-المكتوبجي- ..غول رقابة وذراع سلطان

محمود الصباغ
2018 / 9 / 8

يذكر إسماعيل باشا البغدادي في المجلد الأول من "هدية العارفين: أسماء المؤلفين و آثار المصنفين" ص 302 أن حسن توفيق أفندي بن محمد قاضي زاده الباطومي ثم القسطنطيني الرومي الأديب الكاتب المولود سنة 1252 والمتوفي بالآستانة سنة 1326صار "مكتوبجي في دائرة البحرية وأيضا في ولاية الموصل". فمن هو هذا المكتوبجي؟وماذا يعمل بالضبط؟ومتى وكيف ولماذا ظهر.
المكتوبجي بشكلها الأخير وظيفة من الوظائف السلطانية نشطت في أواخر عهد الدولة العثمانية إثر ظهور الصحافة في المشرق العربي مع نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين. و من يتقلد هذا المنصب يصبح مسؤولاً عن مراقبة الإصدارات الصحفية العربية و تعديلها قبل طباعتها بما يتماشى مع سياسة السلطنة , و تعريف المكتوبجي لدى السلطات العثمانية كوظيفة في الأصل هو سكرتير الوالي، وفي كل ولاية كان هناك مكتوبجي،أما اختياره كرقيب على المطبوعات و الصحف، حدث بمحض الصدفة عندما اختار الباب العالي في الآستانة مكتوبجي ولاية بيروت ليكون عيناً له على ما تنشره الجرائد هناك بعد انتشار الصحافة العربية،ومع مرور الوقت ترسخت وظيفته الجديدة هذه أكثر من عمله السابق كسكرتير الوالي يشرف على كتابات الولاة وإعداد التقارير و صياغة بعض القرارات و التوجيهات السلطانية.ثم تطورت مهام المكتوبجي لتشمل"رقابة" المطبوعات, فيتم إرسال المقالات المراد نشرها على نسختين إلى السراي الحكومي" مقر رئاسة الوزراء" و من ثم إلى المكتوبجي "لأعادة تدويرها", ولايتم طباعة أو إعادة تحرير المقال إلا بعد عودته من عند المكتوبجي الذي غالبا ما كان يدقق في كل حرف و كلمة, وقد يستغرق عمل المكتوبجي على المقال الواحد يوم كامل أو نصف يوم , و بالنظر إلى طبيعة و نوعية العلاقة التي كانت تحكم السلطان العثماني بكبار موظفيه،لم يكن المكتوبجي يمانع من المبالغة في عمله بطريقة تبدو مضحكة , لاسيما عندما يتمادى في الشك بكل ما يكتب في الجرائد التي ينظر لها بريبة و عدائية بغض النظر عن محتواها. و الطريف في الأمر أن المكتوبجي هذا الذي سيقوم بتدقيق و مراقبة المطبوعات العربية , غالباً ما يكون غير عربياً و لايفهم العربية إلا لماماً ,ولذا كان جلّ ما يهتم به هو معنى المفردة أو المفردات لا الجملة أو الجمل أو الفقرات أو حتى المقال بصورة عامة.
و لكي ينجز المكتوبجي عمله كان يؤشر على بعض الكلمات بالحبر الأحمر ثم يطلب ترجمتها للغة التركية, حتى يتأكد من معناها, و الكلمة التي لا يعجبه ماتعني أو تحمل معانٍ ملتبسة قد يساء فهمها ،حسب تصوره وتصور مشغليه،يؤشر عليها باللون الأسود , وتعال شوف و اتفرج كيف رح يكون شكل المقال بعد ما يطلع من عنده,ألوان شي أحمر و شي أسود , فإذا كثرت المحذوفات يأمر المكتوبجي بملئها بمقالات بديلة جديدة وهي بدروها لابد أن تخضع لرقابته بأن تمر عليه ليدققها بذات الطريقة السابقة , وإذا لم تعجبه سيعيدها للمحرر لملئها من جديد ..وهكذا.
يعد خليل الخوري(1837 - 1907)أول مكتوبجي عربي وهو صاحب إصدارصحيفة "حديقة الأخبار في العام 1858 التي تحولت في العام 1868 إلى جريدة رسمية لولاية بيروت,كما يعد من مؤسسي الجمعية العلمية السورية في بيروت ؛ أول جمعية ثقافية عربية تضم أعضاء من كل الاديان والمذاهب. أصبح خليل الخوري مكتوبجي ولاية بيروت في العام 1870( بعد أن كان هذا المنصب حكراً على الأتراك.) ثم أصبح مديراً لمطبوعات سوريا في العام 1877،وصار يضرب بسيف السلطان وكثيراً ما حذر الصحف من التعرض للباب العالي أو الولاة ،فكان يخاطب الصحف منذراً ومهدداً:
"إلى فلان..... صاحب امتياز جريدة......
