سرية الحسابات فى مصر ما بين صراع المصالح وارتباك الإدارة

عصام شعبان حسن
2018 / 9 / 12

أعلن رئيس مصلحة الضرائب المصرية، عماد سامي، عن دراسة تستهدف مجابهة عمليات التهرب الضريبي، وذلك عبر مقترح بتعديل قانون البنوك، ليتاح لوزارة المالية الكشف عن حسابات العملاء (شركات وأفراد) في حالة التشكك في إقراراتهم الضريبية.

إلا أن المقترح لقى هجوما مكثفا من عدة جهات كان أبرزها تصريحات محافظ البنك المركزي، طارق عامر والذي للمفارقة نصب نفسه وكيلا عن المودعين ومدافعا عن المصلحة العامة معلنا بأنه لا مساس بأموال الشعب، وهو ذاته عامر الذي قام بتنفيذ سياسات نقدية أضرت الاقتصاد المصري وزادت أعباء المواطنين المعيشية منها جريمة تحرير سعر الصرف، وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار السلع وانخفاض في مدخرات المواطنين بالجنية المصري بعد تعويمه نهاية عام 2016.

كما تراجع وزير المالية محمد معيط عن مقترح إدخال تعديلات على قانون البنوك يسمح بالكشف عن الحسابات البنكية لمصلحة الضرائب، بعد سلسلة من الهجوم على المقترح من عدة جهات، عشرات المقالات لكتاب معروف عنهم دفاعهم عن الكتل المالية ورجال الأعمال.

بل وظفت وسائل الإعلام إمكانياتها لمواجهة المقترح على عكس المعتاد من حالات التأييد المطلق للسياسات الاقتصادية التي تسنها أو تقترحها الدولة، وسردت وسائل الإعلام في هذا الصدد مخاطر عدة للمقترح حملت الكثير منها قدراً كبيراً من التهويل والمعلومات المغلوطة والكذب الصريح ومحاولات الإرهاب تحت دعاوى الالتزام بالإجراءات الحمائية لرؤوس الأموال، وسرية الحسابات، والتهديد بهروب المستثمرين بل وانهيار الاقتصاد المصري.

تحمل هذه الواقعة عدة مؤشرات دالة حول السياسة الضريبية في مصر وعلاقتها بالسياسات الاقتصادية عموما، وكذلك طرق إدارة الدولة، وعلاقة كل ما سبق بالصراع الاجتماعي وعلاقات وموقف مجموعات المصالح من السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تمس مصالحهم.

يكشف مشروع القانون المقترح عن ذهنية دولة الجباية والتي تركز بشكل أساسي على طرق لجمع المال، وتقصر تمويل ميزانية الدولة، وسد عجز الموازنة عبر التوسع في بنود الضريبة، وفرض ضرائب جديدة على المواطنين.

وعلى هذه الأرضية جاء مقترح وزارة المالية بمجابهة التهرب الضريبي عبر الكشف عن الحسابات، وهذا المقترح كان ترجمة واستجابة لتوجهات رئاسية تتعلق بزيادة الحصيلة الضريبية مستقبلا، والتي حققت طفرة خلال أربع سنوات مضت، تجاوزت في العام الماضي الثلث.

وفي ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي تعاني منها الدولة من المنتظر أن يستمر هذا التوجه، وهذا بذاته يعبر عن فشل الإدارة الاقتصادية التي تضع الضرائب كممول أساسي للموازنة في ظل تغيب خيار الإنتاج عبر زيادة الإنفاق على مشاريع استثمارية وإنتاجية، بل على العكس توضح سياسات الدولة أنها تقوم بتصفية بعض القطاعات الإنتاجية وطرحها للبيع كما تم مؤخرا مع الشركة القومية للإسمنت وما سيتبعها من التصرف في الأصول من أراض وشركات.

واجه مقترح القانون أنواعا من الرفض، كل منها حمل وجهة نظر، أولا ظهر تخوف لدى قطاع من المواطنين أن يكون الكشف عن الحسابات البنكية الخاصة بهم خطوة لفرض الدولة ضريبة على تلك الحسابات، نظرا لتعود المواطنين على القرارات الجبائية، حيث تعددت واتسعت الضرائب بشكليها المباشر وغير المباشر، سواء فيما تعلق بضريبة العقارات أو الدخل أو ارتفاع أسعار السلع والخدمات وفرض رسوم على كافة الخدمات التي تكون الدولة طرفا فيها، وبما أن أغلب القطاع المصرفي خاضع وملك للدولة فإن التخوف يكون له أسباب مبررة ومفهومة.

