عن عسكرة الوعي العمالي…من ليلي مراد إلى هنجيب منين؟؟؟

هشام فؤاد
2018 / 9 / 14

...بعد إشاعة أجواء الرعب والخوف وسط العمال عبر اعتقال وتشريد القيادات العمالية.. والقضاء على التنظيمات المستقلة وعودة الاتحاد الأصفر إلى صدارة المشهد.. وصلنا لمحطة عسكرة وعي القيادات العمالية، فأعلنت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، التعاون بين وزارة الدفاع والاتحاد العام لنقابات عمال مصر، في عقْد عشر دورات تدريبية لتأهيل 6000 عامل في مختلف المحافظات.

مما لاشك فيه أن مساعي الطبقة الرأسمالية للهيمنة على وعي العمال من كشكل من أشكال الصراع الطبقي، تعود إلى بداية ظهور الحركة العمالية في أواخر القرن قبل الماضي وتستمر حتى يومنا الحالي.. إلا أن محاولات تزييف الوعي التي تجري حاليا عبر المؤسسة العسكرية تتطلب أن نلقي الضوء سريعا على الحركة العمالية منذ حركة يوليو 1952 وميلاد التنظيم النقابي الرسمي.

"ليلى مراد.. في خدمة النظام والعمل"
...................................

بينما كانت ليلي مراد تشدو بأغنية بـ “الاتحاد والنظام والعمل”، باعتبارها الأغنية الرسمية لانقلاب 23 يوليو، كانت محاكم الثورة العسكرية تقضي في مثل هذه الأيام من ست وستين عاما بإعدام العاملين خميس والبقري بعد إضراب عمال شركة غزل كفر الدوار عام 1952.

وفيما مضت “مراد” تشدو بصوتها الرائع في الأغنية التى كانت عادة ما تنتهي بها أفلام الخمسينيات ..”جيشنا وشعبنا كلنا شعارنا..إن دعا النداء نبذل الدماء”، تم تنفيذ حكم الاعدام في العاملين أمام نحو ألف وخمسمائة عامل من شركات كفر الدوار، ثم منعت السلطة العمال من إعلان اتحادهم المستقل الذي ناضلوا من أجله على مدى عقود قبيل يوليو، وأعلنت عن تشكيل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عام 1957… وبعده بثلاث سنوات يتم تأسيس المؤسسة العمالية، والتي يعد من أهم أهدافها تزويد العمال بـ “الثقافة العمالية”. وهو أمر لا يمكن فصله عن رغبة سلطة الضباط الأحرار في مقاومة الأفكار الشيوعية وسط الحركة العمالية، بعد أن تم وضع القيادات العمالية الشيوعية في السجون أو تشريدهم من أعمالهم. لكن السلطة الناصرية لم تعتمد على القمع فقط في احتواء الحركة العمالية، ولكنها استخدمت أيضا الجزرة عبر تبني سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية، وهو ما يختلف مع ما يجري في عهد المشير عبد الفتاح السيسي.

"المؤسسة العمالية..في خدمة السيسي"
..................................

لذلك لم يكن غريبا على نظام يوليو أن يشترط لعضوية النقابات العمالية والمهنية الحصول على عضوية التنظيم السياسي الرسمي أولا، وأن تكون أهداف الثقافة العمالية التي يتبناها، كما هو منشور على صفحته الالكترونية، “العمل على تحقيق ودعم التنمية الاقتصادية للمجتمع من خلال تزويد العمال بالمعلومات والأفكار وتنمية القدرات والمهارات المختلفة”. وبالتالي فلا مجال للحديث عن توعية العمال للمطالبة بحقوقهم ومعارضة السياسات التي تضر بصالح ملايين العاملين بأجر.

لكن المؤسسة لا تكتفي بذلك، بل تضع ضمن أهدافها “العمل علي إعداد قيادات نقابية متجددة وقادرة على قيادة الحركة النقابية المصرية والمشاركة في إدارة الوحدات الإنتاجية والنهوض بمسئولياتهم تجاه المجتمع”.

وحتى لا “تحتار”، عزيزي القارئ، في معنى المسئولية تجاه المجتمع، فقد نشرت كل الصحف القومية والمستقلة خبرا يوم 30 يناير من العام الجاري يوضح لنا معنى المسئولية مفاده: “توافد المئات من عمال مصر وأعضاء مجالس إدارة النقابات العامة واللجان النقابية بجميع المحافظات و(….) على الصالة المغطاة لنادي المؤسسة الاجتماعية بشبرا الخيمة للمشاركة في المهرجان العمالي الحاشد الذي يعقده الاتحاد العام لنقابات عمال مصر لتأييد ترشيح الرئيس عبد الفتاح السيسي لفترة رئاسية ثانية”.