من حيث أن جريدتكم قد نشرت في عدد... مقالة مخالفة للرضى العالي، فقد أوجبت (تخديش الأذهان)، فاقتضى إخطاركم، أنكم اذا عدتم الى مثل ذلك، تجري بحقكم المعاملات القانونية."
وكان للمكتوبجي الحق في منع أو إيقاف أو تعطيل أي صحيفة تنشر أخباراً يرى فيها ضرراً للدولة أو تمس شخص الباب العالي أو السلطان أو ذويه ،فيخاطب المكتوبجي الصحيفة المعنية خطياً بالقول "من المعلوم لدى الجميع، أن الصفات الرسمية، والألقاب المعروفة الممتازة المستعملة، في ذكر وتوصيف حضرات ذوي السلطنة السنية كرائم وشقيقات حضرة السلاطين العظام، انما هي لقب سلطانة وبما أنكم استعملتم لها تعبير خاتون الجاري بحق آحاد النساء، صدر عن الأمر العالي، من طرف الولاية الجليلة بتعطيل غازيتكم (صحيفتكم) المذكورة لنشر مقالات ومواد عديمة المناسبة ووجد استمرارها على مسلكها القديم أمراً لا خير فيه"
وثمة كتاب يدعى «غرائب المكتوبجي» ظهر بمصر سنة 1896 بين فيه مؤلفه سليم سركيس الكثير من طرف و نوادر المكتوبجي, وسركيس هذا هو صاحب جريدة «المشير» التي كانت تصدر في بيروت في بدايات القرن العشرين، وقام سركيس في المقدمة برفع الكتاب هدية للسلطان عبدالحميد الثاني ويخاطبه بقوله"يسوءني أني من جملة رعاياك لأنه يسوءني أن أكون عبداً. وأنت عودتنا أنك تعتبر الرعية في منزلة عبيد لك بدلاً من أن تتبع الحقيقة وهي أن تكون عبداً لنا.ولما كنت لا أستطيع التخلص من هذه التابعية فعلى الأقل أحاول أن أعلن للناس أنني عبدك رغماً عني وهذا كل ما أستطيع أن أفعله الآن" ،فصدر بحقه الحكم بالإعدام، ففر إلى أمريكا.
بعض الأمثلة من عمل المكتوبجي:
-منع المكتوبجي نشر خبر بعنوان "مقتل رئيس جمهورية فرنسا المسيو كارنو بطعنة أحد الاشقياء" على اعتبار أن كلمة "جمهورية" من الكلمات الخطيرة التي يجب حظر تداولها في السلطنة, ليس هذا فحسب , بل حذف ما سبق و اكتفى بالقول "انتقل إلى رحمة الله باعتبار أن ذكر قتل الملوك و الرؤساء يخيف الأتراك , كما أن نشر مثل هذا الخبر قد يجعل البعض يفكر بطعن السلطان .وحتى عندما خرجت الجرائد بعد كل هذا و بدأ الباعة ينادون كما هي العادة بأهم خبر في الصحيفة و هو هنا مقتل رئيس جموهورية فرنسا فكان يتم اعتقالهم لتفوههم بكلمة جمهورية على الملء.
-حذف المكتوبجي كلمة "جلالة" من خبر وفاة قيصر روسيا عندا كتبت الجرائد "جلالة الإمبراطور قيصر روسيا" و كانت حجة المكتوبجي أن كلمة جلالة هي حكر على السلطان عبد الحميد فقط, ولاحقا , عندما اختلف هذا السلطان مع أخيه مراد ,أصدر المكتوبجي قرارا يمنع فيه الصحف من ذكر لفظ "مراد" و بالتالي لم يعد بالإمكان استخدام بعض العبارات مثل (والمراد من هذا الموضوع) أو (وكان مرادي من ذكر هذا... )،فضلاً عن حذفه كلمتي "نيل المراد " من كليشة صخفية كانت شائعة في ذلك الوقت وتستخدم بكثرة وهي جملة ( إن نيل المراد من رب العباد أن نتمكن من تفسير ·····)،حيث رأى المكتوبجب أن الكلمة دعوة مشفرة وسرية للسخرية من السلطان مراد الذى خسر مصر بعد احتلال الإنجليز لها, و لطالما نتحدث عن الأسماء فثمة قصة طريفة تقول: رافق المطرب عبده الحامولي خديوي مصر في زيارة الاستانه, فرغب السلطان في سماع بعض أغانيه , فطلب المكتوبجي ان تقرأ عليه كلمات الأغاني، و أمر بحذف المقاطع التالية:غاب عن عيني مرادي....وخلعت عذري في هواك....والعذول أصل انتباهي . فحذف المكتوبجي كلمة " مرادي " التي ظن انها اشارة الى اسم السلطان مراد .و " خلعت " لأنها قد تشير الى خلع الملوك .و " العذول " لظنه انها مشتقة من عزل يعزل وهو معنى لايرحب به في حضرة السلطان .وبحذف هذه الكلمات لم يعد هناك لا شعر و لا أغنية،فحذت الأبيات السابقة كلها من الأغنية كرمى لذائقة المكتوبجي وسلطانه. ولكلمة "مراد" أيضاً قصص طريفة عديدة ،منها أن مراسل جريدة "البشير" في مصر بعث رسالة ذكر فيها عبارة "نيل المراد" و نظرا لأن المكتوبجي تعامل مع الرسالة مفردة مفردة و كلمة و كلمة , فلم يعِ المقصود من معنى نيل المراد بالعربية فغضب أشد الغضب, لأن النيل -على حسب فهمه- نيل العثمانيين ومصر و ليس نيل المراد , فمن هو هذا "المراد" حتى يدعي أنه يمتلك النيل.
