Gangs of New York: عصابات نيويورك

محمود الصباغ
2018 / 9 / 8

حين نعترف بالتاريخ غير الرسمي للجحيم ،ينبغي علينا أؤضاً أن نقرَّ بسردياته القاتلة،هكذا يبدأ الفيلم دون مقدمات ،ومنذ المشهد الأول،حينما ي يد "مارتن سكوسيزي" أن يصل بنا لمبتغاه,فيضعنا في قلب الحدث.
ينفتح الفيلم على القس "فالون" يحلق لحيته فيجرح
نفسه،ليقوم ابنه الصغير "أمستردام" بمسح الدماء عن نصل السكين ، فينهره الأب “إياك أن تقوم بهذا الأمر ثانية، دع الدم يسيل”.وهكذا إلى نهاية الفيلم يجعل "سكورسيزي" الدم يتدفق حارا ليسيل على شفرة فيلمه الحادة في جحيم مرجل الفوضى الملتهبة التي تذيب وتصهر "نيويورك" ,تلك المدينة التي يضعها القدر أمام تحد المدن العظيمة لتحمل رسالة قيادة الأمة.هي المدن التي تأسست على الدم إذن ,وعندما يحضر الدم ,تحضر معه النزعات الثأرية,وحتى لو جف الدم ،سيبقى أثره على نصل السكين ,وهذا ما كان يتذكره الفتى أمستردام عن والده القتيل.جرح في خده و موس في يده في صبيحة معركة فاصلة وتبقى السكين في يد الصبي عهدة كمحرض للثأر . يدهشنا "سكورسيزي" في نسخته الخاصة عن تاريخ "نيويورك" لاسيما بهذا الكم الهائل من المشاهد الافتتاحية ذات السمة الملحمية حين يعبر بنا سراديب "مانهاتن -نيويورك".عوالم مكانية و بشرية تشبه لندن تشارلز ديكنز وباريس فيكتور هوغو ,ومن قلب هذه العوالم يظهر شخص -سنعرف لاحقا أنه زعيم أحد العصابات يدعى"القس فالون" -كما لو أنه يستعد لخوض معركته الأخيرة, فيحشد أنصاره بحماس رغم ملامح الهزيمة البادية عليه قبل بدء المعركة برفقة ابنه.معركة خاسرة له يتركز فيها الصراع حول من يسيطر على حي "فايف بوينتس" ضد "وليم كيتينغ" زعيم عصابة أخرى بلكنته المخنوقة الغريبة والذي يجمع في شخصيته بين القوة و التفلسف و يحمل لقباً لاتخفى دلالته:"بيلي ذا بتشر" (الجزار).
ونكتشف من البداية طموح "سكورسيزي" بصناعة فيلم يحمل كل هذا الزخم البصري وفقا لمزيج من منحى أنثروبولوجي و رومنسي فاتن مختلط بأسرار التقاليد الإثنية و اللغوية عبر رموز كالشرف والثواب و العقاب والحدود التي تكمن وراء النظام الاجتماعي السائد الزاخر بمفاهيم حدية كالولاء والانتقام، والمجاملة والعنف،وسواها.ويكاد يكون الفيلم ملحمة تاريخة مستوفية عناصرها بما في ذلك انحراف بعض الحقائق و الوقائع والأحداث أو حتى تلفيقها للوصول للعظة النهائية التي تقول :لكي ترتكب الخطيئة عليك أن تكون أحد مكوناتها .
إنه فيلم بنكهة ملحمة بصرية:دم و قتل و حب , وطموحات لايقف شيء في طريقها, وأخيرا الجنون،جنون حتى بالمعنى المرئي حين يتدفق بحيوية على ملامح الشخصيات حتى كأنها تكاد تهرب من الشاشة لترتمي بين أحضاننا .
