صعوبة الاعتراف بالحب

حسين عجيب
2018 / 9 / 15


" لماذا يصعب الاعتراف بالحب " ...
1
صدمتني العبارة ، وأثارت شجوني وذكرياتي ....زمان يا حب .
كنت أبحث عبر غوغل عن معنى " الاعتماد النفسي " أو الاعتمادية ...؟
وقرأت العنوان الصادم ، والمثير ، والضروري بشكل تصاعدي مع تقدم العمر .
لماذا يسهل الانتقاد ، وتوجيه اللوم والثأر والعنف وغيرها ...بل الأمر يتجاوز ذلك ، يعتقد غالبية البشر والأديان أيضا أن الطبيعة البشرية مجبولة على الشر والطمع والعدوان ، ويشاركهم بذلك الاعتقاد الكثير من الفلاسفة والعلماء من مختلف التوجهات الفكرية .
لكنني رغم كل شيء أؤمن بالإنسان وأؤمن بالحب ....غدا أجمل
( بالطبع تتخلل حياتي أوقات الضيق واليأس ، ورغبة التدمير الذاتي والموضوعي ) .
....
قلة من البشر يحصلون خلال حياتهم على صداقات حقيقية ، متنوعة ، ومن الجنسين .
لست وحيد عصري بلا شك .
لكن ، لا يوجد رجل يمكن أن أحسده على صداقاته ، مع المرأة خاصة .
وحدها علاقة الصداقة ، تتيح إمكانية المعرفة المتكاملة للإنسان ، وعلى مختلف المستويات ... لا يعرف نفسه من ليس الصديق الجيد لنفسه أولا .
كما أن العجز عن الحب ، يبدأ مع العجز عن الاصغاء والمعرفة ، وفشل التقدير الذاتي أولا .
( هذه تجربتي ، وهي أكثر من فكرة ورأي كما أنها أقل من معلومة )
....
سأبدأ من النقيض : لماذا يسهل الصراع والتدمير والتخريب و ....كل فعل سلبي ، وأكثر من ذلك لماذا يدمن معظم البشر العدوان والكراهية والحقد ، ويعيشون حياتهم بغالبيتها في الصراع والخوف والغيظ المتبادل ؟!
لماذا التسامح شاق ومتعذر على الانسان ، وبشكل ثابت ودائم .
بينما العكس تماما ، لا أسهل من التخريب والتدمير والثأر .
قلت معظم البشر ، جميع البشر .
تلك خلاصة التحليل النفسي ( الفرويدي ) .
وأعتقد أن الزمن أعطى حكمه الصحيح والعادل بين فرويد ونقاده....وخصومه
يونغ ، آدلر ،.....وصولا إلى أريك فروم ( مصدري الأساسي ومعلمي بالتحليل ) .
فرويد وماركس تربطهما أكثر من علاقة عادية ، مصير مشترك .
الاثنان حاولا الجمع بين الفلسفة والعلم وفشلا .
بعدهما حاول ويلهم رايش الجمع بين الماركسية والتحليل النفسي وفشل .
بعده حاول أريك فروم الجمع بينهما مع التنوير الروحي وفشل .
وأحاول من جهتي الجمع بين التنوير الروحي والفلسفة والعلم ... وأفشل بالطبع .
والمفارقة أن أخطائهما _ ماركس وفرويد _ وفشلهما الحقيقي مصدر شهرتهما وشعبيتهما الطاغية ، وانجازاتهما المعرفية شبه مجهولة .
ماركس الحقيقي ، وفرويد الحقيقي ....يستمران بالفعل في كتابتهما وعبرها فقط .
وهذا موضوع آخر ، على أهميته ، سأهمله مؤقتا وأعود إلى السؤال وموضوعه .
....
الاسقاط أحد أهم مصطلحات فرويد والتحليل النفسي ، تحول معهما من مفهوم ثقافي عام ، حاول ماركس تحديده قبل ذلك ( الوعي الزائف أو الأيديولوجيا ) ... إلى أحد أهم المصطلحات في علم النفس الكلاسيكي مع الكبت نقيضه المنطقي بالتزامن مع مقلوبه التمثل أو المحاكاة .
