من بسمارك إلى صلاح الدين , مسح الماضي القومي في إعادة تسمية الشوارع حيفا و برلين الشرقية نموذجا

محمود الصباغ
2018 / 9 / 15

تعتبر أسماء الشوارع في غابة المدن الحديثة أكثر من كونها وسيلة لتسهيل التوجه المكاني نظرا لما يتم تحميلها من قيمة رمزية إضافية وتمثل لـ"نظرية العالم" التي تعتمد على النظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم. فتشمل أسماء شوارع المدينة ( "نص المدينة"),بهذه الصفة القيم القومية ، والأسماء "الجغرافية" (للمدن والمناطق والأنهار والجبال وغيرها)، وأخيرا، ولكن بالتأكيد ليس آخرا ، تمثيل الماضي القومي كما هو محدد من قبل الأبطال والأحداث التي يحتفى بها في علامات الشارع. و يتم ,في بعض الحالات، إضافة بعد رمزي آخر من خلال اختيار اللغة المستخدمة في هذه العلامات. فاللغة دلالة على هوية الجماعة، وهي محملة ,بالتالي, بقيمة رمزية، لاسيما في الحالات التي يتم فيها تحديد لغتين لمجتمعين قوميين هما في حالة معينة من الصراع. و نص المدينة هو بنية ثقافية تجعل اي نظام اجتماعي و أخلاقي ذو معنى وذلك من خلال تمثل "نظرية العالم" التي تعترف بهذا النص و تخول استعماله ,وهو أيضا نص رسمي مسموح به من قبل نظام الحكم. فاختيار أسماء الشوارع يتم أحيانا من خلال المشاعر الشعبية, بيد أن صيغ و أشكال هذه النصوص دائما ما تستنبط عن طريق وكلاء معينين. وبالتالي , تعد عملية كتابة نص المدينة أو إعادة كتابته مثالا واضحا على التفاعل بين العمليات السياسية الاجتماعية و العمليات السيمائية في الثقافة.
.والهدف من هذه المادة هو تفحص على سبيل المقارنة، العلاقات بين العمليات التي تنطوي عليها عملية (إعادة) بناء نص المدينة وقد تم [لهذا الغرض] اختيار عمليتين واسعتين لإعادة التسمية , الأولى جرت في برلين الشرقية، العاصمة السابقة لألمانيا الشرقية، والثانية تم تنفيذها في حيفا، الميناء البحري الرئيسي لإسرائيل، في ربيع العام 1951. و حدث في سياق هاتين العمليتين تغيير هائل على مستوى المحتوى الرمزي لنصوص المدينتين( يمكن العثور على البيانات المتعلقة في إعادة تسمية برلين الشرقية في Verordnungsblatt für GroβBerlin, Vol. 7 (1951), Nos. 23. 32, 40 .و البيانات الخاصة بمدينة حيفا توجد في أرشيف المدينة , ملف رقم 209 ). و من المفيد لفت النظر أن عمليات إعادة التسمية في حيفا و برلين الشرقية و تزامنهما كان محض عرضي , فقد احتوت كل عملية على سياقها التاريخي و كذلك على خصائصها الخاصة. و عل الرغم من هذا , ثمة قاسم مشترك يجمع بين كلتا المدينتين , أي التلاعب السياسي في العمليات السيميائية التي نفذت ضمن السياق العام لإعادة بناء الثقافة الرسمية في ضوء التمزقات السياسية الرئيسية .و تعتبر الاسماء موضوعات دلالية تجسد المعنى و تنقله وهي بهذا تحتل مكانا مركزيا في اي نظام ثقافي, كما أن صياغة و إعادة صياغة مجاميع الأسماء الطبوغرافية يعد مثالا عميقا على طبيعة الصلات بين العمليات السياسية و الثقافية, فغالبا ما أعقب إعادة التوطن في المدن و البلدات إعادة تسمية لتلك الأماكن, ويذكر سفر القضاة في الإصحاح الأول 17 (وَذَهَبَ يَهُوذَا مَعَ شِمْعُونَ أَخِيهِ وَضَرَبُوا الْكَنْعَانِيِّينَ سُكَّانَ صَفَاةَ وَحَرَّمُوهَا، وَدَعَوْا اسْمَ الْمَدِينَةِ "حُرْمَةَ".).ويمكن أن نجد أمثلة حديثة عن هذا النمط في تاريخ المدن الألمانية السابقة دانتسيغ، بريسلاو، كونيغسبرغ ، التي أصبحت بعد العام 1945 غدانسك، فروكلاف, كالينينجراد.
تبدي الأيديولوجيات الحديثة قدرا كبيرا من الحساسية للأسماء وقيمها الرمزية، ولا تقتصر إعادة التسمية على المدن والبلدات فحب ؛ فإعادة تسمية الشوارع و الدول لها نصيب أيضا في هذه العملية ,فعلى سبيل المثال , تم في الاتحاد السوفيتي[السابق]تغيير أسماء مدن هامة تيمنا بأبطال بارزين للنظام الثوري، مثل لينين وستالين وغوركي وكالينين وفوروشيلوف وسواهم .كما غيرت العديد من الدول الافريقية أسمائها بعد نيلها استقلالها، مثل الكونغو (زائير) و روديسيا (زيمبابوي) وغولد كوست[ساحل الذهب] (غانا). وكان المقصود من عمليات إعادة التسمية هذه الإعلان عن عودة رسمية إلى الجذور "الأصيلة" لما قبل الاستعمار وإيصال معان مختارة بعناية فيما يخص الدول القومية المستقلة.وإبان الثورة الفرنسية تغيرت العديد من الأسماء, وفي الواقع كان الماضي الملكي هو موضوع التغيير ليحل محله أسماء تحمل معنى القيم العليا للنظام الثوري , ففي العام 1793 تغير اسم "ساحة لويس الخامس عشر" في باريس إلى "ساحة الثورة". و بهذا تم وضع النموذج حيث أصبحت إعادة تسمية الشوارع سمة معروفة في حالة الاضطرابات السياسية و انفلاش الأيديولوجيات المهيمنة. و يمكن القول أن تحليل أسماء الشوارع يتم في إطار تخصص أسماء الأعلام , أي الدراسة العامة للأسماء onomastics ، أو في مجال معين لأسماء المواقع الجغرافية يقع ضمن تخصص الجغرافيا الحضرية( العمرانية)، حيث تلعب أسماء الشوارع دورا واضحا في المناطق الحضرية . وثمة مقاربة أخرى، تلامس ما تتبناه هذه المقالة ، حيث تربط أسماء الشوارع بـ "الذاكرة". ووفقا لهذه المقاربة ,تعد أسماء الشوارع (وغيرها من الأشياء، مثل المعالم الأثرية واللوحات التذكارية) مصدرا يمكن من خلاله قراءة "ذاكرة" مجتمع معطى نظرا لأن أسماء الشوارع جزء من خزان الذاكرة الرسمية. وعلى غرار هذا , يمكن العثور على مثل هذا النوع من الأبحاث الأصلية التي تتعلق بالاحتفاء إلى أسماء في أبحاث آر.دبليو. ستامب (1988) . والمنظور الذي تتبعه هذه الدراسة هو منظور التخطيط الرسمي للثقافة، أو نمذجة البنى الثقافية وفقا للوصفات الأيديولوجية التي ينفذها وكلاء معينون نيابة عن المجتمع. ويتكون التخطيط الثقافي من تفعيل مجموعات من الإجراءات والعمليات لغرض التلاعب مباشرة بالبنى الثقافية الرسمية. والمنتج الثقافي، الذي هو في دراستنا نص المدينة المعدل ، مصمم للاستهلاك الدائم؛ ويفترض بعد صياغة نص المدينة أن يصبح نصا حيا في عمليات التواصل الاجتماعي كجزء من الثقافة الرسمية .