ولعله حسن الحظ ما وقف إلى جانب سكورسيزي حين عثر على نص يلبي رغبته و حلمه ،فالفيلم يستند من حيث الجوهر في سرديته على وقائع الحرب الأهلية الأمريكية و تمرد الفقراء ومظاهرات نيويورك 1863 التي حدثت على خلفية قرارات الكونغرس بفرض التجنيد الإلزامي بسبب ظروف الحرب السائدة آنذاك, الأمر الذي دفع الرئيس لنكولن لإرسال قوات ضخمة من الجيش لقمع الشارع الرافض لتلك القرارات.وبهذا قُدّم لنا "عصابات نيويورك" كسردية بصرية تتحدث عن ناس نيويورك الذين ,مثلهم مثل كل الناس, لا يمثلون نوازع الشر بالمطلق , ولايحركهم النهم لرؤية الدم للقتل, فهم ليسوا سوى أقليات مذهبية و إثنية. ولايفوت سكورسيزي أن يستعرض فساد السياسيين وارتباطهم بالعصابات و الخارجين عن القانون .ولشدة خصوصية الفيلم فهو أشبه بسرد ذاتي لأبطال تتجلى فيهم المقولات الوجودية الكبرى. هم ليسوا أنبياءً ؛وإن كانوا كذلك فهم أنبياء مزيفون (مثل أبطال روايات ديستويفسكي و هرمان ميلفيل وأندريه مالرو و ألبير كامو وفرانز كافكا)؛أبطال يبحثون عن تاريخهم الخاص فيخوضون معاركهم الخاصة الفردية بعيداً عن أي طموح سياسي أو مكانة اجتماعية.وليس أدل على ذلك سوى العصابات التي شكلها هؤلاء الأفراد في نيويورك و لننظر إلى تلك الصرخة "وايوووو" التي يزعق بها أفراد أخطر عصابة من بين عدة عصابات تسيطر على حي فايف بوينتس في المدينة,فقد نشرت هذه العصابة -التي اتخذت اسمها من تلك الصرخة "وايو" - إعلانات تصرح فيها عن خدماتها: فثمن ضرب شخص دولارين أما قتله فلن يكلف سوى مائة دولار لا أكثر.. "وايو" اسم عصابة مثل " الأرانب الميتة" التي كان أفرادها يرتدون القمصان الحمراء؛وعصابة "القبعات القبيحة" التي يعتمر منتسبيها قبعات عريضة مضحكة, أما "حرس الصراصير " فكان لباسهم سراويل مقلمة بالأزرق.فضلا عن عصابات أخرى يعج بها الحي مثل "الأربعون لصا" و "ذيول القمصان" و غيرهم.ولا مفر أمام اللاجئين الجدد إلا الانضمام لإحداها. لا مكان للحياد هنا, لا حياد في فايف بوينتس, فقد كان "كل بيت بمثابة بيت دعارة,وكل بيت دعارة هو الجحيم بعينه"على حد قول القس لويس بيز لجورج فوستر مراسل "نيويورك تريبيون" في العام 1850، والذي يضيف "إنه ليس مستغرباً أن تعما أم و بناتها بالدعارة و يتحولن إلى عاهرات وأن تلتقي كل واحدة منه " برجلها" في ذات الوقت و في ذات الغرفة". وتكشف سجلات الشرطة في الفترة ما بين 1840 و1850 "احتوت المجمعات السكنية المتفرعة في فايف بوينتس على بيت دعارة تقريباً في كل مبنى".و سمعة حي فايف بوينتس هذه هي التي دفعت بكاتب عظيم مثل تشارلز ديكنز لزيارته ليتعرف على"مدى البؤس البشري".كما قام أيضا هرمان ملفيل( مؤلف رواية "موبي ديك") بزيارته, ربما ليزيد قتامة على سوداويته الأصيلة.
هذه هي نيويورك ,وهكذا كانت بأجوائها المثيرة في منتصف القرن التاسع عشر, فلاوجود-عملياً- للسلطة و القانون،ويترافق هذا مع الزيادة المطردة للمهاجرين ,لاسيما الإيرلنديين منهم,وكانت كل جماعة مهاجرة تعيش منفصلة و مستقل وبتسميات مختلفة؛أي عصابات كان الجميع فيها يحمل السلاح و يذهب للقتال ويستقبل الموت بحيادية مدهشة كما لو أن القتال نزهة عطلة نهاية الأسبوع .
هذا التصوير للحثالة التي ستبني الأمة و تلك القدرة على نبش خبايا المجتمع الأمريكي,هي ما يجمع النقاد على تسميتها عبقرية سكورسيزي،حين يقدم لنا صورة داخلية عميقة للعقلية الاميركية من خلال إسقاطات واضحة سواء في السيناريو الذي عادة ما يشارك في صياغته أو في الاختيار البارع للممثلين .
