العدو على الأبواب Enemy at the Gates الحب في زمن الحرب

محمود الصباغ
2018 / 9 / 10

هل سمعنا بالجندي الألماني"مولر" الذي يقاتل في روسيا على جبهة ستالينغراد ؟ هل رأينا وجهه وهو يقرأ ماكتبته زوجته له باستفزاز أنها تعاشر أسيراً فرنسياً ،فتصطك أسنانه غضباً و يقول"سوف أجعل الروس يندمون.."ثم يفتح نيران رشاشه على الجنود السوفييت في الطرف الآخر من المدينة،فيسقط إيفان قتيلاً وقد مزق الرصاص وجههه.
قد لا نكون سمعنا بالجندي مولر هذا أو هانز الذي شطرته قذيفة، ربما لم نسمع بالمجند المراهق إيغور ؛المجند المراهق القادم من سهوب أوكرانيا ليدافع عن ستالينغراد يبكي خوفاً من الألمان وهم يتقدمون،أو أركادي وهو يختنق أو فلاديمير وهو يغرق في الفولغا.فكثيرة هي قصص الحرب التي لم و لن تروَ. ولكن هل نعرف فاسيلي زايتسيف ؟أكاد أجزم أن معظمنا سمع به أو قرأ عنه.فاسيلي الذي قال له جده لما كان طفلاً حينما كان يعلمه القنص حفاظًا على حياته من هجمات الذئاب وأخطأ فاسيلي في إصابة الذئب"أنت لا تصلح لشي"..ضع الثلج في فمك كي لا يرى الذئب بخار الماء المتصاعد من فمك،دعه يقترب للفريسة ،صوّب بين عينيه ، لا تتنفس،أطلق الرصاصة".ستقول الحكاية لاحقاً أن فاسيلي لم يخطأ هدفه سوى مرة واحدة "قنص 242 ألمانياً من أصل 243 ".لعلنا سنشكر فاسيلي لأنه أخطأ الذئب فأتاح لنا أن نرى" العدو على الأبواب"؛وإلا ربما انتهى به الأمر فلاحاً في سهوب روسيا أو صياد ذئاب فاشل.أو ربما بائع حليب جوال في الريف الروسي البارد.
حكمة الجد تقول أن الذئب لا يخطىء، يفترس دون خطأ.يأكل حين يجوع،فقط حين يجوع.الذئب لايخطىء لأن الخطأ في عرف الذئاب يعني الجوع الذي يعني بدوره الموت؛و الإنسان ليس ذئباً لذلك لابد له أن يخطىء في لحظة ما،وهكذا أخطأ الضابط الألماني إرفين كونيج مرة واحدة فكان فيها موته المحقق لا محالة.
لم يكن فاسيلي الأبرع في الجيش الأحمر ،لكنه كان يمتلك شخصية مميزة،كيمياء خاصة،جعلت الدوائر الحزبية تهتم به و بقصصه، بل و تروج لها سعياً لإلهام الشعب و رفع معنوياته.
رسمت البروباغاندا السوفييتية شخصية جنودها على أساس الشجاعة الخارقة و الإخلاص للدولة و التضحية بالذات في سبيل الوطن ،ولكن ستالينغراد كانت تختزل كل المعاني فهي تحمل اسم القائد "الرفيق ستالين" ،فضلاً عن أنها المعركة التي استطاعت في نهاية المطاف وقف الزحف الألماني بل ربما كانت بداية النهاية لمغامرة ألمانيا النازية،لذلك كان لبطولات الجيش الأحمر دوراً عظيماً ألهب مخيلة شعوب الاتحاد السوفييتي.وقد وجد المفوض السياسي دانيلوف في شجاعة فاسيلي مادة دعائية هامة لزرع الحماس في وسط المدافعين عن المدينة،حتى وصل الأمر إلى مسامع #خروتشوف المكلف من قبل ستالين بإدارة معركة ستالينغراد فطلب مقابلته.وهكذا ؛في خريفي من سنة 1942 ولدت حكاية فاسيلي ،ولدت من رحم المعارك بين المدافعين و المحاصرين للمدينة.وهنا بين جدران بيوتها ومصانعها المتهدمة كان الرجال يصطادون بعضهم البعض،كانت المسافة تقاس بينهم بالرصاصة...هنا هتف إيليا أهرينبيرغ ذات أيلول من ذلك العام
«لا تعدّوا الأيّام، لا تعدّوا الأميال
احتفظوا فحسب بعدد الألمان الذين قتلتموهم
اقتلوا الألمان ــ هذه صلاة أمّكم
اقتلوا الألمان ــ انّها صيحة الأرض الرّوسيّة
لا تتردّدوا، لا تتراجعوا».
