سمات الحضارة الجديدة برؤية مدرسة موسكو الاجتماعية.

فالح الحمراني
2018 / 9 / 14

سمات الحضارة الجديدة برؤية مدرسة موسكو الاجتماعية.

فالح الحمـراني

منذ فجر التأريخ وانعدام التنسيق وتخلل الوحدة في الجسد الاجتماعي واشتداد الصراع بين الأمم وتفاقم الأحوال والتناقضات وضعت البشرية المشاريع وبنت الأحلام للانتقال الى حضارة جديدة تقوم على الإخاء بين البشر والتعاضد الإنساني وسيادة العدالة والتكافؤ في العلاقات وتوفير الحياة الكريمة للإنسان والأمم ومدّ القوي للضعيف، وتعبئة الجهود المشتركة للمضي قدماً في سلم التطور والرقي والتخلي عن العنف والحروب في تسوية القضايا الخلافية والقضاء على نزعة السيطرة والسطوة. وظهرت النظريات التي اكتسبت مسمّيات مختلفة تبيّن كيفية الوصول الى تلك الحضارة. اندرج البعض منها في لائحة النظريات الطوباوية والأخرى العلمية وأكد أصحاب الأخرى بإنها واقعية، بيد أن المدرسة الروسية الاجتماعية المعاصرة وضعت نظرية متكاملة وعلى أساس دراسات متواصلة منذ قرن، عن اقتراب البشرية من الدخول في حضارة جديدة في إطار تحول جذري في المسيرة الحضارية القائمة الآن.

إن أزمة الحضارة الغربية السائدة وديمومة الأمراض في المجتمعات البشرية بمختلف أشكالها، والفشل في حل النزاعات واستفحال الجوع والجهل وقهر الأمم والشعوب وتحكّم الأكثر قوةً في مسيرة التاريخ وتهميش القانون الدولي، وتفاقم الانقسام البشري، تدفع للبحث والتنظير لواقعية بناء البشر حضارة جديدة تختلف جوهرياً ونوعياً عن ما هو قائم الآن. وضمن هذا السياق ترى المدرسة الاجتماعية الروسية* أن قانون “تبدل الأجيال الحضارية” الذي اكتشفته من خلال دراسة الحضارة البشرية منذ بزوغها في مختلف انحاء الكوكب الأرضي، سيحدد حتمية “تشكّل حضارة متكاملة ونظام مستقر متعدد الأقطاب”. وتحدد عام 2020 بمثابة فارق زمني “حيث سيشغل قادة الجيل الجديد المواقع الرئيسة في العالم”. وكما يقول العالم الاجتماعي الروسي البارز وأحد أقطاب هذه المدرسة يوري ياكوفيتس “إنهم القادة الذين سيتبنون القرارات الستراتيجية وينفذوها في غضون 3 عقود”. ومن المهم – والكلام له – “أنهم يتقنون فهم قوانين دينامية الحضارة والحاجة إلى الحوار والشراكة بين الحضارات رداً على تحديات القرن الجديد”.

ووضعت المدرسة الاجتماعية الروسية، كما يوضح ياكوفيتس نهجاً “ثلاثي الأبعاد” لمفهوم الحضارة: الوحدة والترابط بين مختلف الحضارات المحلية، التبدل الدوري للحضارات العالمية، ووحدة الحضارات المحلية والعالمية في الدورات التأريخية الكبرى لدينامية الحضارة العالمية. الكشف عن الدورة ـ الوراثية لنمط التطور الحضاري لمدة 10 آلاف سنة، منذ نشوء الحضارة التي نجمت عن الثورة الزراعية. والكشف عن مضمون الأزمات التي تنشب عند تبدل الحضارات العالمية وأجيال الحضارات المحلية.