مثل هذا النهج التحليلي لم يطبق بعد على دراسة تتعلق بمثل هذه البنى الثقافية باعتبارها نص المدينة، غير أنه منهج مرتبط بعدد من الدراسات التي تركز على تخطيط اللغة، أو على نحو أدق: تعديل اللغات وفقا للأغراض والاحتياجات القومية.( لمعرفة المزيد عن هذه الدراسات ,انظر على سبيل المثال: Fishman 1927).
ملاحظات أولية: تمثل "الماضي"
يعرض نص المدينة خريطة خاصة ترتبط ارتباطا وثيقا بـ"نظرية العالم" بما يتعلق المكان والزمان. وسوف نركز ,هنا, على جانب هام من هذه الخرائط: الرواية الرسمية لـ "الماضي" كما هو موضح في لافتات الشارع. وبالتوازي مع وجود هذه النسخة الرسمية من الماضي، فهناك ثمة نسخ أخرى أيضا ، وجميعها صحيحة أو خاطئة على حد سواء, و تتوقف الاختلافات فيما بينها على طبيعة الأوامر الاجتماعية والأخلاقية التي تتحدد بها هذه النسخ, فالنظام الحاكم يستحضر نسخته الخاصة، التي تضم جزءا كبيرا من "نظرته للعالم". يسيطر المركز السياسي على الوسائل التي يمكن من خلالها تقديم تمثيلاته للعالم أن تعرض على المجتمع ككل. ويتأكد هذا المركز السياسي من أنه لا يتم إصدار سوى التمثيلات المقبولة و المقرة من قبله , أي نسخته الخاصة عن الماضي هي فقط التي سيتم نقلها عبر قنوات الاتصال الاجتماعي الرسمية. و يلاحظ إدوارد شيلز في هذا السياق "عندما يتوسع المركز بشكل فعال، سوف يسيطر على مؤسسات الاتصال: كالمدارس والكنائس، وإذا كان المجتمع متعلم ، فسوف تصل السيطرة إلى أي جهاز من الأجهزة يمكنها تقديم تمثيلات و تأويلات العالم "( Shils 1981: 249). يتم قمع تمثيلات العالم المعارضة, بمعنى أنها ستكون مستبعدة من جميع القنوات الرسمية. إن علامات الشوارع، باعتبارها وسيطا رسميا، تشكل نصا رسميا يمكن من خلاله قراءة الرواية الرسمية للماضي، بصفة خاصة، والتمثيلات والتأويلات الأخرى للعالم بصفة عامة.
إن بناء مثل هذه النظريات ونسخ من الماضي يمليه بحث أكاديمي عن "الحقيقة "الموضوعية . وتكمن أهمية مثل هذه البنى في دورها الاجتماعي السياسي كعوامل شرعية (أو غير شرعية). إن الرواية الرسمية لـ "الماضي" تضفي الشرعية على النظام القائم (ومن ثم حكمه) بحجة أنه نتاج حتمي لـ "التاريخ". و يمنح "الماضي" النظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم جوا من الطبيعة، يقدمه بوصفه جزء من "النظام الكوني" غير مشكوك فيه . تتحدى الروايات المتنافسة على الماضي الرواية الرسمية، وبالتالي، الرواية التي سمح النظام باستحضارها ، ولهذا ينظر لتلك السرديات المنافسة على أنها تهديد. يبنى "الماضي" على أنه سرد زمني متقدم [كرونولوجي] في الزمن حيث تنتظم فيه أحداث مختارة وشخصيات تمثيلية في سلاسل متتابعة وسببية ( لمناقشة ما يتعلق بـ"السرد" ,أنظر: Hodge and Kress [1988: 229—30] ).تقاد هذه السلاسل منذ "بداية" ("ولادة الأمة" أو أي أسطورة خلق أخرى )، من خلال الصعود والهبوط والانتصارات والهزائم والكوارث والانتصارات والصراعات والنضالات، إلى الوضع الحتمي الراهن ، "الحاضر، "الذي يتم مطابقته مع النظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم. و غالبا ما يمثل نص المدينة-موضوعنا الرئيسي هنا-الماضي ببساطة دون أن يسرده. لا توفر النص قوسا زمنيا ناجزا ؛ فليس هناك تسلسل زمني، ولا يمكن للمرء أن يميز "قبل" و "بعد". وليس هناك تقدم زمني، وبالتالي، لا يتضمن سببية. و فقط سيكون القارئ الذي يتمتع بـ "رأس مال ثقافي" كاف (أي معرفة مسبقة بالثقافة المعنية) قادرا على إعادة بناء التسلسل الزمني والروابط السببية من النص، ولكن هذ ا التسلسل و هذه الروابط لن يتم العثور عليها في النص نفسه.من ناحية أخرى، يوفر محتوى وهيكل نص المدينة للقارئ معلومات قيمة فيما يتعلق بالرواية الرسمية للماضي.
يحتوي نص المدينة على الابطال فقط بعكس الكتب المدرسية، التي تستعرض الأبطال و "أندادهم" (على الرغم أن البطل هو الأكثر بروزا من هؤلاء الأنداد ) وتقدم تقويما يتناسب مع دورهم في التاريخ القومي. فنص المدينة هو نص تمثيلي أحادي البعد عندما يتعلق الأمر بالشخصيات التاريخية التي تقف على الجانب"الإيجابي" من محور "الخير-الشر" يعكس مزايا أداء خاصة للماضي, و لذلك لا يتم تمثيل الأنداد المعادين للأبطال في نص المدينة لأنهم لا يستحقون تخليدهم عبر تضمنيهم لنص المديمة بالذات, و يحتوي نص المدينة, من الناحية البنيوية على مقياس مدمج [غير مرئي]يسمح لمن يقرأ النص بتحديد الوضع النسبي للأحداث والقيم والأبطال. المبدأ التنظيمي الأساسي في كتابة نص المدينة هو ارتباط الحالة النسبية لعناصره بأهمية الشارع المختار في النسيج الحضري. وتنعكس التراتبية في نص من النوع المثالي في توزيع العناصر في النسيج الحضري، التي تنص القاعدة الأساسية فيه على أن الأهمية الاستراتيجية للشكل الشامل وأهمية اسمه يجب أن ترتبط ارتباطا إيجابيا. ومع ذلك فقد يحدث نوع من الانحرافات عن هذا النمط , ويعود الانحراف في الغالب إلى إعادة تقييم الأهمية التاريخية للأبطال المشهود لهم سابقا أو نتيجة للتطور العمراني .