غير أنه هنا أيضاً ،على الجبهة الشرقية،كانت الحرب ليس مجازاً أو قصيدة بل موت ودمار قولاً وفعلاً، دفعت فيها شعوب الاتحاد السوفياتي أكبر الأثمان. وبحسب أرقام جيفري روبرتس، فإنّ 80% من كل العمليات العسكرية في الحرب ،من صحارى افريقيا الى الباسيفيك، قد جرت على الجبهة الشرقيّة، وأكثر من 90% من خسائر الألمان كانت عليها ــ أي أنّ كل عملياتهم في اوروبا الغربية، من حملات فرنسا وبولندا وصولاً الى النورماندي وايطاليا، لم تكن أكثر من نزهةٍ بالمقارنة مع ما حدث على هذه الجبهة (جيفري روبرتس/النصر في ستالينغراد/2002).
هنا ؛قرب ستالينغراد يقترب نهر الدون كثيراً من الفولغا كأنه رجل ينعطف خلسة ليقبل حبيبته .يقترب النهران ليشكلا ما يشبه "جبهة طبيعية"؛وربما هذا ما أغرى هتلر على غزو المدينة ،فما على "الفيرماخت" سوى أن يحتل ستالينغراد ثم الانحدار على طول الفولغا باتجاه مصبه في استراخان على بحر قزوين ليشطر روسيا بأسرها إلى شطرين "شمالي و جنوبي"؛ حيث يعزل الجيش الأحمر في القوقاز خلف هذا الحاجز المائي المنيع ؛ويغنم الألمان نفط أذربيجان (حتى قبل المعركة، كان هتلر يعترف بأنّه، لو لم يحصل على النفط ، فسوف يضطرّ -عاجلاً أم آجلاً-إلى «طلب السلام»).
هنا؛ في ستالينغراد بين هذه الحقائق العسكرية و الحيوسياسية وحطام المدينة نبتت حكاية فاسيلي كأعظم ما يمكن لملحمة بطولية أن تنمو ،وامتزجت بالأسطورة كأكثر ما يمكن أن تمزج بها حكاية ،فانتشرت قصصه في أرجاء الاتحاد السوفييتي منذ أن قام بأول عملية قنص له حين "اصطاد" دزينة كاملة (لاحظوا العدد السحري 12)من كبار ضباط القوات الألمانية. ومنذ ذلك التاريخ أخذ على عاتقه اصطياد الألمان واحداً تلو الآخر حتى وصلت أخباره إلى القيادة الألمانية التي شعرت "بالإهانة" فأرسلت لتصفيته أحد أمهر القناصين ورئيس مدرسة القنص في برلين ، الميجر إروين كونيج .
صنع دانيلوف من فاسيلي بطلاً.
هل من داعي للقول هنا أن دانيلوف اختار فاسيلي ليكون بطلاً ولكن ليس عاشقاً منافساً في الحب.كان سيقبل أن يضع فاسيلي على صدرة نجمة حمراء .لكنه لم يكن يقبل أن يكون خد تانيا هو من يرتاح على صدر فاسيلي .ماذا كان يدور في ذهنه حين خاطب فاسيلي:"يبقى الإنسان دائما إنسان،لا يوجد إنسان جديد،لقد بذلنا قصار جهدنا لبناء مجتمع متساوٍ،لا أحد فيه يحسد جاره،لكن هناك دائما سبب للحسد " .فالمشترك بينهما ليس العدو الذي على الأبواب فقط؛ بل ما بينهما تانيا الجميلة ,الرقيقة ؛تانيا هي من جعلت دانيلوف ينطق بتلك الكلمات، فرغم تربيته الحزبية الصارمه، كانت تانيا هي من جعلته يرى نفسه إنسانا"عادياً"بمعنى غير منضوٍ تحت جناح إيديةلةجيا ثقيلة تمنعه من الاعتراف بضعفه .
دانيلوف وفاسيلي :قابيل وهابيل ببطاقة حزبية ،لقد جعلت تانيا انتقام فاسيلي من الألماني ذو معنى أكثر عمقا من شروحات "البيان الشيوعي" و من تعليمات الرفيق ستالين.ويضيف على كل هذا قول دانيلوف "ابتسامة، صداقة،شيء ليس عندك وتريده لنفسك.في هذا العالم، حتى في العالم السوفيتي ، سوف يكون على الدوام من هم أغنياء و من هم فقراء،أغنياء بالمواهب،وفقراء من المواهب،أغنياء بالحب،وفقراء من الحب".
