عمل المرأة خارج المنزل نعمةٌ لها ، أم نقمةٌ .

يوسف حمك
2018 / 9 / 8

و كأن المرأة خلقت لتعاني البؤس ، و تتذوق مر الحياة .
و لها من القهر و الشقاء حصة الأسد .
إضافةً إلى الذهنية الذكورية السائدة في مجتمعاتنا المنصوصة على
وجوب رضوخ المرأة للرجل ، و أن تكون طوع أمره .
تطفو على السطح مشكلةٌ أخرى ، لتقذف بها في متاهات أزمةٍ نفسيةٍ
حادةٍ ، و صراعٍ مريرٍ بينها و بين نفسها .

بعد أن فتح التعليم ذراعيه للمرأة ، و حصولها على مؤهلاتٍ علميةٍ
و شهاداتٍ جامعيةٍ و دراساتٍ عليا ، تأهلت للعمل خارج المنزل ،
لتكسب ذاتها ، و تحقق بعض طموحاتها الشخصية أسوةً بالرجل .
و فضلاً عن غلاء المعيشة الذي خيم على العالم في العقود الأخيرة ،
و انكماش مستوى دخل الأسرة - و إن كانت النفقات تقع على عاتق الرجل
كما هو السائد - و انطلاقاً من واجبها تجاه الوطن و المساهمة في تنمية الاقتصاد و البناء مع الرجل . فبناء الآوطان لا يقتصر على الرجال وحدهم .
وظيفةٌ بيولوجيةٌ تمس الحياة بانتظارها . و هي الأعظم شأناً و سمواً ،
و تحظى بأهميةٍ لا يمكن للحياة أن تستمر إلا بها . و هي الزواج و الانجاب
لديمومة الحياة ، و عدم انقراض الجنس البشري .
فتتوسع رقعة المسؤولية و تكبر ، رعاية الأولاد و حسن تربيتهم ، و تدبير
شؤون المنزل بإتقانٍ لتماسك الأسرة ، و تمتين أواصر العلاقة الزوجية
من خلال تخصيب العاطفة ، و انعاش الحب و تعطيره .

تنمية اقتصاد الوطن و المساهمة في ازدهاره ، و زيادة دخل الأسرة و المشاركة مع الزوج في تحمل الأعباء المالية ، و تحقيق الذات أمنيةٌ لكل امرأةٍ .
فما بالك بهياج دافع الأمومة ، و تأجيج غريزة الزواج ، و التوق لبناء
بيتٍ بين جدرانه يلتم شمل عائلةٍ مثاليةٍ يفوح منها شذا الحب و الصدق و الأمان .

رغباتٌ متضاربةٌ ، و تناقضٌ في الأمنيات ، و اشتهاءٌ لأمرين يصعب الجمع بينهما .
إن تجنح للرغبة الأولى و العمل خارج المنزل ، يصبح الأطفال في طي الإهمال ، و الحرمان من الحنان يستفحل ، و تتقلص عاطفة الأمومة .
الفتور يعتري العلاقة الزوجية ، و تخمد جذوتها ، و الفوضى يعم المنزل
و يزيدها الخلل اضطراباً و تفككاً . و الإحساس بالذنب يعصرها ، حتى
و إن استعانت بالخادمات . فحرمانهم من عطف الأمومة يجعلهم يبتعدون
عنها في الكبر ، و هذه عقوبةٌ تثقل كاهلها بحد ذاتها .

و إن اختارت العائلة و الزوج و الأولاد و المنزل ، فربما تقع فريسة قلقٍ
دائمٍ على طموحٍ طار من يدها ، طالما حلمت به منذ الصغر .

تقول المحامية و الدبلوماسية الفرنسية كريستين أوديت ، و التي شغلت مناصب رفيعةً في مؤسسات الدولة : ( عمل المرأة خارج منزلها ينسيها
أنوثتها ، و ينسي الرجل شريكة حياته ، فتصبح الحياة لا معنى لها ، و لا هدف ) .
طبقاً لتجربتها الذاتية الطويلة في ممارستها العمل خارج منزلها .

و لعل اسم ممثلة الإغراء السينمائية المنتحرة مارلين مونرو لا زال
عالقاً في ألأذهان . ففي رسالةٍ جوابيةٍ لفتاةٍ تطلب استشارتها لرغبةٍ
منها في أن تسلك طريقها إلى التمثيل ، كتبت إليها تقول : ( احذري
كل من يخدعك بالأضواء ... إنني أتعس إمرأةٍ على وجه الأرض ،
لا أستطيع أن أكون أماً ..... إن الحياة العائلية الشريفة الطاهرة هي
رمز سعادة المرأة ، بل الإنسانية . )
و لعل شعورها المفرط بالذنب ، و ندمها الشديد بتقصيرها في واجباتها
الزوجية و امومتها دفعاها إلى الانتحار .
استطاعت أن تكون ممثلةً مبدعةً مشهورةً ، على حساب أمٍ تعيسةٍ خائبةٍ ،
و زوجةٍ فاشلةٍ محبطةٍ .

حقاً المرأة في وضعٍ لا يحسد عليها ، و أمواج الحيرة تتقاذف بها .
كيف تبدع في عملها الخارجي بلا تقصيرٍ لواجباتها الزوجية و الأمومية
و المنزلية ؟! و كيف تهمل ذاتها و بناء شخصيتها دون أن تكتوي بنار
الألم ، أو يلتهمها لهيب الندم ؟! .