ولكن كل هذا لم يمنع من أن تعقد المؤسسة العمالية في فترات سابقة عشرات الدورات التدريبية مع منظمة العمل الدولية، التي تقدم، على الأقل، مضمونا متوازنا ينطلق من الحقوق والمواثيق الدولية، التى تنص صراحة على حق التنظيم والاضراب والمفاوضة الجماعية الخ.

لكن يبدو أن هذه المساحة لم يعد مسموحا بها حاليا.. أو يجب أن تتقلص. فالسلطة الحالية، التي تعبر عن الرأسمالية المتوحشة، ترفع شعارات “أجيب لكم منين”، و”مرتبات العمال كبيرة” والشركات الخاسرة هتتباع”.. و”أعداد الموظفين هي سبب الأزمة”.. ولا يتأخر رموز السلطة عن التصريح علنا بأن زمن الاحتجاجات قد ولى وفات.. ومعه بالطبع النقابات الحقيقية، التى تدافع عن جماهير العاملين بأجر.-

"ليس في الإمكان أبدع مما كان"
...................

قبل أسابيع قليلة، أعلنت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري، عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، التعاون بين وزارة الدفاع والاتحاد العام لنقابات عمال مصر في عقْد عشر دورات تدريبية لتأهيل القيادات العمالية في مختلف المحافظات، فيما بدا كحلقة جديدة من مساعي النظام المصري الحاكم للسيطرة على الذراع العمالية، ممثلة في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر والنقابات العمالية التابعة له، لا سيما بعد ما شهدته الانتخابات الأخيرة في مايو الماضي من تلاعب وتزكية، بعد 12 عاماً من الفراغ النقابي.

في تفاصيل الإعلان، ذكرت صفحة المتحدث العسكري، أنه “في إطار حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تنمية الوعي القومي للقيادات والفئات العمالية، وتنمية روح العمل والعطاء من أجل مصر، تنظّم قيادة قوات الدفاع الشعبي والعسكري بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، عشر دورات تدريبية كمنحة من القوات المسلحة لتأهيل أكثر من 6000 فرد من القيادات العمالية من مختلف محافظات الجمهورية”. وتشمل الدورات محاضرات لعدد من الخبراء الاستراتيجيين في أكاديمية ناصر العسكرية وكلية القادة والأركان وعدد من ضباط قيادة قوات الدفاع الشعبي والعسكري وإدارة الشؤون المعنوية ومركز التنمية البشرية والعلوم السلوكية وعدد من أساتذة الجامعات المصرية، حسبما جاء في الإعلان.

وأضافت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري، أن المحاضرات “تتناول بعض مواضيع الأمن القومي المصري، وأهمية المشاريع القومية الكبرى التي تنفذها الدولة المصرية، والدور الإيجابي والفعّال للعامل المصري في بناء الوطن، والبطولات والتضحيات التي يقدّمها أبطال القوات المسلحة والشرطة المدنية في العملية الشاملة “سيناء 2018″ للقضاء على الإرهاب بأرض سيناء الغالية، بالإضافة إلى الدور الذي تقوم به القوات المسلحة في خطط التنمية الشاملة للدولة”. وانتهى الإعلان بأن “هذه الدورات تأتي ضمن الفعاليات والأنشطة التي تقوم بها قوات الدفاع الشعبي والعسكري بالتعاون مع جميع الفئات العمالية بهدف ترسيخ قيم ومبادئ حب الوطن، باعتبار أن العمل الجاد من أهم عوامل النهوض بالأمم”.

وبالقطع فإن مصداقية هذه الدورات – التي يحشد لها أعضاء اللجان النقابية الذين تم اختيار غالبيتهم الساحقة من قبل الجهات الأمنية، وتروج لشعارات “حب الوطن” و”المشاريع الكبرى”، وأنه “ليس في الإمكان أبدع مما كان”، والتي يشرف عليها التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة – لا تتناقض فقط مع ما يواجه كادحو هذا الوطن من غلاء كافر وظلم اجتماعي صارخ.. ولكن أيضا مع ما يتعرض له العاملون تحت القيادة العسكرية في المشاريع المدنية المتنامية التي تقع تحت إداراتهم، وذلك بحسب بعض من حضر فيها وتحفظ على ذكر اسمه. وكلها تُعد فيها الاحتجاجات محظورة، والمحاكم العسكرية مشهرة على رقاب العاملين. وما جرى مع العاملين بشركة الترسانة البحرية بالإسكندرية ليس بعيدا.

