الخادم

محمود الصباغ
2018 / 9 / 3

انتقل جورج كليفر للعيش رفقة زوجته إلى منزل أنيق في لندن بعد أن كانوا يقطنون فيلا صغيرة في الضواحي ,و لم يكن هذا ليحدث لولا المليون الأول من الجنيهات الذي تمكن السيد كليفر من جمعه. و بانتقالهم إلى بيت فخم في لندن ,كان لابد من حصولهم على طاه و خادم , وقد حالفهم الحظ في العثور على طاه فرنسي يدعى مسيو إستراجون و خادم إنجليزي يدعى تيبس رغم أن الحصول عليهما كلفهما ثروة لا باس بها .
شرعت العائلة كليفر ,بمساعدة هذين "الخبيرين" مسيو إستراجون و تيبس , بتسلق السلم الاجتماعي , وكانت البداية بإقامة عدة حفلات عشاء باذخة أسبوعيا في منزلهما الفخم .بيد أن الأمر كان يتوقف عند هذا الحد , فلم تحقق تلك الحفلات الغاية التي أرادها الزوجان كليفر بأن يصبحا جزء من مجتمع لندن الراقي ,فافتقدت حفلاتهم للحيوية ,و افتقرت إلى ذلك النمط الي يميز مثل هذا النوع من الحفلات و إلى تلك اللحظات التي تقدح فيها شرارة الحوارات بين المدعوين على الرغم من أن الطعام المقدم كان مميزا وواعدا و في منتهى الروعة و ليس ثمة عيب في التخديم الذي كل يؤديه مسيو إستراجون و تيبس بدقة و التزام كما هو مخطط له .
تفطن السيد كليفر لفتورة حفلاته فقال مخاطبا خادمه " ما العيب يا ترى في حفلاتنا.. لماذا لا يسترخي ضيوفنا و يتركون أنفسهم على سجيتها "؟. أمال تيبس رأسه لجهة أحد كتفيه, ثم قال وهو ينظر نحو السقف " دعني يا سيدي اقترح عليك أمرا صغيرا , وآمل أن لا تشعر بالإهانة حيال ذلك ", فبادره السيد كليفر مسرعا " ماذا تريد أن تقول" , فأتاه الجواب من الخادم" إنه النبيذ يا سيدي" . فقال السيد كليفر " النبيذ؟ .وما شأن النبيذ بالأمر؟", فأجابه الخادم "حسن, لنقل أن مسيو إستراجون يحضر طعاما رائعا بحرفية عالية , ولكن الطعام الجيد ينبغي أن يقدم معه نبيذ جيد , أليس كذلك؟ غير أنك يا سيدي تقدم لضيوفك نبيذا رديئا بعض الشيء , نبيذ أحمر إسباني من النوع الرخيص." فصرخ فيه السيد كليفر " و ليش حضرتك لم تخبرني بهذا من قبل ؟ أنت الملام هنا , فكما ترى أنا لا أبخل بالمال و لست مقصرا في هذا , في المرات القادمة سوف أقدم لهم أفخر أنواع النبيذ في العالم , إن كان هذا ما يريدون يجعل حفلاتي تبدو حيوية أكثر ,و لكن قل ما هو باعتقادك أفضل نبيذ في العالم"؟. فقال الخادم " نبيذ بورد الأحمر يا سيدي هو الأفخم , شاتو , لافيت, لاتور هوت -بريون,مارغو,موتون روتشيل, شوفال بلان, كل هذه أنواع فاخرة . أما أفضل أنواعها, باعتقادي, فتلك المعتقة من سنوات 1906, 1914و1929و1945. بالإضافة إلى نوع شوفال بلان من سنة 19895 و 1921 فهذا بلا شك نبيذ فاخر , كما أن هوت بريون من العام 1906 نبيذ لا يقاوم ."فقال السيد كليفر بلا تردد " اشتر لي ما ذكرت ,جميع تلك الأنواع التي ذكرتها قبل قليل, أريدك أن تملء بها القبو , بل و تكدسها فوق بعضها البعض". فقال الخادم" سوف أحاول يا سيدي, رغم أنها من الأنواع النادرة التي يصعب الحصول عليها و يحتاج العثور عليها إلى ثروة", فقال السيد كليفر " لا يهمني مهما كانت التكلفة "على كندرتي المصاري", المهم أن تملء قبوي بها ".