وعصابات نيويورك لايحيد عن هذا في تأريخه لمدينة "ولدت من الدم و الفتن"و البطل هنا فرد؛أو أفراد بصرف النظر عن موقعهم الطبقي، ويحاول سكورسيزي بهم ومعهم و بمعونة التفكير الأسطوري القائم على مقولات التأسيس و التأصيل أن يقول ما لايمكن للتاريخ أن يقوله, ليس ذلك التاريخ الذي يحكي عن القصص المعتادة كالنصر والتقدم الاخلاقي و التنوير.وليس مصادفة أن يكتب على ملصق الفيلم «أميركا ولدت في الشارع». وهي ذات الجملة التي يقولها أمستردام في أعقاب أعمال العنف التي طغت على أجواء نيويورك في تلك الحقبة من الزمن. وثمة قلائل من يبرعون في تصوير وتجسيد مثل هذا المجاز عن الماضي, أحدهم،على الأقل، مارتن سكورسيزي حين ينقلنا نحو غموض و تعقيد الماضي بفنتازيا مثيرة- عن تاريخ نيويورك القاتم- يلتئم فيها طقس متعدد الوجوه وتفاصيل حياة يومية بائسة لكنها تعج بالحياة فنغرق دون انتباه في قصص الفقر و العنف لحقبة مضطربة من حياة نيويورك حين كانت الجريمة هي المسيطرة على يد عصابات سيئة السمعة وأسماء غريبة و مضحكة" داندي جون دالون "وليم كيتينغ"بيل ذا باتشر" و هيل كات-ماغي و "الأرانب الميتة" ولاننسى البغاء و القوادين و النشالين و اللصوص و القتلة، جميعهم كانوا هناك ,أوروبيون بيض , آسيويين,سود ,جميعهم ساهم في إشعال جذوة الصراع ,و جميعهم انتمى لتلك"الحثالة" التي ستبني تاريخ المدينة الحقيقي ,وجميعهم يرى في العنف حق وواجب في صورة مشروع حلم أمريكي يؤطره صراع عصابات نيويورك كاستعارة عن أمريكا ,وفي صورة صراع فردي في قلب الحدث مع كل حركة أو التفاتة أو حوار ,لترسم الظروف التاريخية المتعاقبة التي جعلت من المدينة مخبراً للأقليات، وكناية عن أميركا.صراع يعيد طرح الاسئلة عن الطغيان و الخداع و النفاق السياسي.لكنه في أحد حوانبه صراع غير معني بطرح الأسئلة بقدر ما هو معني بالبحث عن الإجابات وبكل تأكيد ليست الطبقة الارستقراطية من يمتلك الإجابة؛بل الشارع حيث ولدت أمريكا.الصراع القديم في نيويورك و تكوينها و فسادها السياسي و عصاباتها و اقلياتها كل ذلك لم ينته وهو ليس من الماضي فقط ؛بل حاضر نيويورك أيضا.
ينتفض سكورسيزي إذن ليقدم ملحمة بصرية تؤرخ لتاريخ المدينة العمراني و الحضري والبشري الإثنوغرافي, ينفض الغبار عن كتاب هيربرت أسبيري( 1928) فنجد أنفسنا وسط أفواج مهاجرين يقتتلون بالحراب والفؤوس ليشقوا لأنفسهم مكانا في تاريخ و شوارع المدينة المتهالكة. وعلى الرغم من أن الفيلم يعاني في جزء من مراحله من قلة التركيز بسبب فرط العنف, إلا أنه عوّض ذلك بأداء دانييل داي لويس المذهل(شخصية بيل كاتينغ"الجزار").يتحول داي لويس إلى جزار حقيقي يغطي الدم حتى كلماته التي ينطقها بلكنة خاصة ويتقمص فيها المعنى الحقيقي للشر الخالص وهذا أمر متوقع نظرا لأن الفيلم يؤسس لتاريخ العنف الأمريكي الطويل و المستمر حيث لايعترف المجتمع بقيمة الفرد ما لم يستثمر طاقات عنفه و تسلطه و تجاوز منطق الأخلاق و الحس العام ,وهنا يبتعد سكورسيزي عن الصورة النمطية المعروفة لمدينة مثل نيويورك ليغوص بنا عميقا لنكتشف معه جذور العنف الذي شكّل الواقع الأمريكي فهناك الكثير مما هو خفي وراء أبواب نيويرك وجاداتها و مسارحها و مطاعمها, ثمة نشاط متوتر جامح وشبكة علاقات إجرامية ومافيات و جنس و مخدرات ومال فاسد طوّر تاريخ المدينة العنيف و الدموي دون قيود أخلاقية ،ويحرك مثل هذا النشاط نهم وجشع شديدن للسيطرة والاستحواذ على الثروة بأي ثمن تقوده كل النوازع الشريرة .وليس من مكان مثالي سوى فايف بوينتس للوصول إلى تلك الصورة فهذه المنطقة كانت من أقذر مناطق نيويورك, وبداية هذا الحي كان عبارة عن بركة قذرة لتجمع فضلات المصانع و الجزارين، ولما قام حاكم الولاية بردمها سرعان ما تحولت إلى فايف بوينتس و غصت بالمهاجرين الفقراء حتى صارت من أقذر أوكار المدينة. وقام أصحاب المباني بتقسيمها إلى شقق أصغر فأصغر لتستوعب أعداد المهاجرين المتزايدة ,وبالطبع فاق عدد الناس قدرات الصرف الصحي وهكذا كانت المنطقة تسبح فوق بركة من المجاري وانعدمت فيها أية خدمات صحية وكان على المهاجرين أن يجدوا طريقة ما للحياة هنا ,لذا كانت السرقة و الدعارة السبل الوحيدة للبقاء.