ليس من السهل رسم سردية معركة بحجم ستالينغراد نظراً لأهميتها العسكرية و السياسية وأهمية ما سوف يترتب عليها من حقائق على الأرض ولعدد الفاعلين والمقاتلين والضحايا،و هذا ما يخلق عدة مستويات درامية يمكن أن تروى القصة من خلالها،فقد نجد سرديات البطولة مثلما هو حال فاسيلي و أهرينبيرغ ،وهناك ثمة سرديات يراد لها أن تكون أسطورية رغم ما يكتنفها من غموض في بعض الأحيان مثل الموقف اليومي لهتلر من المعركة وردود أفعال كبار الضباط الألمان مثل فيلهلم باولوس وفون مانستين، ولاننسى ستالين بكاريزميته وغرفة قيادته «الستافكا»، ومعه ضبّاط من طراز جوكوف وتيموشينكو؛والجيش الأحمر الثامن وخروتشوف ودوره في قيادة دفة المعركة التزاماً بمقولة «لا خطوة الى الوراء»).من ناحية أخرى،تتحرك السرديات ضمن إطارين رئيسيين :الإطار السياسي و الإطار الإنساني ،فسياسياً كانت المعركة دفاعاً عن الوطن الذي يتهدده غزو مختلط بمشاريع استعمارية من طبيعة فوقية تسعى لهندسة المجتمعات الإنسانية عرقياً كمذهب عنصري ،يقابله مقاومة رسمية و شعبية ركزت على الجوانب الأخلاقية للمجتمع السوفييتي وهو ما عبر عنه الأديب الروسي ميخائيل سيمونوف بكلمات قاسية ومؤلمة بآن حين يصف جثة امرأة روسية جرفها نهر الفولغا"لا بدّ أن العذاب الذي مرّت به، قبل أن يحرّرها الموت، لم يكن محتملاً. الألمان فعلوا هذا! هم فعلوه أمام أعيننا. فعليهم الآن أن لا يطلبوا الرحمة من أولئك الذين شهدوا ما فعلوا. بعد ستالينغراد لن تكون هناك رحمة".
ليس مفاجئاً أو نادراً أن تقوم سردية ما بتحويل الأبطال إلى شياطين ؛والعكس،فتضحيات شعوب الاتحاد السوفييتي كما تحاول السردية تصويرها (كما هو حال كتاب "ستالينغراد" لأنتوني بيفور 2007) التي تحاول اختزال الحرب بستالين وهتلر ،وتقوم هذه السردية لمواجهة سردية وليم كريغ في كتابه"العدو على الأبواب".فمعركة ستالينغراد عظيمة ولكن ليست بتلك الدرجة من العظمة،نمدح تضحياتهم ونذم نظامهم السياسي،نكره ستالين لكننا نكره هتلر أكثر ؛باختصار:انتصر ستالين لأنه كان أكثر دناءة من هتلر ."
بيد أن "من خسر ضحايا كما خسر الروس" سيفهم المعنى الحقيقي للمعركة و معنى أن يكون العدو على الأبواب.
يختار دانيلوف الموت ،أو الانتحار حين يطل برأسه عمداً لتلقى رصاصة الموت التي ستكتب نجاة فاسيلي؛فيختزل موت دانيلوف قيمة عظيمة إذ يخلد فاسيلي؛ بأن يجعله ينتصر على كونيج ،وكما يقول فاسيلي في سيرته الذاتية:"هناك كان الخطأ القاتل للميجر الألماني حين ظن أن شخصاً واحداً كان يختبأ في المكان". لقد ظن أنه قتل فاسيلي فرفع رأسه من بين الصفيح ليتفاجأ ببندقية فاسيلي مصوبة نحوه ،فيرفع قبعته باستسلام واضح ، وهووووب انطلقت رصاصة واحدة كانت كافية لأن يرتد رأس الميجر و يترنح.ويحمل فاسيلي بندقية الميجر ليمنحها لدانيلوف كجزء من رد الجميل لتضحيته بحياته.