بيد أن الكلام ,دائما , أسهل من أي فعل ,فلم يستطع تيبس العثور على نبيذ معتق من 1895,1906,1914,1921, لا في بريطانيا و لا فرنسا .لكنه استطاع أن يتدبر أمره بالعثور على بعض منها من 1929 و 1945. لكن التكلفة كانت فلكية , في الواقع كان ثمنها مرتفعا جدا أكثر مما توقعه السيد كليفر نفسه ,مما جعله يفكر بالأمر ,لكن رعان ما تحول اهتمامه بثمن النبيذ إلى حماسة من نوع آخر عندما أشار عليه خادمه بأن معرفة النبيذ تعد رصيدا اجتماعيا معتبرا , مما دفع بالسيد كليفر لاقتناء الكتب التي تتحدث عن النبيذ و قرأها جميعها من الجلدة للجلدة , كما تعلّم الكثير مما يحفظه تيبس نفسه عن هذا الموضوع, فأخبره -من ضمن أمور كثيرة- كيف عليه تذوق النبيذ بشكل صحيح, "عليك يا سيدي أن تشمه أولا ولمدة ليست بقصيرة , تشمه بعمق , بحيث تضع أنفك على فتحة الزجاجة ..هكذا (وكان تيبس يريه كيف يضع أنفه),و تابع يقول ثم تأخذ رشفة صغيرة ,وتفتح شفتيك قليلا كمن يمتص الهواء ,فتصنع ما يشبه فقاعة هوائية في النبيذ, انظر لي و راقبني كيف أفعل ذلك, ثم بعد ذلك تدحرج رشفة النبيذ تلك بقوة حول فمك من الداخل و أخيرا تبتلعها".
و ليس إلا زمن قصير حتى كان السيد كليفر يستطيع القول عن نفسه أنه صار خبيرا في تذوق النبيذ, الأمر الذي دعله يصبح مثيرا للملل و باعثا للضجر كلما دار الحديث عن النبيذ , إذ لطالما ما كان يحلو له أن يكرر و يردد وهو يرفع كاسا من النبيذ " سيداتي سادتي هذا نبيذ مارغو 1929, تلك السنة العظيمة من القرن العشرين , إنه باقة رائعة مذهلة, هل تشمون رائحة زهرة الربيع المرجية, رجاء أن تلاحظوا شعور ما بعد التذوق وكيف يعطي ذلك الاثر البديع للطعم القابض الذي يشبه طعم السماق , إنه نبيذ رائع و طعمه رائع , اليس كذلك؟ سوف يومئ الضيوف برؤوسهم كعلامة الموافقة و يغمغمون ببعض عبارات الإشادة ,ولكن ليس أكثر , فهذا جل ما يمكنهم أن يقولوه.
و لما صار رد فعل الضيوف متشابه ويتكرر مرة إثر , قال السيد كليفر لخادمه تيبس بعد انصراف ضيوفه ذات يوم " ما بال هؤلاء الحمقى المغفلين؟ ألا يقدر أحدهم قيمة النبيذ الفاخر “؟ لم يجب الخادم مباشرة , بل أمال رأسه قليلا على أحد جانبيه و حدق نحو الأعلى ثم قال أخيرا " سوف يفعلوا ذلك يا سيدي , أعتقد حين يكونوا قادرين على التذوق سيقومون بذلك , لكني أشك في هذا". فقال السيد كليفر متسائلا " ما هذا الهراء الذي تقوله , ماذا تقصد؟ ما الذي تعنيه بأنهم لا يمكنهم أن يتذوقوا نبيذي"؟, فقال له الخادم" حسبما أعتقد يا سيدي قد رأيت أنك طلبت من أستراجون أن يضع كميات وافرة من الخل مع صلصة السلطة"؟
-وما الخطأ في ذلك , فأنا أحب الخل
-ليس القصد هذا , إنما الخل عدو النبيذ, فهو يقضي على القدرة على الذوق. فالصلصة يجب أن يتم إعدادها من زيت الزيتون و القليل من عصير الليمون ,و لا شيء آخر
-هذا هراء. محض هراء
-كما تريد يا سيدي
-دعني أقولها لك ثانية يا تيبس , إن ما تقوله ليس سوى هراء, الخل لم يؤثر على حاسة التذوق عندي بالمرة. فيطأطأ تيبس رأسه و يقول وهو يهم بمغادرة الغرفة "إذن أنت محظوظ يا سيدي .