فقد أدى احتجاج عمال الشركة عام 2016 للمطالبة بمستحقات مالية، وتوفير إجراءات أمن صناعي، وإعادة تشغيل الورش المتوقفة الخ، إلى القبض على نحو 26 عاملا وعاملة وإحالتهم إلى المحكمة العسكرية، ومنع مئات العمال من دخول الشركة. ولم يتم فك أسر العمال المحبوسين إلا بعد أن أُجبِروا على تقديم استقالتهم من الشركة.

الرسالة واضحة: نتعامل في المصانع بالضبط كما نتعامل في الثكنة.. فغياب الطاعة والمطالبة بالحقوق يستدعي المحاكمة العسكرية الفورية.

قبل هذا الإعلان عن الدورات “العسكرية”، وبعده، يجري استدعاء القيادات العمالية من قبل الأمن الوطني بشكل مكثف، ودوما ما تنتهي اللقاءات بعد استعراض ومتابعة لنشاط القيادي أو القيادية العمالية بطلب رئيسي هو: الابتعاد عن السياسة.. و”الفيس بوك”.. مع التأكيد على أن البلد في “مرحلة حساسة، وأن الاضرابات تعد بمثابة خيانة للوطن”.

تتزامن هذه الندوات “العسكرية” مع إقرار قانون 175 لسنة 2018، الذي يعمل على مصادرة حرية التعبير على الإنترنت للمواطنين وحرمانهم من حقهم في التعبير، وتستكمل مساعي النظام للسيطرة على الحركة العمالية، والتي كانت محطتها الأبرز انتخابات النقابات العمالية التى أجريت قبل أربع أشهر.

"تأميم النقابات"
.............

كانت أحزاب سياسية ومنظمات حقوقية ونقابات واتحادات عمالية قد أصدرت بياناً مشتركاً تعليقاً على سير الانتخابات وصفتها فيه بـ”شطب بالجملة” للمرشحين والنقابات المستقلة، وأكدت فيه على تحكّم وزارة القوى العاملة في أسماء المرشحين بقبول الأوراق والشطب للنقابيين غير المرغوب فيهم، سواء من النقابات المستقلة، التي استطاعت توفيق أوضاعها، أو من نقابات تابعة للاتحاد العام. وقالت الأحزاب والمنظمات والنقابات: “لعل وجود أكثر من 1500 طعن في محافظة واحدة، هي القاهرة، دليل قاطع على نيّة” الشطب بالجملة. وأما عن التزكية في الانتخابات، فقد برزت في نتيجة انتخابات النقابات العمالية للدورة النقابية 2018-2022، والتي جرت في مايو الماضي، أن 68 في المائة من رؤساء النقابات العامة فازوا بالتزكية، و60 في المائة من مجالس النقابات العامة فازت بالتزكية، بينما كانت نسبة تمثيل المرأة في رئاسة النقابات العامة صفراً. أبقت التزكية على الوجوه القديمة ورموز نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك على رأس النقابات العامة؛ فوفقاً للنتائج التي أعلنتها وزارة القوى العاملة، فازت بالتزكية 15 نقابة عامة، وجميع رؤسائها الفائزين هم من كانوا على رأسها منذ آخر انتخابات عمالية عام 2006.

في منتصف عام 2006، أجرى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر “الرسمي” – وكان مجلس إدارته حينها يضم 23 عضواً، منهم 21 عضواً بـ”الحزب الوطني” المنحل التابع لمبارك – الانتخابات النقابية، التي طُعن عليها لاحقاً، ولكنها استمرت حتى انتهاء الدورة النقابية كاملة لعام 2011.

