البهلاني.. شاعر زمانه وفريد أوانه

عبدالله المدني
2018 / 9 / 14

لن يجادلك أحد لو قلت إن عـُمان هي بلاد الشعر والشعراء وفطاحلة اللغة والنحو والبلاغة. يشهد على ذلك بروزها منذ القدم في عوالم الشعر الفصيح المكتنز بلوحات تعبيرية بليغة ومفردات غير دارجة، لكنها من صميم العربية. وبطبيعة الحال فإن شعراء عمان كثر، وإسهاماتهم الشعرية والأدبية ضخمة، لكن نتاجهم غير منتشر كما ينبغي، الأمر الذي جعل أصواتهم خافتة، وأسماءهم مجهولة، وقصائدهم لا تتردد على الألسن أو لا يـُستشهد بها، إلا فيما ندر.
والدليل على صحة قولنا هو إن شاعراً عمانياً عظيماً بكل المقاييس، سواء لجهة شعره أو علمه أو مؤلفاته أو خصاله أو تجاربه أو تلامذته أو تنقلاته، مثل «أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني» غير معروف خارج بلده، بل ربما لم يسمع به أحد ممن يسمون أنفسهم أدباء أو شعراء أو مثقفين.
وعليه فإننا في الأسطر التالية سنحاول إلقاء الضوء على حياة ومسيرة ونتاج هذا الشاعر المبدع الذي لـُقب بـ«شاعر العلماء وعالم الشعراء» و«شاعر زمانه وفريد أوانه» وغيرهما من الألقاب المستحقة، معتمدين في ذلك على العديد من المؤلفات ذات الصلة، والكثير من المطبوعات (صحيفة الرؤية وصحيفة عمان العمانيتين مثلا) والدوريات الأدبية (مجلة نزوى العمانية ـ عدد أبريل 1996 وعدد يوليو 2000 ـ مثلا) والصحف الإلكترونية (صحف الحدث، وستار تايمز، وسبلة عمان مثلا)، إضافة إلى الموسوعة العالمية للشعر العربي.
ولتكن البداية من التعرف على شعره الذي وصفه الكاتب العماني محمود بن راشد البيماني بالشعر العجيب الذي أول ما يشدك فيه هو «سعة وتعدد المفردات. فأعجب كيف وأين تعلم هذا الكم من المفردات والتي عجز أمثالي عن تعلمها واستيعابها، رغم أن كفة التقدم العلمي وتَيَسُّر المصادر العلمية تَرجُحْ في صالحنا. بل بتنا نرثي أنفسنا على ما أحدثناه من طامات في لغتنا العربية الغالية». ويضرب الكاتب مثالا على ما ذكره بعرض الأبيات التالية للشاعر البهلاني:

معاهد تذكاري سقتك الغمائم
مُلِثا متى يقلع تلته سواجم
تعاهدك الأنواء سُحٌّ بعاقه
فسوحك خضر والوهاد خضارم
إذا أجفلتْ وطفاء حنتْ حنينها
على قنن الأوعار وطفٌ روازم