نشأة نصوص حيفا وبرلين
ينبغي علينا فهم التغيرات في نصوص المدن في السياق التاريخي للنص نفسه، أي في سياق وجود النص في وقت معين وعملية تسجيله. وتخلق مجموعة القيود والحوافز التي تفرضها الشروط الإيديولوجية المسبقة وكذلك الاحتياجات السياسية مجالا للقوى التي تحدد "مضمون" نص المدينة. وبالتالي فإن إعادة كتابة نص المدينة في كثير من الأحيان تتويجا لنزاع طويل الأمد بين الخيارات المتنافسة. قد يكون النص جديدا، لكن النسخة الرسمية المأذون بها قد تكون معروفة جيدا قبل إعادة كتابتها كخيار غير رسمي وغير ناجح ينافس الرواية الرسمية السابقة (كما هو حال برلين)، أو تكون هذه النسخة الرسمية تنطبق بصورة بديلة على أجزاء معروفة جيدا من النص (كما هو حال حيفا).
برلين
بدأت كتابة نص برلين بتأميم نص المدينة من قبل السلطات البروسية في العام 1813. و وفقا لقانون الولاية، كانت الدولة البروسية ممثلة في شخص الملك هي المسؤولة، بدلا من المدينة، عن تسمية الشوارع. هذا الوضع الفريد بقي معمولا به حتى إلغاء النظام الملكي في العام 1918، وانتهى فقط مع الحل القانوني لبروسيا بعد الحرب العالمية الثانية. استعرض نص مدينة برلين ,في ظل الإمبراطورية، مجد سلالة هوهنزولرن الحاكمة، فضلا عن الشهرة العسكرية الألمانية بعد العام 1871 (أي بعد توحيد ألمانيا تحت الحكم الملكي لبروسيا ). و قد واجهت هذه النسخة من الماضي ,بعد إعلان الجمهورية في العام 1918، تحديا من قبل الأحزاب اليسارية في البرلمان البلدي، الذين كانوا أكثر راديكالية من الشيوعيين، الذين دعوا إلى صيغة بديلة "ديمقراطية" و "تقدمية" لنص المدينة (للاطلاع على تحليل مفصل لهذه المناقشات، انظر Azaryahu 1988). وقد باءت محاولات تغيير نص المدينة بالفشل بسبب المعارضة القوية للدولة البروسية، التي كانت تسيطر على نص المدينة. ثم قام النازيون ببناء نسختهم الخاصة من الماضي على لافتات الشوارع التي تزينت بأبطال الحزب القومي الاشتراكي ، وأبرزهم أدولف هتلر، الرمز الأسمى للنظام النازي، و هورست فيسل، الشهيد البارز في "الحركة".
بعد انتهاء الحرب و استسلام الرايخ، تم على الفور نزع الصبغة النازية عن المدينة. لكن انهيار الدولة النازية لم يكن يعني تلقائيا عودة شاملة إلى العام 1932، كما كانت تأمل بعض الدوائر المحافظة. فقد كان الشيوعيون، الذين لعبوا دورا حاسما في سياسة المدينة، وبدعم من الديمقراطيين الاشتراكيين، يهدفون إلى صياغة صيغة "ديمقراطية" للماضي القومي عن طريق استبدال العناصر العسكرية والسلالة الملكية (التي لم تكن ممكنة في العشرينيات) بعناصر "تقدمية". وهذا يعني استبدال أسماء الملوك الألمان وجنرالات بروسيا بأبطال الحركة العمالية و شهداء الثورة البروليتارية الشيوعيين الأسطوريين. ووفقا لأحد التوصيفات ، يجب أن يعاد كتابة عُشْر نصوص مدينة برلين من أجل تحقيق هذا الهدف. وأحد المقترحات الأخرى الذي تم تقديمه لمجلس المدينة بعد بضعة أشهر، كان يتوخى إعادة كتابة أكثر من خُمْس النصوص - وفقا لهذه القائمة هناك نحو 1،785 اسم للشوارع من أصل 9،000 ينبغي تغييرها -، من أجل إنشاء نص مدينة "ديمقراطي" تماما يعبر عن ألمانيا الجديدة.
وبالنظر إلى عدد الأنشطة الظاهرة الموجهة نحو إعادة تشكيل النص، التي نفذت في مناطق مختلفة وفي مجلس المدينة نفسه ، فإن العدد الفعلي لتغيير الأسماء كان في الواقع ضئيلا للغاية :فقد تم إعادة تسمية 40 شارع فقط بين أيار-مايو 1945 وآب-أغسطس 1947 (انظر Azaryahu 1990: 40—46). و بعد العام 1946، وفي ذروة الصراع بين الشيوعيين والأحزاب الأخرى في برلين، تم سحب "تنقية" نص المدينة من جدول الأعمال , ليس لأن المسألة اعتبرت غير ذات أهمية مقارنة بالنضال "الحقيقي"على الهيمنة السياسية., بل على العكس من ذلك: حرص الشيوعيون، الذين كانوا في المعارضة منذ تشرين أول-أكتوبر 1946 على عدم رفع منسوب التوتر بينهم و بين الأحزاب السياسية الأخرى عبر تعزيز صراع عاطفي للغاية على الرموز. ومع ذلك، حدثت بعض التغييرات نتيجة للتعاون النادر الشيوعي - الديمقراطي الاشتراكي, لقد تضاءلت الطاقة والحماس اللذان ميزا الأشهر القليلة الأولى بعد التحرير من النظام النازي، ولكن ليس للأبد, فمع تقسيم برلين أعيد تعريف علاقات القوة وكان أن أطلقت يد الشيوعيين في النهاية لكتابة روايتهم عن الماضي (والتي سيتم الإشادة بها على أنها النسخة "الديمقراطية" الحقيقية) في قسم المدينة الذي كان خاضعا لسيطرتهم .