ثانيا: تصدى للمقترح كتل من رجال الأعمال ذوي النفوذ المالي والإعلامي والسياسي بشكل واضح، واستخدموا في ذلك كل أدواتهم وقواهم سواء داخل جهاز الدولة التنفيذي أو من خلال أعضاء مجلس النواب، أو عبر توظيف وسائل الإعلام لمواجهة هذا المقترح، مما يؤشر على حرص هذه الكتل على ألا يكون هناك أي نوع من الرقابة أو المكاشفة على حساباتها وتعاملاتها المالية، حيث كشف المقترح رعبهم من مسألة الكشف عن الحسابات البنكية، نظرا لأن هذه الفئة هي الأكثر تهربا من الضرائب وهي المستهدفة أساسا من المقترح، وسوف تتضرر هذه الفئة إذ اقتضى الأمر بدفع ضرائب تناسب أرباحهم ومكاسبهم ودخولهم.

على جانب آخر قد يكشف هذا المقترح عن بعض الأنشطة غير المعروفة وغير الرسمية لدى بعض رجال الأعمال، حين لا تتناسب أرصدة حساباتهم مع أنشطتهم الرسمية مما يهدد كل أعمال غسيل الأموال والأنشطة غير الرسمية وأيضا المحظورة أو أعمال النهب بإزاحة الستار عنها.

استخدم في إطار الهجوم على المقترح عدد من الأكاذيب وظفت مفاهيم العلم والمهنية والقانون وقواعد العمل المصرفي لصالح كتل بعينها، فخرج خبراء مصرفيون سابقون وكتاب رأي وموظفون لدى هيئات اقتصادية دولية لينتفضوا ضد الاقتراح.

تعلل كل هؤلاء بمفهوم سرية عملاء البنوك بوصفها قواعد مهنية دولية متفق عليها، وأن هذه القواعد لا كاسر لها، ولا استثناء فيها، وزعموا أن كل بنوك العالم لا تسمح بالكشف عن حسابات عملائها واتخذوا في ذلك مثال "سويسرا" التي تعتمد قواعد صارمة في هذا الصدد، متناسين أن سويسرا أيضا الدولة الأكثر استقبالا للأموال المهربة والتي تتحرك بيسر وسهولة وتحظى بحماية، واستفاد منها عدد كبير من المسؤولين في عدة دول، منهم أسرة حسني مبارك ورجال أعمال آخرون.

كما أن فكرة عدم الكشف عن حسابات العملاء بشكل مطلق أمر مجاف للحقيقة، فهناك دول عديدة تستطيع الكشف عن حسابات العملاء في حالات التهرب الضريبي، بل إن هناك دولا يقدم فيها المواطنون كشوف حساباتهم عند تقديم إقراراتهم الضريبية.

وتكشف هذه الواقعة أيضا وما واجه المقترح من هجوم ازدواجية التعامل، فلم يغضب الكتاب ورجال الأعمال والصحف حين ضربت مصر موجة من الحجز والحجر والكشف على الحسابات والمنع من التصرف في الممتلكات والأموال بحجة دعم الإرهاب، والكل استراح ضميره ولم نشهد خبراء وصيارفة واقتصاديين يتحدثون عن آثار هذا الاعتداء على حقوق بعض المواطنين، مما يعني أننا أمام ازدواجية واضحة تعاقب البعض وتصادر أمواله بينما تخشى من الكشف عن حسابات البعض.

يدل الخلاف والمواجهة التي نشبت بين وزير المالية محمد معيط ومحافظ البنك المركزي طارق عامر عن سوء وارتباك الإدارة الاقتصادية، وعدم التنسيق بين أجهزة الدولة، يتضح أن كلا منها في جزر منعزلة رغم أنهم في مجموعة وزارية واحدة وهي المجموعة الاقتصادية، ويكشف ذلك بأن الوزراء والمسؤولين يتنافسون فيما بينهم أكثر مما ينسقون العمل، وكأنهم ليسوا مسؤولين عن إدارة شؤون دولة، وتبرز حالة الاختلاف والمواجهة بين المالية وبعض الجهات الأخرى في جهاز الدولة عن تعارض في المصالح والتوجهات.

وسبق وأن شهدت وزارة المالية أكثر من مسؤول يسعى إلى إقرار سياسات ضريبية أو خطوات وسياسات تستهدف تحقيق حصيلة مالية تساهم في تخفيف عجز الموازنة، إلا أن مجموعات المصالح المتعارضة كانت توقف هذه المقترحات.

وليس ببعيد نموذج تراجع وزارة المالية في مايو 2015 عن تطبيق ضريبة أرباح البورصة نزولا على رغبات باقي المجموعة الاقتصادية التي انحازت إلى مصالح المستثمرين، ولم تشأ أن تحملهم "أعباء" دفع 10% من أرباحهم الرأسمالية بالبورصة وتم تأجيل تطبيق الضريبة لعام 2020، بعد أن مارس المستثمرون ضغوطاً كان منها تخفيض تعاملاتهم إلى النصف فور إعلان الضريبة.

ولم يكن كافيا بالطبع تأجيل الضريبة، بل ذهب رئيس الوزراء حينها، إبراهيم محلب، ليدق أجراس البورصة ويطمئن المستثمرين فيها، وهنا تظهر إلى من تنحاز الدولة، وكيف تحمل المواطنين في كل خطوة أعباء مالية تثقل عليهم سبل العيش في كل خطوة.