قبل أن يعلق قائلاً: «هذه أول ثلاثة أبيات من قصيدة (وطني)، لا يكاد يخلو صدر بيت أو عجزه من مفردات مبهمة مثل: سواجم، سح، بعاقه، وهاد، وطفاء، الأوعار، روازم»، مضيفاً أن «الأمر الآخر الذي جذبني في شعر البهلاني هو جمال التصوير الفني في أبياته، والذي يرسم في مخيلة المتلقي لهذا الشعر صورة متحركة وكأنني أتابع أحد أفلام الخيال العلمي أو تلك الرسوم المتحركة التي اعتدت مشاهدتها في مرحلة الطفولة. ولعلني أجد في البيت الثالث من الأبيات السابقة مثالاً نموذجياً لذلك. فقد جعل للسحابة (وطفاء) مشاعر الحنين والتي ترجعها لذلك المكان ثانية. وكأني أرى تلك السحابة والتي تمشي الهوينا مبتعدة وهي تشعر بالحزن لهذا الفراق ولكنها ما تلبث إلا أن تعود شوقا وحنينا إلينا».
وعلى الرغم من أن الشاعر البهلاني عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين، فإن اسمه لازال يتلألأ في فضاءات الشعر والأدب العمانية كواحد ممن تفوقوا وأبدعوا في رسم الحروف والكلمات والمعاني، بل ممن تخرج على يديه الكثيرون من أعلام الشعر العماني القديم، ناهيك عن أنه أحد الذين تركوا وراءهم ثروة ضخمة من الإصدارات الأدبية والتاريخية والدينية.
اسمه الكامل ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن محمد بن عبد الله بن محمد البهلاني الرواحي العبسي الشهير بـ«أبو مسلم العُماني» أو «أبو مسلم البهلاني». أما نسبه فيعود إلى قبيلة رواحة من عبس.
ولد شاعرنا في قرية «محرم» كبرى قرى وادي «بني رواحة» الواقعة في «عمان الداخل» على بعد 150 كلم من العاصمة مسقط، ابناً لأسرة عريقة من أهل العلم والفضل والجود والكرم والشرف. فجده الرابع الشيخ «عبدالله بن محمد البهلاني» كان قاضياً في أيام دولة اليعاربة على وادي محرم، ووالده الشيخ «سالم بن عديم البهلاني» كان والياً وقاضياً على نزوى زمن الإمام «عزان بن قيس البوسعيدي» الذي حكم عمان ما بين 1868 ـ 1871. وأمه هي «أسماء بنت حمود بن عبدالله» من آل مشرف.
أما تاريخ ميلاده فتتضارب حوله الروايات. فالبعض يعتمد سنة 1867، والبعض الآخر ومنهم ولده «المهنا ناصر البهلاني» يعتمد سنة 1860 ويـُعتقد أن التاريخ الثاني هو الأرجح بناء على الأحداث التاريخية التي عاصرها.
تلقى البهلاني تعليمه في بادئ الأمر على يد والده القاضي سالم بن عديم، قبل أن يتتلمذ لاحقاً على يد واحد من مشايخة عصره المتواضعين في خلقهم، المتبحرين في علومهم ألا وهو الشيخ «محمد بن سليم الرواحي» الذي انتقل لاحقاً إلى قرية (البلة) من أعمال ولاية (بركاء) بالباطنة على الشريط الساحلي من عُــمان. كما تتلمذ في فترات من حياته الأولى على يد مشايخ آخرين من أمثال الشيخ الأمير صالح بن علي الحارثي والشيخ راشد بن سيف بن سعيد اللمكي والشيخ ماجد بن خميس العبري. ومن الذين زاملوه في الدراسة في هذه الفترة الشيخ العالم (فيما بعد) «أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي»، الذي أشار إليه البهلاني في قصيدته النونية حينما قال:

أرتاحُ فيها إلى خِلُ فيبهرُنـــي
صدق وقصد ومعروف وإحسانُ
فحال حُكمُ النوى بيني وبينهمُ
هُنا تيقنتُ أن الدهر خـوانُ

