، آخذ أشيائي المسروقة، وأبتعد سريعًا، لا خوفًا من أضواء سيارات البوليس والإسعاف التي ستتوافد على المكان، إنما هو فزعي على غرفتي الوحيدة، وأن تفوت فرصتي لإنقاذها قبل الانتحار.

أصل على عادتي التي اشتهرت بها في كل مواعيدي المصيرية، متأخرًا؛ حاولت أن أجد الحب وكلما اقتربت وصلت متأخرًا، حاولت أن أحافظ على أسرة كانت فجاءت محاولاتي متأخرة، قطار الأحلام بينما كنت أضع قدمي الأولى على رصيفه تحرك، فتعلمت الركض أملا في اللحاق، ولا أزال، ولا أدرك نعمة أن تتوقف ومحروم من رفاهية التقاط الأنفاس، يااااه، لو أن هذا الوقت يتوقف لحظات!! ربما تلك المرة الوحيدة التي أصل مبكرا إلى محطة أخيرة، لكن لم يحن بعد وقتها، يؤكد ذلك جملة أبي ومرشدي؛ "لم يحن وقتك يا غريب"، وتلك مفارقة عجيبة، فمن يمنحني ضبطًا للمواقيت وله ما شاء؟!! له ما شاء!!
مختار سعد شحاته
سالفادور، باهيا/ البرازيل
15 سبتمبر 2018