حيفا
يبدأ التاريخ الفعلي لكتابة نص مدينة حيفا في عشرينيات القرن العشرين، الذي ترافق مع التطور العمراني السريع وتحولها إلى مركز صناعي وتجاري لما كان سابقا مدينة نائمة .كانت المدينة مأهولة بالعرب واليهود على حد سواء ،وامتلك كل منهما حجما مماثلا منذ أربعينيات القرن العشرين ,وقبل ذلك بعقد انفصل اليهود عن العرب بشكل شبه كامل جغرافياً, فاستقر العرب في وسط المدينة ، في حين أقام اليهود على سفوح الكرمل وعلى طول شاطئ خليج حيفا.كان تصميم لافتات الشوارع موحدا في المدينة ,حيث يظهر الاسم باللغات الرسمية الثلاث : الإنكليزية (التي كانت لغة الحكومة الاستعمارية وتكون في الجزء العلوي من اللافتة)؛ و العربية(لغة غالبية سكان فلسطين و كانت توضع في الوسط) ,و العبرية (كلغة للأقلية وكانت تظهر في أسفل اللافتة). لم يكن هذا التسلسل الهرمي عفويا بأي حال ،بل كان يعبر عن الوضع النسبي للغات السائدة في فلسطين البريطانية. وبرغم هذا الوضع قدم "محتوى" النص إطارين قوميين متميزين ولكن غير متوافقين في سياق معين كانا فيه في حالة نزاع قومي. وكانت كتابة النص لا مركزية، فلكل حي سلطة كاملة على الجزء من النص الذي "ينتمي إليه" ظاهريا. وقد أدى هذا الفصل الإثني الواضح إلى ظهور نصين فرعيين منفصلين مكانيا: نص فرعي يهودي - صهيوني ونص فرعي عربي - فلسطيني، يمثل النص الفرعي اليهودي-الصهيوني الربع , أما الباقي فيمثله النص الفرعي العربي-الفلسطيني ,وكل منهما يقدم الماضي القومي لمجتمعه الخاص به .
وكانت لغة الحوار بين النصين في السياق السياسي السائد تعبر عن القطيعة و التنافس ،ولم يكن ممكنا التعايش بينهما إلا تحت مظلة الحكم البريطاني، و تجلى عدم التعايش هذا في النص نفسه عبر عدة أسماء تمثل النظام الاستعماري الحاكم. ويمكن التعبير عن حالة الخطاب بين القومي عن طريق ثلاثة عناصر تمثيلية : أ)"شارع هرتزل" في حيفا اليهودية، ب)"شارع صلاح الدين" في حيفا العربية، ج) "شارع الملك جورج الخامس". تتعايش جميعها في ذات النص ، وتظهر جوهر الصراع والتوازن غير المستقر. هرتزل: الأب المؤسس للصهيونية، يحتفى به في الشوارع الرئيسية في كل مستوطنة يهودية؛ و صلاح الدين، البطل البارز في الأسطورة السياسية العربية الفلسطينية، يحتفى به في كل مدينة عربية تقريبا، كونه نظير لهرتزل، أما الملك جورج الخامس، الذي يمثل الإمبراطورية البريطانية، فيظهر اسمه على الطرق المركزية في كل مدينة فلسطينية (يهودية أو عربية على حد سواء). و كل نص فرعي يعرض جغرافيا وطنية متمايزة. فالنص الفرعي اليهودي الفلسطيني يقدم فلسطين الكتابية و الصهيونية ، في حين يقدم النص العربي فلسطين العربية التي تتجاوز حدود فلسطين البريطانية.
إعادة كتابة نصوص المدينة: الشرط اللازم
يعد إعادة تعريف النظام الحاكم -وما يلي ذلك من إضفاء الطابع الرسمي على تمثيلاته للعالم عموما والماضي خصوصا- من الشروط الضرورية لتنفيذ التغييرات في نص المدينة, و كانت عمليات إعادة التسمية في العام 1951 في كل من برلين الشرقية وحيفا عبارة عن ظواهر محلية تتعلق بإعادة إعمار ألمانيا الشرقية في أعقاب قيام نظام الحكم الشيوعي من جهة وبثقافة رسمية إسرائيلية لها علاقة بالدولة القومية الإسرائيلية من جهة أخرى. و ارتبطت عملية إعادة تسمية شوارع برلين الشرقية ارتباطا وثيقا بعمليات إعادة تسمية أخرى جرت في مدن ألمانية مختلفة بعد العام 1945، حيث تم تعديل نصوص المدن وفقا للنظام الاجتماعي والأخلاقي الجديد – كان هذا النظام يتمثل بوضوح في الستالينية ابتداء من العام 1948 – الذي كان آخذا في التبلور في المنطقة السوفياتية في ألمانيا المحتلة، التي أعلنت في العام 1949 باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية. أما حيفا فكانت ,من ناحية أخرى, ذات صلة بالهيمنة السياسية التي حققها الييشوف اليهودي في الجزء الأكبر من فلسطين الانتدابية ، في أعقاب النصر العسكري اليهودي سنة 1948. وهنا، وجدت الهيمنة السياسية تعبيرا مناسبا في تشكيل الثقافة الرسمية الإسرائيلية، التي كانت مرتبطة مباشرة بالنظام الصهيوني القومي الذي قام في العام 1948. وكان جزء كبير من هذه الثقافة الناشئة هو التسمية الطبوغرافية الصهيونية - العبرية، التي حلت تدريجيا محل الأسماء الطبوغرافية العربية(بخصوص أسماء الأماكن العربية .انظر: Cohen and Kliot 1981: 227—34, and 236ff )
تأسست جمهورية ألمانيا الديمقراطية في 7 تشرين أول-أكتوبر 1949، في حين أن تأسست دولة إسرائيل في 15 أيار-مايو 1948. إلا أن هذه الأحداث سبقتها أحداث محلية ذات أهمية كبيرة تتعلق بإعادة صياغة نصوص المدينة المعنية. ففي نيسان / أبريل 1948، هزمت قوات "الهاغانا" اليهودية الميليشيات العربية في حيفا، وفي غضون أقل من شهر، أصبحت المدينة العربية اليهودية الفلسطينية السابقة مدينة إسرائيلية ذات أغلبية يهودية ,وما كان يعد في السابق أحياء عربية أعيد الآن توطين اليهود فيها ومن بينهم العديد من المهاجرين الجدد. في حين أن مدينة برلين انقسمت في تشرين الثاني-نوفمبر 1948، إلى قسمين, و قام الشيوعيون، بدعم واضح و فعال من سلطات الاحتلال السوفيتي، بفصل ثماني مقاطعات شرقية من القطاع السوفييتي في برلين عن بقية المدينة، وشكلوا وحدة بلدية جديدة تم دمجها في وحدة الإدارة السياسية الألمانية الشرقية. وبعد عام أصبحت تعرف باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية .و لقي النظام الشيوعي الستاليني الجديد الذي ظهر في ألمانيا الشرقية دعما من خلال نظريته المتميزة الخاصة بالعالم (الماركسية - اللينينية) فضلا عن سردية تمت بصلة للماضي القومي الألماني. كانت نسخة الماضي لألمانية الشرقية الرسمية أممية من حيث المبدأ، فاحتضنت ماضي الحركة الثورية العالمية، لكنها كانت في الواقع نسخة قومية ألمانية، على الرغم من أنها تختلف اختلافا كبيرا عن النسخة البديلة في ألمانيا الغربية، وبطبيعة الحال، عن النسخة النازية للماضي القومي الألماني. ومع ذلك، فقد تم احتواء كل هذه النسخ ضمن الإطار القومي نفسه، وكانت الاختلافات فيما بينها تتعلق بالعناصر التي تتألف من سلاسل زمنية أقل منها في تصنيفها على المستوى الإيجابي / السلبي الذي يميز كل روايات "الماضي". وكان الفرق الرئيسي بين هذه السرديات المتنافسة في تعريفها للأبطال و لأندادهم :فأبطال سردية ما لم يكونوا أبطالا في سردية أخرى ,والعكس بالعكس .