استطاع ساركوزي أن يصل بنا بصريا إلى ما هو أكثر من التحديد الأنثروبولوجي للمدينة وسوف نتعرف على ما يدور في أقبية بيوت المهاجرين الجدد حيث الجماجم في الزوايا و حيث يلتحف السكان خرقا بالية أشبه بالملابس؛يصرخ في وجهنا كورسوزي انظروا ! إنهم نيويوركيون،ناس حقيقيون مثلكم فمنهم الموظف وعامل البناء و المصرفي و الجزار و فيهم الخياط و الإسكافي و القواد و البقال و تاجر الخمور و البقال والعاهرة.مشهد إثنوغرافي عظيم لبشر مثل كل البشر على مر العصور, يتزوجون و ينجبون و يفكرون في مستقبل أولادهم؛ يحبون و يكرهون و يحلمون بقضاء إجازة في مكان هادئ بعيدا عن صخب وقذارة نيويورك..لاشك إنها صورة صاعقة وتكاد تبدو من شدة نمطيتها و واقعيتها و تقاربها مع الحقيقة العارية المجردة كأنها غير حقيقية.
إذا كان فايف بوينتس و من خلفه نيويورك هو المكان الذي تدور فيه قصة الفيلم ,فماذا عن الزمن؟ وليس المقصود الزمن التحقيبي طبعا ,بل الزمن كمجاز؟
يقوم الفيلم على ثلاثة بنى-شخوص أساسية "أمستردام فالون (ليوناردو دي كابريو) جيني إفردين (كاميرون دياز) وبيلي ذا بتشر "الجزار" أو وليم كيتينغ (دانيال داي لويس) , وعلى هذه الشخوص أقام سكورسيزي معماره البصري و الحواري والمشهدي و الزمني, فهؤلاء يعبرون عن الزمن "الحقيقي" لسردية الفيلم بطريقة أو بأخرى سواء من خلال المواجهة بينهما و التي ستستحيل إلى عنف قاتل أم من خلال مظهر الحب كأحد تجليات الذات الإنسانية في أشد حالاتها قتامة و بؤسا , علاقة قاتلة بين بيل و أمستردام حتى لو تلطت وراء علاقة أبوية لاتخفي طابعها الأوديبي التحريفي, ومن جهة أخرى هناك العلاقة بين جيني و بيل و العلاقة بين أمستردام و جيني , سيقول لنا سكورسيزي أنه حتى هذا الزمن المجازي يتضمن المستقبل ,سيختفي أمستردام و جيني كهويات من التاريخ سيغيبهما نمو بيل الجزار و تكاثره لصالح بناء الأمة ,سيصبح بيل هو أمريكا "صانعة التاريخ" .فأمستردام بما يمثله من اضطهاد سيحمل ذاكرته الجريحة التي ستظل على الدوام تنخزه كنصل سكين مسموم وصورة أبيه لاتفارقه , يحمل أمستردام إرث كل المضهدين الضعفاء ,وحتى حين يعود لينتقم و يثأر من قاتل أبيه فهو يستشعر المعركة على أنها معركته الفردية ولذلك كان عليه أن ينخرط في الجريمة ليصل إلى ثأره.وهكذا يدور فينا سكوريزي حول بيل الذي سيتحول من قاتل إلى أب و من أب إلى "ضحية". وإذ ينتصر أمستردام في نهاية المطاف في معركته الفردية فإنه إنما يعبر بنصره هذا عن أمل يراود سكورسيزي بانتهاء حقبة العنف , لكن هذا النصر يؤسس لتلك الولادة الكارثية لأمريكا المعاصرة , وكما انتهى" النظام القديم" بظهور الثورة الفرنسية حيث لم يعد بإمكان تلك البنى الاجتماعية -السياسية أن تستمر في الحكم لأسباب عديدة بخلاف الثورة لعل أهمها القصور الذاتي في فهم الآليات التي ينمو و يتطور فيها المجتمع (مثلما هو حال السلوك القائم على التشبيح الدموي للأنظمة العربية بعد الربيع العربي)فأي محاولة لضخ نسغ الحياة في مثل هذه الأنظمة هو أشبه بضرب الميت.