ومناسبة هذين البيتين أن الرجلين كانا صديقين حميمين متلازمين إلى أن شاء الله افتراقهما بسبب رحيل شاعرنا عن بلده عمان إلى زنجبار في عام 1878 للالتحاق بوالده الذي كان يعمل وقتها قاضيا لسلطان زنجبار «برغش بن سعيد بن سلطان»، في أعقاب خروجه من عمان على إثر انتهاء دولة الإمام «عزان بن قيس».
كانت تلك المرة الأولى التي يغادر فيها عــُمان إلى الخارج، فلم يتحمل البعد عنها بدليل أنه عاد إليها بعد خمس سنوات أي في عام 1882، ليبقى في عمان بعض الوقت قبل أن يعود مجددا إلى زنجبار في عام 1888، إذ قيل إنه تعرض لأذى قومه فلم تسمح له كبرياؤه وكرامته بالبقاء، ناهيك عن أن زنجبار كانت تفتح له ذراعيها كمكان واعد لتحقيق طموحاته، حيث كان حاكمها في هذا الوقت هو السلطان برغش بن سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي شهدت زنجبار في عهده حركة إصلاح وتعمير وإنشاء الكثير من البنى التحتية مثل شبكة المياه وشبكة الطرق والتلغراف وإقامة المدن الحديثة، إضافة إلى إنهاء تجارة الرق وإغلاق أسواقها.
كانت تلك رحلة عودته النهائية إلى زنجبار، والتي لم يخرج منها سوى مرة واحدة في عام 1890 إلى الأراضي المقدسة في الحجاز لأداء فريضة الحج.
وعليه فإن نبوغ البهلاني الشعري، وبروزه الاجتماعي، وصعوده الوظيفي كان في زنجبار التي كانت تعيش آنذاك أوج نهضتها ورخائها وازدهارها في عهد سلاطينها العرب من أسرة «البوسعيد» العمانية العريقة.
فقد تقلد منصب القضاء في عهد السلطان حمد بن ثويني بن سعيد البوسعيدي الذي حكم ما بين 1893 ـ 1896، بل وأصبح أيضاً مستشارًا وصديقاً شخصياً له لثقته فيه، بدليل وجود العديد من القصائد التي يمدح فيها البهلاني هذا السلطان ويشيد به.
أما في عهد السلطان حمود بن محمد بن سعيد البوسعيدي سلطان زنجبار ما بين 1896 ـ 1902 فقد رافق البهلاني السلطان في رحلته إلى أقطار أفريقيا الشرقية بصفته كبير القضاة، وألف عن تلك الرحلة كتيبا أسماه اللوامع البرقية في رحلة مولانا السلطان المعظم حمود بن محمد بن سعيد بالأقطار الإفريقية الشرقية.
ثم جاء عهد السلطان علي بن حمود بن محمد البوسعيدي الذي حكم ما بين 1902 ـ 1911 وفيه إستقال شاعرنا من مهنة القضاء كي يوجه جهوده نحو التأليف ويتفرغ للنشاط الفكري. وقد أثمرت جهوده آنذاك عن ظهور أول صحيفة ناطقة بالعربية في زنجبار في عام 1911 تحت إسم «النجاح»، وقد تولى رئاسة تحريرها بنفسه وأخرجها في أربع صفحات، وحرص أن يكون شعارها الآية الكريمة من سورة النور «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت»، إلى جانب الحكمة المأثورة «كل من ثابر على العمل أدرك النجاح».
نجحت جريدة النجاح في خدمة الأدب العربي والقضايا العربية والإسلامية والتعريف بخلفيات الأحداث الدولية، على الرغم من قصر عمرها. ذلك أن رئاسة التحرير تحولت بعد البهلاني إلى الشيخ «ناصر بن سليمان اللمكي» الذي أغضب الإنجليز بصراحته وجهوده في توسعة نطاق توزيع الصحيفة فنفوه إلى الهند في سنة 1911.
وقعت هذه الحادثة في عهد سلطان زنجبار التاسع «خليفة بن حارب بن ثويني البوسعيدي» الذي حكم ما بين 1911 ـ 1960، والذي شهد عهده قيام دولة الإمام سالم بن راشد الخروصي في عمان. ويقال إن البهلاني كان أحد المناصرين لهذه الدولة العمانية، بل شده الحنين آنذاك للعودة إلى عمان لكن إرادة الله كانت أسرع. إذ توفي في عام 1920 قبل أن يحقق رغبته.
من جهود البهلاني في هذه الفترة ـ عدا تأسيس صحيفة النجاح ـ إنشغاله المكثف بتأليف القصائد وفق مختلف بحور الشعر، متناولاً سائر الأغراض الشعرية كالمديح والرثاء والغزل والاستنهاض والمناصحة وغيرها، فهو مثلاً صاحب أول ديوان لشاعر عماني يضم عشرات القصائد تتم طباعته. إلى ذلك انشغل البهلاني بالتأليف حتى بزّ رجالات عصره في عدد الكتب التي وضعها ومن أهمها: النشأة المحمدية، النور المحمدي، ألواح الأنوار وأرواح الأسرار، النور الوقاد في علم الاعتقاد، السياسة بالإيمان، أنوار العقول، رسالة إلى إمام المسلمين، الكنوز الصمدية في التوسل بالمعاجز المحمدية، بهجة الأنوار، رسالة في التوحيد، الشرف التام في شرح دعائم الإسلام، روض البيان على فيض المنان، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي، أجوبة وفتاوى، مقالات، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، علماً بأن الكتاب الأخير عبارة عن موسوعة علمية ضخمة في التوحيد والفقه وأصوله، منفتحة على جميع المذاهب الإسلامية، وكان صاحبه يريد له أن يكون في 22 جزءاً لولا وفاته.