وفي تقرير لدار الخدمات النقابية والعمالية بعنوان “انتخابات النقابات العمالية… هيمنة الوجوه القديمة”، أشار إلى أنه “على الرغم مما قالته الحكومة المصرية أمام منظمة العمل الدولية بأن انتخابات النقابات العمالية أفرزت تنظيماً نقابياً جديداً بنسبة 85 في المائة، نجد أن تغييراً لم يحدث على مستوى مجالس إدارات النقابات، إذ احتفظ أغلب رؤسائها بمقاعدهم لدورة نقابية أخرى، وما تغير في باقي النقابات هو انتقال أمينها العام أو أمين صندوقها لمنصب الرئيس… ليظل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر على شكله القديم اتحاداً بيروقراطياً غير ديمقراطي، خاضعاً تماماً للحكومة وتحكمه الإملاءات الأمنية والعلاقات والمصالح الشخصية ومطامع توريث المنصب والاهواء الفاسدة” .

يشار إلى أن مصر مصنَّفة ضمن أسوأ 10 دول بالعالم في ما يتعلق بحقوق العمال، وفقاً لمؤشر الاتحاد الدولي للنقابات العمالية لعام 2018، بالإضافة إلى الجزائر والسعودية وتركيا وكازاخستان وبنغلادش وغواتيمالا وكولومبيا وكمبوديا وغواتيمالا. وتشترك الدول العشر الأسوأ في ممارسات عدة تجاه العمال، منها التمييز وقمع الاحتجاجات العمالية والاعتقالات الجماعية والإساءة للعمال المهاجرين وغياب الإجراءات القانونية المُلزِمة، بحسب المؤشر.

"ما العمل؟"
...........

لكن هذه الحرب الطبقية الضروس لم تنجج أن تقضي تماما، تحت وطأة الأوضاع المعيشية، على الاحتجاجات الاجتماعية. يقول برنامج “حرية تعبير العمال والحركات الاجتماعية بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” أن البرنامج رصد خلال شهر أغسطس 2018 (38 احتجاجا) من بينها 9 احتجاجات عمالية ومهنية و29 احتجاجا اجتماعيا.

كانت الشبكة قد رصدت 505 احتجاجا عماليا واجتماعيا (165 احتجاجاً عمالياً، و340 احتجاجاً اجتماعياً)، خلال عام 2017. وأكدت الشبكة أن ما يزيد عن 25 قطاعاً عمالياً ومهنياً واجتماعياً، مارست الاحتجاج في عام 2017، كان نصيب الاحتجاجات العمالية منها 165 احتجاجاً، مقسمة على 10 قطاعات عمالية ومهنية ما بين قطاع الخدمات التعليمية والصحية، وقطاع الصناعات الغذائية أو الغزل والنسيج.

غير أن ضعف الاحتجاجات بالمقارنة بأعوام سابقة لا يعني استقرار الأوضاع، قدر ما يعني أن النار تحت الرماد تنتظر الظروف المواتية لكي تنفجر مجددا..

وإلى أن يتغير المشهد السياسي الراهن، وسيتغير إن آجلا أم عاجلا، من المهم أن يضع اليسار المناضل على رأس أولوياته مهمة خلق كادر عمالي جديد متسلح بالوعي الثوري والنقابي عبر عمل دؤوب وطويل النفس.. كادر يكون قادرا على قيادة الاحتجاجات حال صعودها مجددا، وتأسيس النقابات المستقلة والربط بين المطالب العمالية والسياسية. وهو ما يستدعي ابتداع الأشكال الملائمة لمواجهة حملات تزييف الوعي. فقد كانت هناك دوما أشكال موازية لبث الوعي، بدءا من تنظيم دورات تثقيفية تعمل على تعميق الوعي القانوني والنقابي والسياسي وتربط بينها… وكذا السعي إلى إنتاج أشكال ملائمة مثل إنتاج اليوتيوبات، التي يمكن مشاهدتها بسهولة، إلى جانب استخدام كل الطرق القديمة من التثقيف على المقاهي أو من خلال الرحلات.

ومما لا شك فيه أن على المناضلين السياسيين الذي يرتكز مشروعهم على نضال الطبقة العاملة أن يحفروا مجرى مسار مختلف للتعاطي مع طليعة الحركة العمالية الشابة في ظل جمهورية الخوف الحالية. فالمؤكد أن نضال العمال سيساهم في استعادة الديقراطية، وأن الاجواء الديمقراطية ستكون حافزا كبيرا للعمال لكي يرفعوا صوتهم مجددا، ولكن هذه المرة كطبقة اجتماعية ساعية إلى تغيير المجتمع برمته لصالحها.
13 سبتمبر(ايلول) 2018