بينما كان وضع حيفا مختلفا تماما ,فمع قيام دولة إسرائيل، تم حل الصراع القومي في فلسطين وأصبح الرسم الصهيوني للفضاء والزمان هو المسؤول لاحقا عن تمثيل نص المدينة. وقد كان النزاع في الواقع بين اثنين من التعيينات المتنافسة التي لم تكن جزءا من إطار قومي واحد، كما كان الحال في برلين (باستثناء" الإعارة " الأجنبية الناجمة عن الالتزام الدولي للنظام الشيوعي) ومن الواضح أن الصراع في فلسطين-إسرائيل هو صراع بين إطارين قوميين ، وليس صراعا بين خيارين متضمنين في الإطار القومي نفسه. ولم يكن التناقضان القوميان المتنافسان على المكان و الزمان جزء من إطار واحد:فكانت تاريخ المجموعتين مختلف تماما من حيث البنية ، دون عناصر تاريخية مشتركة (في ذلك الوقت). التداخل الكبير الوحيد يتعلق بالأرض المشتركة (الصراع نفسه لم يدرج بعد في سردية "الماضي")؛ ومع ذلك، فإنه من طبيعة الصراعات القومية على الأرض المشتركة أن لا يكون عاملا موحدا، بل على العكس تماما. إنه في الواقع تجسيد رمزي للنزاع بأكمله بسبب المزاعم القومية المتنافسة على الأرض المشتركة. كانت الدولة القومية الإسرائيلية التي قامت في فلسطين في العام 1948 هي دولة يهودية صهيونية، وتمت إعادة صياغة لنص المدينة البريطاني-الفلسطيني السابق وفقا لذلك. لقد أعادت التحولات السياسية في العام 1948 تعريف الهيمنة السياسية في برلين الشرقية وحيفا، ونتيجة لذلك كان إعادة كتابة نصوص المدينة المعنية أمرا لا مفر منه. وقد أدى التناقض بين المحتوى الرمزي للنص والنظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم إلى قوة أدت في نهاية المطاف إلى إعادة كتابة النص. ولم يخف الضغط إلا بتعديل النص على النظام الحاكم الجديد و تمثيلاته للعالم.
ومع ذلك، من الناحية النظرية، يمثل كل النص الحالي للمدينة والتوزيع الجديد للسلطة نقطة انطلاق و وتوجه عام . ويعتمد الشكل الدقيق للنص النهائي للمدينة ونمط صياغتها على عوامل مختلفة، مثل التكوين السياسي للهيئات المسؤولة، ووجود الضغوط و شدته التي تمارس من "الأعلى" (الحكومة المركزية) أو من " ألأسفل "(السكان عموما وجماعات المصالح الخاصة). كل هذه العوامل تمثل مجموعات من الأولويات والكتل والقيود والحوافز التي تكون قابلة للتعديل. وكلها تصل إلى تشكيل الأنماط المحلية التي تختلف من حالة إلى أخرى. و توفر البنية الناعمة لهذا النمط إجابات عن سؤال يحوم حول "كيف": إعادة الكتابة موجهة أساسا إلى القضاء على العناصر غير المرغوب فيها - أو إدراج العناصر المرغوبة - أم أن هذين الأمرين متساويين بنفس القدر؟ هل سيكون "التحرير" فوريا أم متأخرا؟ وسوف يتم ذلك تدريجيا أو في كل مرة؟
أنماط إعادة الكتابة
1) الهدف الخاص
تمثل حالتا برلين وحيفا نمطين مختلفين من عمليات إعادة نشر النصوص الرئيسية للمدينة. وفي الوقت الذي كان فيه المسؤولون في برلين مهتمين أساسا بمحو أجزاء النص التي تمثل نسخة غير مرغوب فيها من الماضي القومي ,كان توجه التغييرات في حيفا يقوم في المقام الأول على إدراج عناصر تمثل النظام القومي الجديد في النص. وبحكم طبيعتها، فإن التجمعات تشير إلى الاحتفاء وإزالة الذكرى، وهما في الواقع وجهان لعملة واحدة. وكان الهدف الرئيسي من التغييرات التي أجريت في برلين الشرقية يتمثل في شطب الاحتفاء ؛ وحلت العناصر الجديدة (أي تلك التي تمثل الراوية الشيوعية للماضي)، محل تلك التي تم محوها، كانت ذات أهمية ثانوية فقط، وإن كانت بالطبع موضع ترحيب. وفي حيفا، كان هدف العملية في العام 1951 هو تمثيل النظام القومي الجديد في النص، في حين كان القضاء على الأسماء القديمة، التي تمثل أسطورة قومية مهزومة، أمرا ضروريا إذا ما أريد إدراج أسماء جديدة.والهدف من عملية "التطهير" في برلين واضح من تنظيمها. تم تنفيذ العملية في أربع موجات متتالية: تم تغيير اسم ثمانية وعشرين شارعا في 12 نيسان-أبريل، وستة وعشرين في 10 ايار-مايو، خمسة وثلاثين في 24ايار- مايو، وتم تغيير اسم تسعة وستين شارعا في 31 أيار-مايو. وفي كل موجة مختلفة كان يتم حذف مجموعة من الأسماء ذات صلة بجانب معين من الرواية القديمة للماضي. تم توجيه الموجتين الأوليين إلى محو ذاكرة الأسرة البروسية الحاكمة. أما الموجة الثالثة فكانت تهدف إلى إبعاد بسمارك، الذي تم ذكر اسمه في أربع مقاطعات. وكان الهدف من الموجة الرابعة هو إعادة إحياء التراث العسكري البروسي الألماني الذي يمثل أسماء الجنرالات، مثل غنيسنو، يورك، مولتكه، ورون، أو أبطال الحرب مثل ريتشوفن. ومن ناحية أخرى، لم يتم اختيار الأسماء الجديدة وفقا لأي مبدأ تنظيمي مواضيعي. وكان الهدف الرئيسي للعملية برمتها هو "إضفاء الطابع الديمقراطي" و "نزع الطابع العسكري" عن نص المدينة ؛ وأكدت الأسماء الجديدة، بطبيعتها التي لا غنى عنها، الطابع "الديمقراطي" (بالمعنى الشيوعي للمصطلح) للنص، الذي ينعكس من خلال الأبطال المحتفى بهم المثل العليا الممثلة للنظام الاجتماعي والأخلاقي الحاكم.