خيار الانسان المر ، والثابت ، بين الكبت أو الاسقاط ؟!
الاثنان يتجهان إلى المرض النفسي الصريح .
التصعيد والتسامي كلمة السر والسحر معا .
لماذا يرفض غالبية العلماء مصطلح التصعيد ....إلى يومنا ؟!
....
الاسقاط هو نفسه التحويل خلال المقابلة النفسية ، الفارق بينهما كمي وليس نوعي .
قد يحدث الاسقاط لا شعوريا فقط ، ....رؤية فرد في الشارع ( امرأة أو رجل ) يقوم بسلوك كريه ومقيت _ الاعتداء على قاصر أو أي عمل سيء _ وقد يكون عادة أولى عند المشاهد ويكرره بشكل دائم دون أن يشعر بذلك ، وعند رؤية آخر يقوم بنفس الفعل قد يدخل معه في صراع مباشر ...وهو صادق في نيته وشعوره برفضه وإدانته للفعل ( ذلك ما يخبرنا به التحليل النفسي ويؤكده ، وهو لم يكن مجال اختلاف بين المحللين ) .
الكبت وجه مقابل للإسقاط ، أو هو القطب النقيض .
بعبارة ثانية : ثنائية الكبت والاسقاط هي نفسها ثنائية اضرب أو اهرب ( حلقة مفرغة ) .
والشخصية التي تعتمدها بشكل ثابت ، ما تزال في الطور الانفعالي والسلبي :
الأمس افضل من اليوم ، وغدا هو الأسوأ .
....
الحب دوغمائي بطبيعته خصوصا الحب الجنسي ( لا يحتمل التعدد ) إما أو : أبيض أو أسود ، دون ذلك احترام ، محبة ...وغيرها .
وهو نقلة حقيقية من النرجسية ( أنا _ ضد _ العالم ) إلى الانتماء ( نحن _ ضد _ هم ) .
( هذه قضية إشكالية وليست موضع اتفاق )
صعوبة الاعتراف بالحب ، وبقية التعبيرات المتنوعة عن المشاعر الرقيقة ، مصدرها فقدان الشعور بالحب أو غياب موقف الحب المتكامل في حياة الشخص ( امرأة أو رجل ) .
الكلام المكتوب خصوصا ، يدمج الشعور والفكر في اتجاه واحد ، أو يوحدهما مؤقتا .
البرمجة اللغوية العصبية مثال ذلك ، وهي أمل ، وأفق حقيقي لكسر عزلة الانسان .
....
خلال القرن العشرين حدثت انعطافات نوعية في حياة العالم والانسان ، وربما تغيرت البنية الداخلية للدماغ بشكل فعلي عن أقرب الأسلاف !؟
....
الفكر والكلام واللغة والاعتقاد نسق ثقافي _ اجتماعي ، وأحد محاور المجتمع الحديث عامة .
الفكر ظاهرة اجتماعية _ ثقافية بعبارة ثانية ، ويكتسبها الفرد عبر الأسرة والمدرسة بالتزامن مع بقية المؤسسات الاجتماعية القائمة .
الشعور والسيالة العصبية والتشابكات الكهربائية _ الكيميائية في الجملة العصبية للفرد ، وفي الدماغ خصوصا ، ظاهرة بيولوجية وفيزيولوجية ، ما تزال شبه مجهولة علميا وثقافيا .
العلاقة بين الفكر والشعور تشبه العلاقة بين الحب والجنس ... على الأقل تذكر بها .
....
أعتقد أن السؤال الأساسي والأهم ، حول سبب السلوك الغريب والشاذ ( أو غير المنطقي على الأقل ) حول الرغبة والممارسة المشتركة : بالحصول على الحب بالقوة والتخويف !؟
خبرتي وتجربتي الشخصية تشيران إلى قوة العادة والادمان .
أيضا الكبت والاسقاط يفسران تلك العادة ، العابرة للثقافات والعصور برأيي .
تفسير فرويد المعروف " الاجبار على التكرار " ، لا يكفي بعد معرفة المشكلة وتكرارها .

2
القول بعبارة أخرى
يصعب الاعتراف بالحب ، على الشخص الذي لا يشعر بالحب .