في تلك الليلة ,وأثناء العشاء بدأ السيد كليفر يسخر من خادمه أمام ضيوفه فقال "إن خادمي السيد تيبس, يحاول أن يقول بعدم قدرتي على تذوق النبيذ فيما لو أضفت خلا إلى صلصة السلطة , ليس كذلك يا تيبس؟ أليس هذا ما قلته لي عصر اليوم"؟, فأجابه تيبس برباطة جأش : أجل يا سيدي , هذا ما قلته لك .فالتفت السيد كليفر نحو ضيوفه و قال " وقد أخبرته أن ما يقوله ليس سوى هراء" , فرد تيبس "أجل يا سيدي , هكذا أجبتني", و لكن السيد كليفر تابع يقول دون أن يلتفت نحو تيبس و هو يرفع كأس النبيذ " هذا النبيذ الذي بين يدي الآن طعمه يشبه تماما طعم نبيذ شاتو لافيت 1945 , و لا شيء سوى شاتو لافيت 1945. بدى تيبس هادئا من مكانه و انتصب معتدلا أمام بوفيه السيد كليفر وبعض الشحوب على وجهه و قال " لو يعذرني سيدي , هذا ليس نبيذ لافيت 1945". ترنح السيد كليفر على كرسيه و حدق في خادمه تيبس وقال "ما هذا الهراء الذي تقوله , ماذا تقصد بذلك. ألا ترى الزجاجة الفارغة بقربك تؤكد ما أقول"؟ هذا النبيذ الأحمر الفاخر المعتق و المليء بالترسبات كثيرا ما كان تيبس يقوم بسكبه قبل العشاء ,وتقديمه في كؤوس زجاجية مزخرفة, في حين توضع الزجاجات الفارغة كالعادة على البوفيه . حيث يوجد منها الآن زجاجتين فارغتين من نبيذ لافيت 1945 كي يراهما جميع الحضور
"النبيذ الذي شربته يا سيدي هو نبيذ أحمر إسباني رديء" ,قال تيبس ذلك بهدوء, نظر السيد كليفر إلى النبيذ الموجود في كأسه, ثم التفت نحو خادمه , وقد بدأ الدم يتصاعد في وجهه , و يتحول لون بشرته إلى القرمزي وقال "أنت تكذب يا تيبس. فرد عليه الخادم" كلا يا سيدي ,أنا لا أكذب , و إن أردت الصدق و الحقيقة فأنا لم أقدم لك أي نوع من لحظة قدومي للعمل عندك و حتى هذه اللحظة سوى هذا النبيذ الإسباني الذي بين يديك الآن , ويبدو أنه يناسبك تماما " , فصرخ السيد كليفر نحو ضيوفه قائلا" لا أصدقه ..لقد جن هذا الرجل لا محالة ",فقال الخادم" لتعلم يا سيدي ,ينبغي التعامل مع أنواع النبيذ الفاخر بوقار .و التفت نحو الضيوف و تابع القول ,لعله من السوء بما يكفي للمرء أن يبدد تذوقه بثلاث أو أربع كؤوس كوكتيل قبل العشاء كما تفعلون أيها السادة عادة , لكنكم عندما تسكبون الخل بسخاء رخيص فإنكم كمن يشرب ماء جلي الأطباق .
عندها بدأت الوجوه حول المائدة تحدق به , ليس أقل من عشرة وجوه, لقد أفقدهم حديث تيبس توازنهم فبدوا عاجزين عن الكلام . وتقدم الخادم فمد يده و لمس إحدى الزجاجات بأصابعه بمودة بالغة و قال " هذه الأخيرة من تعتيق 1945, أما تلك المعتقة من 1929 فقد نفذت بالفعل , إنها خمور فاخرة لاشك , لقد استمتعت كثيرا باحتسائها برفقة السيد إستراجون ,ثم انحنى و مشى ببطء شديد خارج الغرفة , مر من أمام الجميع ثم اتجه نحو الباب الخارجي للمنزل ثم إلى الشارع حيث كان مسيو إستراجون يضع حقائبه في صندوق السيارة الصغيرة التي يملكانها.
...............................
ملاحظات :
المترجم: محمود الصباغ
نشرت هذه القصة من المجموعة القصصية لرولد داهل بعنوان TALES OF THE UNEXPECTED و التي صدرت ضمن المجلد الثاني من القصص القصيرة للكاتب , في طبعتها الاولى 1991
عنوان المجموعة باللغة الإنجليزية
Roald Dahl
The Collected Short Stories of Roald Dahl
Volume II
Complete and Unabridged
First published in Great Britain in 1991