أما في حيفا , فقد كان الهدف الرئيسي للعملية هو إدراج النظام القومي الجديد وأسماء أعلامه في نص المدينة. في الأساطير الإسرائيلية الناشئة، كان تصور إعلان الدولة بمثابة تحول بحجم كوني، و في ذات الوقت نهاية ( الاستعباد القومي )، وبداية (السيادة القومية) . كانت حرب الاستقلال نضالا بطوليا، وكان النصر فيها بمثابة الشرط اللازم لإقامة النظام القومي الجديد. وتمثل العناصر الجديدة في النص الفصل الأخير من الماضي القومي ، المرتبط ارتباطا وثيقا بالنص الفرعي المحلي في حيفا: الاحتفاء بالجنود الذين سقطوا تم في "شارع الأبطال" ؛ كانت قوات "الهاغانا"، التي قامت بالقتال، قد احتفل بها "شارع هاغانا". وكان النظام القومي نفسه ممثلا في النص من خلال "طريق الاستقلال". ولم تحل العناصر الجديدة محل النص اليهودي الصهيوني القائم، بل كانت تعززه و تكمله و تحدثه .إن إدخال العناصر الجديدة دون تغيير النص اليهودي - الصهيوني القائم يمكن أن يتم بطريقة واحدة فقط: من خلال محو عناصر النص غير الصهيوني في وسط مدينة حيفا. وتم التأكيد على الأهمية النسبية لعناصر النص الجديدة من خلال اختيار الطرق المركزية في الجزء العربي السابق في المدينة. كان يجب إزالة الملك جورج الخامس[بصفه رمزا للحقبة الاستعمارية]وصلاح الدين، البطل البارز للأسطورة السياسية المناهضة للصهيونية الفلسطينية، و إزالتهما، ليس بالضرورة لأنهما يمثلان تحديا للنظام القومي المهيمن وأسماء الأعلام ، ولكن نظرا لأن إشارتهما العمرانية كانت مطلوبة للعناصر الجديدة، والتي لها أهمية قصوى للمخططين، بقيادة رئيس البلدية.
إن الربط المباشر في بعض الأحيان بين الاحتفاء ونزع الاحتفاء يؤدي إلى انحرافات مثيرة للاهتمام للقيمة الرمزية: فقد يقوم الأعداء السابقون بتبادل أماكنهم على العلامات "مستبدلين " بعضهم البعض. وتعبر هذه الانعكاسات المتماثلة بشكل مباشر عن استبدال أسماء الأعلام بأحد المنافسين الآخرين في سياق تاريخي معين. ولا يمكن أن يفهم هذا الانقلاب ويقدره إلا من هم على دراية بالخلفية التاريخية، ولكن حتى هذا القيد لا يثني المخططين عن تنفيذه. وحصل في مدينة حيفا انقلابين من هذا النوع: تم استبدال اسم "الملك جورج الخامس"، ممثل السلطة الاستعمارية السابقة بـ "الاستقلال "، الذي يمثل نقيضه الرمزي كما تم استبدال "صلاح الدين" باليهود المجهولين "الأبطال"، التي مكنت تضحيتهم من قيام النظام الصهيوني في فلسطين. لم يحدث مثل هذا الانقلاب في برلين الشرقية أو بالأحرى لم يتم العثور عليه ، وذلك أساسا لأن أهم أبطال الأسطورة الشيوعية قد تم بالفعل الاحتفاء بهم في النص.
2) تأجيل التغيير
إن الفاصل الزمني بين إنشاء النظام الجديد (أي من منتصف أو أواخر عام 1948) لإعادة صياغة نصوص المدن المعنية في ربيع عام 1951 هو أمر ذو أهمية كبرى. إن التحولات السياسية لا تتبع بالضرورة على الفور من خلال إعادة تشكيل الثقافة الرسمية، ويمكن أن تعمل تمثلات النظام القديم بصور أكثر في بعض مجالات الاتصال الاجتماعي التي تسيطر عليها رسميا. وغالبا ما يكون القصور الذاتي الظاهر الذي يمنع التعديل بسبب قوى محددة تعمل كحواجز. وأسهل طريقة للخروج هي، بالطبع، الامتناع عن استثمار الطاقة والموارد المالية في تخطيط وتنفيذ التعديلات؛ إلا أن هناك أسبابا إيجابية أيضا لمنع التعديل أو تأخيره، حتى لو كانت هذه في بعض الأحيان تبدو مجرد أعذار. فما هي الأسباب أو الأعذار التي طبقت في برلين الشرقية وحيفا؟
هناك فرق كبير بين هاتين الحالتين. فتأجيل التغييرات في نص برلين الشرقية أثر فقط على مكونات رواية الماضي القديمة ، في حين أدرج أبطال بارزين من النظام الحاكم في النص كعلامات مميزة و مختارة كان من بينهم إرنست ثيلمان ، بطل الأسطورة السياسية الألمانية الستالينية الشيوعية (احتفي به في آب-أغسطس 1949)، و لينين (في نيسان-أبريل 1950)، وستالين، الذي كان اسمه قد أطلق على الطريق الرئيسي المصممة ليصبح درب الانتصار لنظام ألمانيا الشرقية " الستاليني" , تلك التسمية سيئة السمعة، التي أصبحت رمزا بحد ذاتها. هذه الرموز وغيرها تتمثل في النص النظام اللينيني-الستاليني الحاكم . ويبدو أن حذف أبطال ورموز النسخة السابقة للماضي القومي الأكثر عمقا و الأشد إدانة ، كان أقل إلحاحا أو كان الحكم السياسي السليم هو المسؤول عن "الرقابة" الظاهرة؟
كانت برلين الشرقية استثناء بين مدن ألمانيا الشرقية الأخرى، حيث تم بالفعل تطهير النص قبل إنشاء الدولة. وكان الفرق بين برلين والمدن الأخرى هو أن برلين، باعتبارها العاصمة القومية السابقة، تم تحميلها بقيمة رمزية عالية نسبيا, شكلت-هذه القيمة-حاجزا يمنع تعديل النص، أو على الأقل تأجيله. فالنظام، الذي يسعى إلى الاعتراف به و كسب شرعيته ، لم يكن مهتما بتولي عبء آخر لا لزوم له: إذ أن الاستبعاد النصي للأبطال القوميين و المعترف بهم شعبيا كان من شأنه أن يستدعي، دون شك، ردا سلبيا شرسا من الغرب ومن مواطنيه أيضا. وكان لهذا الاعتبار العملي أهمية خاصة في ذلك الوقت، عندما كان نظام ألمانيا الشرقية يبذل جهدا متضافرا لتكريس نفسه بوصفه الوصي الحقيقي على التراث القومي. كانت برلين , باعتبارها رمزا وطنيا, موقعا مثيرا للخلافات ،وهذا ما يفسر تردد النظام النسبي في الانخراط في عملية تطهير فائقة لنص المدينة: وإذن و كشكل من أشكال البروباغاندا تم التضحية بالنقاء الإيديولوجي من أجل المزيد من المتطلبات السياسية العملية. لكن الضغوط الأيديولوجية المتزايدة لتغيير نص المدينة لا يمكن التغلب عليها. ففي العام 1950 تم "إبعاد-نفي" نصب تذكاري شهير لفريدريش الثاني (الكبير)من وسط المدينة إلى بوتسدام، وهو العمل الذي أثار احتجاجا في الغرب ترافق مع حملة دعائية واسعة تجاوزت الأكاذيب الصارخة :بأن السبب الرسمي الذي أعطي لإزالة النصب هو الأضرار التي لحقت به خلال الحرب.