والسبب بسيط وواضح أيضا ، لأن الكذب عملية صعبة ومعقدة وتستهلك الطاقة بشكل تصاعدي وثابت . في العلاقات اليومية أو الحميمة تنكشف الشخصيتان ، ويكون التعامل الاعتيادي بحسب القيم الشخصية لكل من الفردين ( رجل _ رجل ) ، أو ( امرأة _ امرأة ) أو ( امرأة _ رجل ) ....وبصرف النظر عن طبيعة العلاقة ونوعيتها ....قرابة أو صداقة أو علاقة عاطفية وجنسية أو غيرها ، تتحدد العلاقة الإنسانية بالمستوى المعرفي _ الأخلاقي للشخصيتين معا ، وخصوصا القيم الشخصية _ هي العالم الحاسم في مختلف العلاقات .
القيم الشخصية ، أو درجة النضج الفردي ، أو المستوى المعرفي _ الأخلاقي ، أو نوع الطبع الفردي للشخص ....هي صيغ مختلفة لفكرة ( وخبرة ) واحدة ، تحدد نوع ومستوى شخصية الفرد ( امرأة أو رجل ) ، وهي بدورها تحدد نوع علاقاته المختلفة .
يمكن اختصار الطبع الفردي وفق اربع مستويات أساسية :
1 _ الشخصية النرجسية ( أنا مقابل الكل ) .
لا وجود لعلاقات الحب أو التعاون والاحترام في حياة الشخص النرجسي ، سوى بشكل عابر ويتبع لظرف أو وضع . عدا ذلك علاقات صراع مستمرة _ بصرف النظر عن نوع العلاقة ( قرابة أو صداقة أو جيرة أو علاقة عاطفية وجنسية ) .
2 _ الشخصية الدغمائية ( نحن _ ضد _ هم ) .
علاقات الشخصية الدغمائية من ضمن جماعتها حصرا . أو هي علاقات مؤقتة وظرفية .
تتميز الشخصية الدغمائية على النرجسية بالنمو الطبيعي للبعد العاطفي ، ولكن المشاعر الرقيقة والمحبة تقتصر على أفراد جماعتها .
3 _ الشخصية الأنانية ( أنا المركز ) .
تتميز على سابقتيها بادراك الاختلاف الطبيعي بين الثقافات والمجتمعات المختلفة ، وبوحدة القيم الإنسانية وشمولها ، لكن وبنفس الوقت يقتصر حب الشخصية الأنانية على حاجتها . بزوال الحاجة والمصلحة الشخصية مع الشريك _ ة أو الخصوم يتحول إلى عدو مباشر .
4 _ الشخصية الموضوعية....
تصفها الأشعار وسير البطولة وغيرها ، ولحسن الحظ لا تخلو جماعة بشرية مهما صغرت من المواقف والسلوك البطولي .
فيكتور فرانكل _ بحسب تجربتي _ افضل من وصف الشخصية الموضوعية .
3
الحب ، شعور والتزام وموقف .
بوجود الحب بالفعل ، يسهل الاعتراف بالحب .
بوجود الحب الحقيقي ، يسهل الاعتذار وتحمل المسؤولية ، كما يسهل الالتزام وغيرها .
ويبقى السؤال المزمن :
هل يمكن أن يحب إنسان إنسانا آخر ( نرجسي ، أو دغمائي ، أو أناني ) !؟
جوابي الشخصي ، بصعوبة بالغة ، وبشكل مؤقت وظرفي .
يمكن تقسيم العلاقات الإنسانية إلى 3 مستويات :
1 _ علاقات الخوف و نموذجها علاقة ( فريسة _ مفترس ) .
1 + 1 = أقل من واحد .
2 _ علاقات الحاجة ونموذجها علاقة ( أعمى _ مقعد ) .
وهي نموذج لعلاقات الاحترام :
1 + 1 يساوي أكثر من واحد وأقل من 2 ؟
3 _ علاقات الحب ....
قبل اكثر من عدة آلاف من السنين أكتشفها المعلمون القدامى ، وصاغها لا وتسي :
1 + 1 = أكثر من عشرة آلاف
....
غدا أجمل ( ربما ) ...
ولكن