ولكن حتى المجتمع الجديد الذي تحاول الثورة تكريسه قد ولد من رحم القديم وهو يحمل بذور الصراع ذاتها و إن كان بتعابير مختلفة لا تبتعد عن دائرة الصراع الطبقي و النفاق و الاستزلام و الفساد السياسي و التغول المالي، وهذه المظاهر لاتغير سوى شكلها و لونها الخارجي عبر جميع مراحل التاريخ ، لكنها تحتفظ بجوهر الصراع ذاته ,ولست أدري إن كان سكورسيزي قد قرأ كارل ماركس مرة أو أكثر , لكن ما نشاهده في الفيلم هو أصدق تعبير عمّا وصفه ماركس بدور المجرم في التاريخ السياسي و الأجتماعي في المجتمعات البشرية بمعنى أن الأمر ليس فقط مجرد قول أن الشر أو العنف جزء أصيل من الطبيعة البشرية (كما سيأتي لاحقا سبجموند فرويد ليصنفه ضمن الغرائز)و أن هكذا هو السلوك البشري، لأنمثل هذا القول المعزول عن الحقائق الأخرى سوف يجعلنا نقع في فخ مادية مبتذلة تعلي من شأن "العلم الأجوف" على حساب الحقيقة الموضوعية ذات الصفة "المطلقة" نوعا ما,فثمة فرق بين "الحيوانية" و "الإنسانية" و اشتراطات وجودهما فكل ما يستطيع أن يكونه الحيوان -كما يرى كانط- هو أن يكون حيوان،والتربية -وحدها-هي التي تحول الحيوانية إلى إنسانية،والرغبة في تجاوز الرتابة و الحاجة إلى الإبداع و الخلق هي التي جعلت الإنسان أن يكون مبدعاً وهي التي جعلت الحيوان حيوانا -لعدم امتلاكه لها-. وقد عبر العديد من أمثال دويستويفسكي و مالرو و كامو و ملفيل و كافكا و غيرهم من جمهرة "الأنبياء المزيفون" عن حقيقة الشعور الوجودي للعبث عندما تكون الحياة على المحك ,فعند هذا الحد لن يفيد كثيراً أو قليلاً تعابير من نوع التضامن البشري و الشجاعة و البطولة لفهم ما يجري حولنا.
لقد قدم لنا الأدب و كذلك السينما العديد من الأمثلة الرائعة عن معاني التضامن البشري و الشجاعة و التضحية و ذوبان الفرد في الصالح العام في مواجهة ماقد يجد الفرد نفسه وحيداً في مواجهته،بدون منظومة عقلانية تقوده ومن ثم بدون نظام وترتيب معينين قابلين للتعريف ،ومثل هذه التضمينات لابد أن تتناول تعريفنا للعزلة ابتداء من مفهوم العبث كي نتفهم علاقة الإنسان بالعالم المحيط به بشكل واسع ضمن المنظومة الثقافية التي تشكل القالب العام المميز للمرجعية العقلية و المعرفية كنوع من اتحاد وثيق بين الإنسان(كجنس بشري)و الرغبة في السيطرة و التسامي لرتبة الآلهة ,ومن أجل ذلك يوظف الفيلم السرديات المتاحة و الممكنة للوصول إلى واقع معطى قابل للتعريف كخلفية لتشكيل الأمة و لمعاناة الفرد إزاء ما يوصف بالبحث عن معنى الحياة, و قد تم استيعاب مفهوم العنف لاستحضار سردية الفيلم للوصول إلى حدود معيارية مقبولة منطقيا للتعبير عن رؤية المخرج و الدلالات الرمزية للفيلم من خلال خبرته الجمالية. و لحسن الحظ استطاع سكورسيزي صوغ مثل هذه الحدود ,فالمشاهد يأمل أن يكون قد وقف في الطريق الصحيح لفهم مقاصد الفيلم وبأنه أصبح جزء من هذا العالم "الافتراضي" للشخصيات طالما هو يحترم المكانية-الزمانية لواقع الفيلم أي للبنية و الحركة اللتان تسمحان في التفاعل مع سياق رسم الشخصيات الرئيسية الثلاث ودورها في التصعيد البصري وصولاً إلى النهاية.