أما نص مدينة حيفا بقي من ناحية أخرى "مجمدا" تماما حتى ربيع العام 1951. وكانت عقبة التغيير هنا هي مجلس المدينة الذي رفض على أساس مبدي تعديل النص. وقيل إن مجلس المدينة المنتخب حديثا هو وحده الذي يمكنه أن يقرر هذه التغييرات. و "التجميد" المؤسسي للهيكل الرمزي لتاريخ حيفا امتدت إلى أبعد من أسماء الشوارع، حيث كانت محاضر الجمعية البلدية مكتوبة باللغتين العربية والعبرية على الرغم من أن معظم العرب غادروا المدينة في أعقاب هزيمة نيسان-أبريل 1948. وفي حين اعترفت البلدية بالحاجة إلى إجراء تعديلات، رفضت إجراء أي تغييرات. والسبب الممنوح هو سبب رسمي، وبالتالي لا يمكن اعتباره موجها ضد إعادة الكتابة نفسها. ولا بد من تشكيل هيئة إدارية جديدة قبل مواءمة نص المدينة مع الظروف السياسية الجديدة.وجاء الضغط لتنفيذ التغييرات اللازمة من الداخل ومن "تحت ". كانت إدارة المدينة المسؤولة عن علامات الشوارع قد طلبت بالفعل في العام 1949 التوجيهات المتعلقة بالشكل اللغوي الجديد للعلامات (يؤكد حقيقة أن التغييرات كانت في الواقع أمرا متوقعا) . كتب المواطنون "المعنيون" رسائل تحث مجلس المدينة على إزالة اللغة الإنجليزية من الإشارات (من أجل تجنب الخلط فيما يتعلق بالسيادة القومية) أو الاحتفاء بالجنود الذين سقطوا بدلا من الأبطال العرب والبريطانيين. بل إن أحد المواطنين أعد قائمة مفصلة يشرح فيها لما يعتبره من عمليات إعادة التشكيل المطلوبة. ومن المثير للاهتمام أن هذا الاقتراح لم يتوقع القضاء التام على النص الفرعي العربي مشهد المدينة؛ وفقا لهذا الاقتراح، كان صلاح الدين لا يزال مندمجا في نص مدينة حيفا.
إعادة التسمية أخيرا:
أي تناقض مدمج بين نص المدينة والنظام المهيمن يجب حله عاجلا أو آجلا، واستعادة التناغم و الانسجام . هذا التناقض هو "شرط لازم " لتنفيذ التغييرات في نصوص المدينة. وعندما تغير الأحداث الدراماتيكية الإطار السياسي، تخضع جمیع نصوص المدن للتعديل. ولكن من أجل إجراء التغييرات المتوقعة في نصوص المدن، يجب التغلب على العقبات التي قد تؤخر العملية من خلال قوى أكثر صرامة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي يجعل مثل هذه التعديلات المتوقعة، وإن تأخرت، ممكنة في نهاية المطاف في نصين من المدينة قيد التحليل.؟
كانت العقبة الوحيدة في برلين الشرقية هي تردد مجلس المدينة في الانخراط في عملية "تطهير" شاملة, خشية من الأضرار(بتعابير البروباغاندا) التي كان من المتوقع أن تستتبع ذلك. . فالأمور من خلال النزعة الذرائعية تقاس بمقاييس الربح والخسارة ،و غني عن القول أن الوعد فقط بتحقيق مكاسب صريحة يمكنه التغلب على الحاجز القائم. ومن العوامل الجديدة التي أدخلت في المعادلة كان مهرجان الشباب الشيوعي الثالث الذي كان مقررا عقده في صيف عام 1951 في برلين الشرقية. وكان هذا الحدث، وهو الحدث الدولي الأول بهذا الحجم الذي سيعقد في برلين منذ انتهاء الحرب، ذا أهمية قصوى للنظام. فبالنسبة إلى نظام يشكك في شرعيته كل من سكانه في الوطن والعالم الخارجي (الذي يشكل في الغالب بلدان غربية)، فإن هذا الحدث، في واقع الأمر، يعني اعترافا دوليا بالغ الأهمية، وأكثر من المرغوب فيه. كما أنه ينطوي على استعادة المركز الدولي للمدينة، كما أنها ستكون مظهرا من مظاهر التضامن الشيوعي الدولي.كان الحساب بسيطا: يمثل النقاء الأيديولوجي للضيوف القادمين أكثر أهمية من ردود الفعل الغاضبة في ألمانيا الغربية أو السخط داخل السكان المحليين. مقاربة المهرجان دفع بسلطات المدينة إلى إضفاء "الطابع الديمقراطي" على النص. وليس من قبيل المصادفة أنه خلال نفس الجلسة التي عقدتها بلدية برلين الشرقية والتي أعطيت فيها بالفعل "الضوء الأخضر" لإعادة التسميات ، نوقشت جوانب أخرى من التحضير للمهرجان. يبين إيريش هونيكر ( الذي كان رئيس منظمة الشباب الألماني الحر حينه , ثم أصبح لاحقا رئيسا لألمانيا الديمقراطية والمضيف الرسمي والمنظم للمهرجان) في سيرته الذاتية الجهود المبذولة لإظهار ألمانيا جديدة و ديمقراطية, فلا مكان لبسمارك ، على سبيل المثال، في النسخة الألمانية الشرقية من ألمانيا الجديدة هذه ، ولهذا أصبح من الضروري إخراجه من مكانه.