تتداخل مشاعر فاسيلي وتختلط ببعضها البعض ،فهو يحب تانيا ،وهو يشعر ضمناً أنها اختارته وهو الأمي وفضلته على دانيلوف المثقف الحزبي ،وتكاد تنفجر مشاعره حين يشاهد الطفل ساشا فيليبوف معلقاً وسط المدينة حيث أقدم الضابط الألماني كونيج على شنقه حين اكتشف أن ساشا يخدعه ويقدم له معلومات مضللة عن تحركات فاسيلي مقابل بعض بعض الشكولاته .يكاد كونيج يقضي على ساشا بسبب تهوره ورغبته الشديدة في الانتقام لساشا،لكنه في النهاية يستطيع أن يضبط نفسه (بدعم من دانيلوف)،فيطلب من تانيا أن تغادر المدينة"لايخبرها بمقتل ساشا"(يستخدم دانيلوف هنا تكتيكه الحزبي في توليد معاني الصمود المشوب بالكراهية فيخبرها أن ساشا اختار أن يكون في صف العدو،وهو بأمان عندهم، )،ليس هذا فحسب بل سيتابع دانيلوف تكتيكه حين يعود إلى حيث يختبأ فاسيلي،فيبدأ في سرد المآثر عن البطولة وعن الأوطان وعن الحب،ثم يصمت فجأة والدموع تملء عينيه ويقول لفاسيلي كاذباً أن تانيا قد ماتت بصورة مفاجئة،وهكذا تتعاظم رغبة فاسيلي في الانتقام،في ذات الوقت الذي يعجز فيه دانيلوف عن تفكيك المعضلة (التي أعيت ماركس من قبله ولم يجد لها حلاً) بأننا كبشر لا نرغب في ما نملك ،نحن نرغب في ما ينقصنا،وبالتالي يتأكد أنه ليس هو ما ينقص تانيا فيقرر أن يضع حداً لحياته،إنما بطريقة ذات معنى.
هل ثمة ما هو أكثر درامية من هذه القصة؟ حتى لو وضعنا في اعتبارنا أنها غير صحيحة في جزء منها؟.لأن من عادة فاسيلي أن يعرض في سيرته تواريخ دقيقة لأعماله هناك ،ولكن عندما يصل الأمر عند الميجر كونيج فلايوجد أي تاريخ أو تفصيل زمني للحدث.فكيف قبل المخرج بسذاجة الرواية الرسمية السوفييتية على أنها تعبر عن كل الحقيقة،ففي الوقت الذي لايمكن أن يكون هناك شكوك حول فاسيلي كشخصية حقيقية ،لاتشير السجلات الألمانية أو الروسية على وجود شخص يدعى إرفين كونيج كان موجوداً في ستالينغراد يوماً ما ،كما أنه لم يوجد في برلين في أي مرحلة من مراحل الحرب مدرسة خاصة للتدريب على القنص كان كونيج على رأسها .وتتضارب الآراء حول واقعية شخصيته وحول حقيقة المطاردة في حد ذاتها فقد نفى زايتسيف يقينه من أن الألمان قد أرسلوا قناصا خصيصا لتصفيته.ونظراً لعدم وجود سجلات للجنرال إروين كونيج ،فمن المرجح أن يكون الجيش الألماني قد أتلف سجلات هذا الضابط ،بعد إرساله لمواجهة فاسيلي أو ربما بعد وصول أنباء مقتله على يد القناص الروسي ،أو أن المعلومات المتوفرة في سجلات الجيش هي معلومات مختلقة و مضللة ،لقد كان وقع هزيمة الألمان في ستالينغراد عظيماً وربما هذا يفسر دافع إتلاف ملفات الضابط كونيج إن كان حقاً هناك ضابطاً بهذا الأسم .
في نهاية المطاف ،يموت كونيج و دانيلوف و ساشا ليحيا فاسيلي،فهل انتقم فاسيلي لساشا؟ أم لروسيا؟ أم لتانيا؟.تانيا لن تعود.لن يعرف-حينها- فاسيلي.وحتى عندما يجد تانيا بين عشرات الجرحى في أحد المستشفيات بعد وصول رسالة منها رسالة تخبره أننا حية،سيبقى العدو على الأبواب طالما ثمة ذئب لا يخطىء فريسته ,وطالما ثمة فاسيلي سيكتشف الحب"من خلال تانيا"هكذا دون انتباه و من على فوهة بندقية.وسيكون ثمة دانيلوف الحسود رغم إخلاصه .سيكون أيضا ثمة ساشا يذكرنا أننا كنا أطفال ذات زمن."العدو على الأبواب" يريد أن يقول لنا من جملة ماقال : في الحرب نحتاج لصناعة الابطال بقدر حاجتنا لصناعة السلاح.