-- نشرت إحدى الصحف المحلية إعلاناً تجارياً يتضمن عرض بيع شقة سكنية،فأتت صيغة الإعلان "و البيت المراد بيعه مِلك (بكسر اللام , بمعنى أن العقار يعود إلى) "محمد عبد القادر و يتكون من ثلاث حجرات"فجن جنون السيدالمكتوبجي و صرخ في محرر الإعلان ؛ومن هذا العبد القادر المذكور قبل إسمه أنه ملك؟ ألا يعلم أن لا ملوك سوى سلاطين بني عثمان الأتراك؟ وأمر على الفور بتغيير الإعلان لتصبح صيغته " البيت المراد بيعه الإمبراطور محمد عبد القادر و يتكون من ثلاث حجرات "
-أمر المكتوبجي بحذف كلمة "حركة"التي وردت في مثل "الحركة فيها بركة "في كتاب أمثال باللغتين العربية و الفرنسية أراد يوسف أفندي حرفوش طباعته ،و كانت الحجة أنها لفظة حركة تفيد معنى الثورة
- كتبت جرائد بيروت خبرا يقول ان أحمد افندي سلطاني غادر الثغر لزيارة شقيقه محمد أفندي سلطاني المقيم في الاستانه , فحذف المكتوبجي النون والياء من اسم عائلتهم فأصبح " سلطا " فقط , لأن السلطان هو سلطان الدولة العثمانية ولا يجوز ان يلقب بغيره.
-ومما يروى من قصص المكتوبجي أن أحد الصحفيين ضاج منه ومن عمله لشدة ما كان يحذف ويحور ويبدل في الكلمات والمعاني فقال له هل تخبرني عن الخطة أو القانون الذي تتبعه في عملك؟فما كان من المكتوبجي إلا أن رفع يده نحو رأسه ليقول هنا هنا يمكث القانون،وهو يقصد دماغه بطبيعة الحال.
-يذكر عبد اللطيف الفاخوري في تقديمه كتاب عمر الفاخوري "كيف ينهض العرب"( ص 16 )حادثة جرت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني حين تداعت السطات المعنية لتداول كتاب مادة الكيمياء المقرر في المدارس ،ونتيجة الدراسة و البحث اتضح أن الكتاب يحتوي على رموز إشارات سرية غاية في الخطورة مثل الرمز الكيميائي للماء مثلاً أي H2O، فصدر منع تداول الكتاب فوراً ،وقد جاء الشرح كافياً وافياً شاملاً لأسباب المنع بالشكل التالي :
H - يعني حميد .
2 - يعني الثاني .
O - يعني الصفر .
أي أن "حميد الثاني يعني صفراً".. بمعنى لا شيء! مما اعتبر شتيمة للسلطان وإهانة له ولمقامه السلطان، وهو ما لا يتماشى مع الأخلاق والدين والقانون.

- نشرت صحيفة ( لسان الحال ) مقالات بعض السيدات , فأثار الأمر فضول المكتوبجي ’ فقام بزيارة الجريدة و طلب أسماء السيدات الكاتبات ’ ولما تأكد له الأمر طلب عدم مقالاتهن منعا لتفتح عقولهن زيادة عن اللزوم.
ولعل معين بسيسو كان يقصد المكتوبجي الحديث حين قال
"كان يريد أن يقول
كل ما في صدره
لكنها طويلة
طويلة أنياب هذا الغول
فادعى الجنون
وقال كل ما يريد أن يقول
وحينما أراد أن يعود عاقلاً
أصيب بالجنون "