وكشف العلماء الروس عن “جوهر الأزمة العالمية الحالية” باعتبارها “أزمة الحضارة التي نجمت عن تغيير دينامية الدورات طويلة الأمد، لدينامية الحضارات المحلية والعالمية”. وتحل محل حضارة السوق ـ الرأسمالية الصناعية التي استمرت لمئتي عام، والتي تمر الآن في مرحلة الأفول والانقراض، حضارة مجال الوعي البشري” النيوسفيري ” التكاملية. “وتقف الصين الآن في طليعة هذه العملية”. وتقول: إن الأجيال الأربعة للحضارات المحلية التي امتدت على مدى 500 عام مع هيمنة الغرب، سوف تُستَبدل بـ 5 أجيال لـ 12 من الحضارات المحلية بقيادة الشرق. “وتوضع الأسس لنظام عالمي مستدام متعدد الأقطاب قائم على أساس الحوار البناء والشراكة ذات المنفعة المتبادلة بين الحضارات وبين الدول، ويلعب دوراً مهماً في هذا، التفاعل البناء بين روسيا والصين والعالم الإسلامي”.

وحددت المدرسة الروسية للحضارة، وبالاستناد إلى تنبؤات عالم الاجتماع الأميركي / الروسي البارز بيتيريم سوروكين وغيره من العلماء الروس والأجانب، التوجهات الأساسية لحضارة المستقبل للفترة حتى منتصف القرن الحادي والعشرين. وجرى من خلال الدراسات العلمية لأقطاب المدرسة البرهنة على حتمية إن تتشكّل بالبلدان الرائدة في منتصف القرن الحادي والعشرين، حضارة تقوم على التكامل ومجال الوعي البشري “النيوسفيري”. سماتها الرئيسة:ـ إنسانية جديدة، متوجه نحو رفع مستوى ونوعية حياة السكان، في جميع أنحاء الكوكب الأرضي واجتثاث الجوع والفقر. ـ طريقة الطاقة البيئية للإنتاج والاستهلاك تضمن تطوراً متناغماً للمجتمع والطبيعة والتغلب على أزمات البيئة وصيانة الموارد الطبيعية لصالح الأجيال القادمة والرد المناسب على تغيرات المناخ السلبية. ـ تشكيل نظام اقتصادي تكاملي ذو توجه اجتماعي/ إيكولوجي وابتكاري يضمن وتائر ثابتة نسبياً للنمو الاقتصادي وسد الفجوة بين الثراء والفقر ـ إشاعة النظام الثقافي الاجتماعي التكاملي وإعلاء قيمة العلم ورفع مستوى التعليم الأساسي والتفكير الابتكاري واستمرارية التعليم وإحياء الثقافة الرفيعة ومجال الوعي الإنساني الأخلاقي لتعزيز الأسس الأخلاقية للعائلة والمجتمع. ـ اجتثاث الإرهاب والحروب، وتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب على أساس الحوار وشراكة الدول وأجيال الحضارات الخمس، يكون للأمم المتحدة فيه دور قيادي.

ويقول ياكوفيتس: من الواضح إن هذه السمات المميزة قد لا تنشأ وتنتشر فوراً في جميع أنحاء العالم، فلا تزال هناك مواجهات طويلة ومتعددة بين الحضارات الصاعدة والغاربة والدول الكبرى والقوى الاجتماعية/ السياسية التقدمية والرجعية لتحقيق هذه المبادئ المذكورة أعلاه في البلدان الطليعية، ومن ثم اللاحقة بالركب، وفي النهاية في الدول المتأخرة. ومن الممكن ظهور على هذا الطريق، خطر صِدام حضاري انتحاري يستخدم فيه وسائل الدمار الشامل الحديثة. بيد أن البشرية واجهت مراراً وتكراراً التهديدات والأخطار ووجدت الوسائل لمواجهة التحديات، “دعونا نأمل أن يتحقق هذا في هذه المرة أيضاً”. وسيساعد على ذلك تجسيد القانون، الذي برهنتُ عليه، الاستقطاب والشراكة الاجتماعية / مجال الوعي البشري والدول والشرائح الاجتماعية والأجيال في ظل أزمة عميقة. أن الرد المناسب على التحديات الرهيبة التي يواجها القرن الجديد، تكمن في وحدة العلماء التقدميين للجيل الجديد.

* اعتمدت هذه المادة على ردود العالم الاجتماعي يوري ياكوفيتس على اسئلة البروفيسور سهيل فرح رئيس تحرير موقع” مجموعة الرؤية الاستراتيجية ” روسيا ـ العالم الإسلامي” – النسخة العربية.