ويبرز ،ضمن هذه السرديات القاتلة المعنى الحقيقي لهوية الجغرافيا والوعي بها حين يقترب هذا الوعي حتى يكاد يلتصق بحدود المشهد المكاني, ويشاطىء -في حدوده هذه- تعريف "الذات" و الأنا" و "النحن" استنادا للإيديولجية المنتصرة على ركام منافستها المهزومة ،حين تؤسس بانتصارها، أساطيرها السياسية بمعزل عن سواها ،وبهذا يتحول الحدث المحوري في الفيلم -أي مكافحة الشغب الذي هز مدينة نيويورك في منتصف القرن التاسع عشر-إلى ردة فعل معاكسة حين يظهر الفيلم تعاطفا مع التمرد و حين يبرز المهاجرين-بوصفهم المدماك الأساسي في التاريخ الأمريكي-في تمردهم ضد السلطات المحلية و الفيدرالية التي تنظر إليهم كمشاغبين و خارجين عن القانون و عصابات تم استغلالها بدوافع خفية .فرغم الاعتراف بحقوقهم , إلا أنهم -في نظر السلطة-أبعد ما يكونوا عن كونهم أبطالاً ‏ ,فالولادة الدموية للدولة ,كمؤسسة , لاتعطي حيز لمثل هذه البطولة"الفارغة" ولا تلقي بالاً لمظلومية الأقلية التاريخية,فهؤلاء ليسوا سوى وقود حرب وضحايا انتخابات قائمة على تحالفات غير نظيفة ونفوذ العصابات.إن منظر الموانىء التي تعج بالمهاجرين و المجندين و القتلى الذين تحملهم السفن تبين جانباً من عقلية العنف المسيطر الذي لايرتوي من الدماء والقتل والخراب, إن القصة باختصار هي قصة حرب وموت،وهي تعكس أيضا نوعية الأشخاص الذين يلعبون أدوارهم على خشبة مسرح تاريخ نيويورك .لقد كان الإيرلنديون "الكاثوليك"يشكلون الجالية الأكبر في المدينة منذ بدء هجرتهم أوائل القرن التاسع عشر على إثر ما يعرف بـ"مجاعة البطاطا" في الوكن الأم أيرلندا والتي دفعت أسراً كثيرة للنزوح إلى أمريكا،حيث استقبلتهم المدن المختلفة -ومنها نيويورك- بعنصرية بالغة و كره شديد من قبل السكان الذين يطلقون على أنفسهم "السكان الأصليون" أو حزب" لاأعرف شيئا" الذي كان ضد المهاجرين و ضد الكاثوليك بآن معا وكان هؤلاء بمعظمهم ,بطبيعة الحال,من البروتستانت الإنجليز المولودين في أمريكا أو القادمين إليها من إنجلترة , و مما زاد الخلافات تعقيدًا أن هؤلاء "السكان الأصليين" كانوا يعتبرون أنفسهم أحق بالبلاد من سواهم.
لم يكن النيويوركي حينها يرى نفسه أمريكياً, بل كاثوليكي أو بروتستانتي،إيرلندي أو ألماني أو إيطالي.وهكذا قُسمت المدينة إلى كيانات -أحياء متصارعة دموية في جزء كبير منها , لقد كان شائعا ,مثلا, أن تكتب صحف نيويورك في أيام الانتخابات خبراً "كان يوماً هادئاً من الانتخابات, قتل فيه اثنين فقط"..ولاشك أن العنف السياسي كان هو الأكثر شيوعا .ولكن هل كانت نيويورك هكذا حقا؟
ثمة من يقول أن عصابات نيويورك لم تكن تتقاتل في الشوارع كل يوم و لاحتى كل شهر وغالباً ليس كل عام.فمشاهد العراك و الشجار و القتل و الدم التي صورها الفيلم كانت أحداث نادرة جداً فهذا المرجل النيويوركي الدموي الذي يصوره الفيلم لم يحصل في فايف بوينتس حيث تدور الأحداث. إذن هل نحن أمام تاريخ تحريفي يحاول أن يربط بين الجريمة الأمريكية و الديمقراطية لما سيصبح واحداً من أهم ثيمات الحياة الأمريكية المتمثل في "نمط العيش الأمريكي" و الثقافة الأمريكية والمجتمع الاستهلاكي النفعي و "لماذا يكرهوننا".؟
يقدم الفيلم صوراً مذهلة ,ومشاهد قاتمة حين نرى عائلات مكدسة فوق بعضها البعض في غرف مثل الرفوف وحتى حين تنتقل الكاميرة للشارع فتصور لنا الشراسة المفرطة في أعمال الشغب,و الهيجان الذي لا هدف له سوى تدمير كل ما هو حي, في صراع مشبع بمقولات داروين التي لا تقل دموية عن صراع الجماعات المهاجرة المختلفة إثنيا و مذهبيا.