أزيلت العقبة التقنية التي أعاقت تغيير نص مدينة حيفا بانتخاب مجلس بلدي جديد في أوائل العام 1951. وعكس تشكيلها الظروف السياسية والديموغرافية الجديدة في المدينة وأدى انتخاب رئيس بلدية حيوي جديد إلى رؤية واضحة للتنمية المستقبلية للمدينة. وبعد ذلك بوقت قصير، قامت دائرة المدينة بإضفاء الطابع المركزي على جميع الإجراءات المتعلقة بتسمية الشوارع عن طريق تعيين لجنة خاصة تتمثل مهمتها في وضع مبادئ توجيهية عامة والتوصية بأسماء محددة تعتبر إلزامية. وأظهرت هذه الخطوة حقيقة أن التغييرات لا بد أن تحدث، وربما عاجلا وليس آجلا. وكان الحافز المحدد لعملية إعادة تسمية التي أطلقت في ربيع ذلك العام هو حدثا بحد ذاته: يوم الاستقلال الإسرائيلي الثالث، الذي كان احتفالا يعم كافة أرجاء الوطن للاحتفال بالنظام القومي المؤسس حديثا .ربط إعادة التسمية بطقس الدولة للنظام القومي كان طبيعيا في ضوء الغرض من إعادة التسمية هذه ، والذي كان لتمثيل هذا النظام نفسه في نص المدينة. ربط النظام القومي إلى نص المدينة خلق دائرة رمزية: لقد ساهمت المدينة في طقوس قومية شاملة للدولة القومية، والتي بدورها، تحمل المكونات الجديدة للنص مع المعاني "الصحيحة" يعززها السياق الزمني بإدراجها في نص المدينة.وقد بدأ رئيس لبلدية المنتخب حديثا عمليات إعادة التشكيل من خلال مطالبة اللجنة المعينة باقتراح أسماء جديدة؛ كما حدث تقارب مع منظمة "قدماء محاربي الهاغانا "، الذين يمثلون "محرروا" حيفا في نيسان- أبريل 1948، لاقتراح قائمة من الأسماء الجديدة لإدراجها في نص المدينة. واقترحت قائمتهم، التي قدمت في اليوم التالي، أربعين اسما جديدا – يمثلون عُشْر نص المدينة . وكان التقارب من قدماء محاربي الهاغانا مجرد عمل رمزي كنوع من الامتنان.كانت البلدية راضية قانعة بخمس تسميات فقط ، ولكن الأسماء المقترحة، مع تلك الأسماء التي ستحل محلها ( و التي حتى لم يناقش أمرها )، كان لها تأثير دائم وكبير على نص مدينة حيفا.
ملاحظات ختامية
تم تعديل نص برلين الشرقية مع عملية التنقية والتطهير التي نفذت في ربيع العام 1951 تماشيا مع الرواية الشيوعية للماضي، والتي كانت موجودة بالفعل في مدن ألمانية أخرى. فقد نفذن عمليات التنقية هذه في معظم المدن الأخرى بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، كما هو حال مدينة لايبزغ السكسونية على سبيل المثال، حيث تم خلال النصف الثاني من العام 1945 محو اسماء معظم أبطال الجيش البروسي الألماني وإرث السلالة الحاكمة من لافتات المدينة. و من ناحية أخرى، كانت حيفا من بين أول مجموعة من المدن والبلدات الإسرائيلية التي قامت بإدراج النظام القومي الجديد، ونشأة تكوينها البطولي في نصها, و في هذا الصدد كانت برلين الشرقية متأخرة ، على الرغم من وضعها الخاص كعاصمة. وقد أعقب نموذج حيفا نماذج لمدن إسرائيلية أخرى ، مما أدى إلى بناء نمط موحد تقريبا على المستوى القومي .تم ترتيب اللغات في علامات الشوارع المعاد تشكيلها أخيرا في حيفا، كما هو الحال في المدن الإسرائيلية الأخرى، وفقا لنمط قومي شامل تمثل في وضع النص العبري في الأعلى(مما يشير إلى مكانتها المهيمنة التي لا جدال فيها كلغة قومية)، في حين أن العربية (مع أنها لغة رسمية) والإنجليزية وضعتا، في هذا النظام، تحت العبرية.
مسح بسمارك لأنه ينتمي إلى نسخة مقموعة من الماضي القومي ,و استبعد صلاح الدين لأنه كان جزءا من الأسطورة السياسية للمجتمع القومي المهزوم. بدأت حيفا في ربيع العام 1951،عملية أدت إلى التقارب بين النصين الفرعيين لما كان مدينة يهودية عربية في السابق . و في برلين , ومع استبعاد بسمارك , ساد ( خلال فترة الانقسام القومي الألماني) تقسيم النص الواحد الموحد لبرلين إلى تصين فرعيين من الماضي القومي ،نص مع الغرب و آخر مع الشرق .
......................
ملاحظات
العنوان الأصلي : The Purge of Bismarck and Saladin: The Renaming of Streets in East Berlin and Haifa,a Comparative Study in Culture-Planning
المؤلف: Maoz Azaryahu
الناشر: Poetics Today 13:2 (Summer 1992). Copyright © 1992 by The Porter Institute for Poetics and Semiotics. CCC 0333 -5372/92/-$-2.50.
المترجم :محمود الصباغ
References and Related Works
Azaryahu, Maoz
1988 “What is to be Remembered: The Struggle over Street Names, Berlin
1921 - 1930,” Tel Aviver Jahrbuch fr deutsche Geschichte 18: 241—59.
1990 “Renaming the Past: Changes in ‘City-Text’ in Germany and Austria, 1945—1947,” History and Memory 2(2): 32—53.
1991 Von Wilhelmplatz zu Thהlmannplatz. Politische Symbole im צffentlichen Leben der DDR (Bleicher: Gerlingen).
Cohen, Saul B., and Nurit Kliot
1981 “Israel’s Place Names as a Reflection of Continuity and Change in Nation-Building,” Names 29(3): 227—48.
Fishman, Joshua A.
1972 Language and Nationalism (Rowley, MA: Newbury House).
Hobsbawm, Eric
1983 “Mass-Producing Traditions: Europe, 1870—1914,” in The Invention of
Tradition, edited by Eric Hobsbawm and Terence Ranger (Cambridge: Cambridge
University Press).
Hodge, Robert, and Gunther Kress
1988 Social Semiotics (Cambridge, UK: Polity Press).
Honecker, Erich
1980 Aus meinem Leben (East Berlin: Dietz Verlag).
Karwelat, Jrgen
1988 “Strassenbenennungen. Eine hצchst brokratische Angelegenheit,” in Sackgassen. Keine Wendemצglichkeit fr Berliner Straennamen (Berlin: Nishen Verlag).
Michal, Ron, ed.
1988 The Tale of the Streets. The Story of ha-”Hagana” in Haifa (in Hebrew) (Haifa: Haifa Municipal Press).
Shils, Edward
1981 Tradition (Chicago: University of Chicago Press).
Stump, Roger W.
1988 “Toponymic Commemoration of National Figures: The Cases of Kennedy and King,” Names 36(3—4): 203—16.