مثلث برمودا الإسلامي .. الدين المذهب القومية

جعفر المظفر
2018 / 9 / 14

إن أهم ما يميز الشخصية الشيعية العراقية عن أختها الشيعية الإيرانية هي ان الأولى فيها وحدة مفترضة بين البطل القومي والبطل الديني, في حين أنك في الثانية ترى الأول نقيضا للثاني..
لكن أمرا مخالفا سيحصل حينما نقارن بين ناتجي الشخصيتين, فإذ يَفترِض التماسك في الحالة الأولى إنتاج حالة صحية متقدمة على صعيد التكون الشخصي للأفراد والمجتمع فإننا نرى العكس, فالشخصية العراقية الشيعية في حالات واسعة ومن ناحية سيكولوجية وسياسية باتت تحتل مقاما أدنى من مقام قرينتها الفارسية, ونرى أن الفارسية متقدمة على العراقية في حالتي التمظهر السياسي والتشكل الحضاري.
إن كثيرا من العرب العراقيين من الشيعة الذين توافدوا على إيران بعد الثورة الإسلامية التي أسقطت الشاه سرعان ما إكتشفوا أن الحديث عن الإندماج الديني والمذهبي لم يكن كافيا لطمس النزعات القومية الموروثة وفي مقدمتها نزعة الإستعلاء الفارسية ضد العنصر العربي. وإن بالإمكان مراجعة عشرات الوثائق او المذكرات والإصدارات الأخرى لغرض التعرف على ذلك.
إن الإتيان بهذا المشهد الخطير ليس هدفه تخطئة الجانب الإيراني أو تجريمه بدعوى التعنصر والتعصب وإنما للكشف عن حقيقة أنه لا الدين المشترك ولا المذهب الواحد بإمكانهما إزاحة الموروث الثقافي والسياسي المختلف, فالمشهد ذاته سيعطينا نفس النتيجة حينما ننظر إليه بالمقلوب, إذ لم يكن ممكنا للعنصر العربي المنتصر بالأمس تحت راية الفتح الديني, ولم يكن من حقه, ان يطمس الهوية القومية الفارسية او يعومها في قارب الدين المشترك. الإسلام نفسه يقف أمام هذا المشهد بإهتمام حينما يذكر (وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ولم يقل (لتذوبوا في بعض وتصبحوا شعبا واحدا).
إن الدين في البداية قد ينتصر على الخصوصيات القومية والموروثات الثقافية المختلفة, أو فلنقل أنه سيحاول أن يفعل ذلك من خلال تبشيرات أخلاقية مُعوَمَّة وتجريدية ومؤسسة على نوايا طيبة, لكن هاتين الأخيرتين, الخصوصيات والموروثات, سرعان ما تعيدان تنظيم علاقاتهما بالدين الجديد وذلك من أجل الخروج على الأقل بمعادلات تكفل إستمرار التوازن, وعلى الأغلب لإعادة تفوق القديم على الجديد.
وفي مساحة البحث عن الذات التي يحاول المؤثر السياسي والثقافي طمسها فإن كثيرا من التداعيات, وحتى كثيرا من العُقَد, سوف تلقى طريقها للتناسل في المساحة الدينو- قومية المضغوطة.
إن محاولة تعويم الخصوصيات القومية والثقافية لأية قومية من القوميات من خلال الإدعاء أن بإمكانية الدين تحقيق ذلك هي دعوة فارغة. أمامنا صراع الأمم والثقافات وهو يحكي عن نفسه بشكل واضح. أما العراقيون الذين عاشوا تلك التجربة في إيران فقد تلمسوا عجز الدين الواحد, أو حتى المذهب الواحد عن تذويب الخصوصيات التي تتناسل في رحمها كثير من قوى الصدام حال الطلب.
على ان الأمر الذي يجب الوقوف أمامه حال النظر إلى واقعية العلاقة بين العنصر العربي الشيعي والعنصر الفارسي الشيعي في معادلة التوازن بين العنصرين ضمن ساحة التجاذب والتفاعل الديني, ان الكفة غالبا ما تميل للعنصر الفارسي. وأحسب ان هذا الميل لا يبتعد عن كونه نتيجة لما اسميه هنا بقاء الحوافز التاريخية لإعادة الإعتبار للذات القومية ولتجاوز حدة حالة الإنكسار الماضوي.
وبما ان حالة التشرذم والصدام المذهبي بين الشيعة والسنة على الجانب العربي يستدعي حالة الإستقواء على الشقيق بالجار فإن العنصر العربي الشيعي هنا سينحازأو يتحالف مع جاره الفارسي باشكال ليس بوسعها تجاوز حالة التبعية لصالح الأقوى, وهنا الفارسي, الذي سيحاول من جانبه أن يوظف معطيات الضعف العربي لصالح غلبته وتفوقه السياسي. وبهذا السياق سوف يعثر العنصر الفارسي على فرص إعادة سياق تفوقه من خلال تنشيط الإنتماء المذهبي على حساب الديني وليس من خلال العودة القومية عن الإسلام.
ما الذي يجب ان يفعله العرب لحرمان الجار الإيراني أو التركي من فرص تغذية هذا الضعف الإجتماعي .. الحل هو بناء المجتمع العلماني ودولة القانون الوطنية التي يشعر جميع المواطنين فيها بالمساواة ولا يجابه الشيعي فيها أو السني أو المسيحي أو .. أو .. فرص الإنتقاص من حقوقه الإنسانية على أي مستوى كان, وبهذا فهو لن يلجأ مضطرا لسلوك درب التبعية الذي ينتقص من وطنيته ومن وطنه, ويجعله من خلال تغليبه لإنتمائه الثانوي على الأساسي في الموضع الذي يضخم من فرص التبعية للأجنبي.