ويصف أمستردام نيويورك بأنها "مدينة قبائل و زعماء الحرب". إن الشخوص هنا تحديدًا، أمستردام وبيل الجزار، مجرد حلقة في مدينة تصبح كل العناصر فيها( من هنود، وسود، وأوروبيين، وآسيويين)، مساهمين في حدود هذا الصراع الذي يمثل المجتمع الأمريكي ككل. كل هؤلاء يحاولون صنع الحلم الأمريكي المزيف من وجهة نظره. ويظهر المجتمع النيويركي المتخم بالمهاجرين و المقيمين و الإثنيات المختلفة بسمات بالغة التعقيد وسنكتشف في نهاية الفيلم أن الإنسان هو أسهل ما يمكن القضاء عليه و التخلص منه.ففي فايف بوينتس لابطل سوى المكان أما الباقي فإلى زوال .ولكن هذا لن يستمر طويلا فالحي نفسه يقبع الآن تحت مبنى المحكمة الفيدرالية و كولومبس بارك و الحي الصيني, حيث يرتاح أيضا ماضي نيويورك الدموي.الماضي العاري لمدينة "ولدت من و في الدم و الفتن و الشغب".
لابد أن نقول شيئا عن دانييل داي لويس وحضوره الطاغي , فيكاد المشاهد يراه حتى في المشاهد التي لا يظهر فيها ,لقد كان تجسيده لشخصية الجزار أكثر من رائع و أبلغ من أن يوصف , وهو أداء يعتبر بحق دور مدرسي تمت تأديته باحترافية عالية تنم عن عبقرية مميزة , فرغم صعوبة الشخصية الأصلية كان الأداء من داي لويس تحديداً سهلا وتلقائياً بطريقة غير متوقعة.شخصية وليم كيتينغ ليست عادية, وتتطلب فهما عميقا لتركيبتها المعقدة من جوانبها كافة , فوليم كيتينغ ليس شرير بالمطلق و لاهو بالرجل الطيب أيضا , ليس شرير بذلك القدر من النمطية المعروفة وهو على كل حال ليس غبيا و لا ضيق أفق.وهو ليس نذلاً كما يمكن للبعض أن يتصوره و لا من ذلك النوع من الأوغاد الذين يمنعون كلب من التبول في الشارع أو ينهر دجاجة تقفز بين قدميه مثلاً .هل هو شرير بطيبة؟.في الحقيقة لست أدري.نعم هو يقتل ببرودة, بل ببساطة ولكن باحترافية فهو يحترم خصمه و ضحيته لذلك نراه يعلق صورة خصومه على الجدران, كما أن ضحكته و لكنته والحوارات القصيرة المميزة و العميقة تقدم لنا الكثير من النوافذ للدخول عميقا في شخصيته.وليم كيتينغ من الأدوار التي لا يمكن نسيانها في تاريخ السينما يؤديها داي لويس باقتدار متقمصاً فهمه للأبعاد المسرحية للشخصيات الشكسبيرية ,ويمكن القول أن داي لويس, وليس سكورسيزي,هو من يضخ الحيوية الفائقة في وليم كيتينغ حين استطاع أن يعبر عن"حنان" و"عاطفة" بيل ذا باتشر و بذات الوقت عن شراسته و طابعه الشرير بوصفه رئيس عصابة التي كان بمثابة الأب لأفرادها فهو لايتأخر عن تقديم النصح و المساعدة لمن هم يدينون له بالولاء و الطاعة,وهو بوصفه زعيم له طموح سياسي تظهر الكثير من ملامح عجرفته و تعامله الهادىء مع الأحداث الخطيرة مما يوحي بعقل بارد يمتلكه و تفكير شبه متزن"على الصعيد السياسي النفعي بطبيعة الحال" و يتناقض هذا مع مأزقه النفسي كقاتل و جملة الأحاسيس اللاشعورية التي تنتابه فينفجر غضبا للحظة و يكز على أسنانه و تخرج الكلمات من فمه كأنه يعلكها .يلوك كلماته بدل أن ينطقها ,يسلخها من دلالتها مثلما يسلخ جلد ضحاياه ,فيثير كلامه الرعب في نفوس خصومه لاسيما حين يلوح بسكينه الحادة وأكاد لا أضيف الكثير حين أقول أن أداء داي لوي لشخصية وليم كيتينغ هو من جعل من عصابة نيويورك فيلم ذو قيمة عالية.دون أن ننكر مأثرة سكورسيزي التي تكمن وراء إضاءة الجانب المظلم من تاريخ نشوء الأمة الأمريكية بحس إثنوغرافي ذو طموح عظيم.