وإذا ما عدنا للحديث عن حكاية البهلاني مع الشعر، فقد روي أنه رأى في منامه وهو صغير نملا أبيض يخرج من فمه، فأخبر الشيخ أحمد بن خلفان الخليلي بذلك فقال له الأخير«سيفتح الله لك باب الشعر على مصراعيه»، وهذا ما حدث فعلا. ذلك أن الرجل بدأ يكتب القصائد وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، بدليل أن قصيدته التائية في مدح الرسول كتبها في سن الثامنة عشرة.
ومن أشهر قصائده القصيدة النونية (الفتح والرضوان في السيف والإيمان) ذات الأبيات الأربعمائة تقريبا، علماً بأن هذه القصيدة العصماء أرسلها إلى إمام عمان «سالم بن راشد الخروصي» طالبا منه الإكثار من نسخها وتوزيعها على شيوخ القبائل «عسى أن تحرك من عواطفهم وتهز من أريحيتهم». وله أيضا قصائد طويلة أخرى مثل القصيدة المقصورة وعدد أبياتها 393 بيتا، وقصيدة «الوادي المقدس في أسماء الله الحسنى» وعدد أبياتها 1600 بيت تقريباً، والقصيدة الميمية (وطني) وعدد أبياتها 250 بيتاً والتي أرسلها إلى أمير المنطقة الشرقية من عمان الشيخ العلامة «عيسى بن صالح الحارثي» ليشكره على نصرته للإمام سالم بن راشد الخروصي، ويحضه على رفع شأن عمان.
ارتبط البهلاني خلال حياته التي دامت 62 عاماً بعلاقات وطيدة مع ثلة من علماء ورجالات عصره، فعدا عن سلاطين زنجبار الخمسة الذين عاصرهم، كانت له اتصالات وعلاقات عديدة بوجهاء وأعيان ومشايخ كل من زنجبار وعمان، إضافة إلى علاقاته مع زعماء الحركة الإصلاحية بمصر، ومع علامة الجزائر محمد بن يوسف إطفيش، والشيخ المجاهد سليمان باشا الباروني الليبي، والمفكر التونسي المقيم بمصر قاسم سعيد الشماخي، ومصطفى رياض باشا رئيس المؤتمر الإسلامي المصري، وغيرهم.
قيل الكثير عن خصال البهلاني الفريدة وطباعه الحميدة كالحلم والكياسة والصدق والإيمان وحسن المعشر، وكثرة التعبد، والمحافظة على الوقت، والغيرة على مصالح أمته، والزهد، والتواضع، والقناعة. غير أن ما توقف عنده الكثيرون كان خصلة الكرم التي وصلت حد إنفاق كل ما لديه على الفقراء والمحتاجين ليشكو بعد ذلك ضيق ذات اليد ويبتهل إلى الله أن يفك ضيقه ويمن عليه من فضله، على نحو ما قاله في البيتين التاليين:
ولو شئت يا خلاق أنشأت لي غنى
تسد به من فاقتي ما تخللا
تشاهد يا رزاق ضيق معيشتي
فيسر لي اللهم رزقا وسهلا
لقد كان البهلاني مؤمناً بمبدأ أن «بقاء المال لا في تكديسه، وإنما في إنفاقه على مستحقيه» أو كما قال شعراً في قصيدته «المقصورة»:
عقائل المال إن أطلقتها
خلدت الذكرى وأنت في الثرى
لذا عاش لا يملك منزلاً رغم كل النقود التي كانت تنهال عليه من سلاطين زنجبار. وفي هذا السياق روى الشيخ أحمد الخليلي أن سلطان زنجبار «حمد بن ثويني البوسعيدي» خصص للبهلاني، إضافة إلى راتبه الشهري، مائة روبية تصرف له كل يوم جمعة. وقد شاع الخبر لدى الناس والمحتاجين فصاروا يأتون إليه كل يوم جمعة طالبين المساعدة، فكان يعطيهم حتى تختفي المائة روبية دون أن يبقى منها شيء لنفسه.
ومن قصص كرمه أيضا ما رواه ابنه المهنا البهلاني ومختصره أن أحد المعلمين في زنجبار واسمه الشيخ حسن جاء إليه طالبا «جبـّة»، فأمر البهلاني ولده المهنا باحضار جبة معينة بعد وصفها له، فلما دخل المهنا المنزل وجد أن الجبة التي أمر بها والده هي أفضل الموجودات، فاستكثرها على الشيخ حسن وأخذ له جبة بديلة أقل جودة. وحينما دخل البهلاني منزله مساء وجد الجبة التي أمر بها موجودة في مكانها، فسأل ابنه فأخبره بما فعل، فغضب عليه وأمره أن يحمل الجبة إلى منزل الشيخ حسن رغم حلول الليل ورغم وقوع المنزل على بعد أميال بالقطار.
في الأول من صفر 1339 للهجرة المصادف للخامس عشر من أكتوبر 1920 توفي في زنجبار شاعرنا الذي كان قد أنشد:
سينقضي العمر في بطء وفي عجل
عش ما تشاء وراقب فجعة الأمل
فشيعه إلى مثواه الأخير الألوف المؤلفة من مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية، ورثاه حفيده الشاعر سالم بن سليمان بن عمير الرواحي بقصيدة مطلعها:
إليك إليك عني يا دفار
فإنك لست لي أبدا بدار
فوا أسفي على شيخي وركني
ومعتمدي ومستندي وجاري
سأبذل في البكاء عليه جهدي
أكفكف دمع عيني بانهمار

إلى أن قال:
أيا رحم المهيمن خير حب
دفناه بأرض زنجبار
وأزلفه إلى الفردوس منـّا
ولقانا به في خير دار