لم يشأ سكورسيزي سرد تفاصيل الماضي فقط بطريقة مستوية إقليدية بل انطلق من مروية المكان و الزمان لتغيير معمار السرد التاريخي للمدينة وهو يقر أن النيويوركيين لايضيرهم أن يكون هكذا تاريخ مدينتهم المتمثل في إراقة الدماء و الفساد الصريح المعلن, ثم إن هذا الأمر لم يعد مقبولا هكذا بكل بساطة, فهم يرون مع سكورسيزي أن النظام القديم لم يعد قادر على أن يحكمهم لذلك لابد أن يخلي مكانه لنظام جديد قوامه الرأسمالية المعاصرة (بكل ما فيها من حلم قد يبدو جميلاً يوازي بشاعتها) , يقوم بيل ذا بتشر بنشر رسالته التبشيرية التي ترى أن "الحضارة في طريقها للانحدار" وأن على أمة جديدة أن تنهض لقيادة العالم وهو حين يلقي خطبه بثيابه المتأنقة أو حين يلف جسده العاري العلم الأمريكي "رمز السطوة الحديثة للأمة الوليدة" إنما يعبر بكل دهاء عن رسالة الوحش القادم .
ربما يرى الكثير منا أن الفيلم مجرد قصة بسيطة و مألوفة أينما نظرنا ,لكن من المهم أن لانقف عند حدود هذه البساطة؛فثمة العديد من الإيحاءات التي أراد لنا سكورسيزي أن نلمحها، فالمشاهد الدموية الرهيبة التي ملأت الفيلم عبر حوارات مليئة بالانتقام والتشفي وعدم الانسانية تعكس الاسلوب الذي تشكلت به نيويورك، ومن خلفها العقلية الاميركية وآلية تفكيرها ،فضلا عن ديناميكات إدارة أجهزة الدولة بين من يحكم الدولة و من يحكم الشارع ابتداء من صورة "الجزار" زعيم العصابة وصولا إلى "الشريف في الغرب الأمريكي, فما كان سائداً من علاقات تربط زعيم العصابة بسلطات المدينة و الأسلوب التي كانت تدار فيه الحملات الانتخابية استمر في الصعود وصولا للمشهدية الهوليوودية للانتخابات الرئاسية الأمريكية فما هو مهم ليس الانتخابات بل" إحصاء الأصوات".فأحد سمات العنف الداخلي للصراع على حيازة السلطة أن يتحول إلى شكل من أشكال الحروب الأهلية,ومن المهم أن نلتفت لإيحاء سكورسيزي حين يصور الحماس الذي يدفع الناس للقتال من كل الأطراف باعتبار أن ذلك سيجلب لهم الأمن بحسب زعمهم وهنا تتجلى الرغبة العميقة و الشريرة بآن لإنهاء الصراع من خلال القضاء على الخصم تماما و سلب إرادته في محصلة نهائية تستهدف إلغاء وجوده و تدميره وماينتج عن ذلك من القضاء على المشترك الجمعي و انكفاء المنتصر ذاتيا و التقوقع في شرنقته محكوما بقانون عدم الثقة مما يجعله عاجزا عن تعريف نفسه بمعزل عن الآخر "المذل و المهان",فحين تسعى السلطة للقضاء على الشغب فإنها تمضي بذلك وهي تحمل تصورا ما يجعلها ترى في نفسها الجهة الوحيدة المخولة باستخدام العنف ضم "الأعداء الداخليين" و "الأعداء الخارجيين" على حد سواء ولذلك سيكون جمر مخلفات الحرب أشد خطرا بعد انتهائها و سينتج هذا الجمر رمادا يتناثر في أي فرصة سانحة في المستقبل ليخلق سحابة جديدة من الكراهية و العنف المتبادل قد يكون أشد ضراوة مما سبق.