التمويل والسياسة

محسن ابو رمضان
2018 / 8 / 29

عندما اسست السلطة الوطنية عام 1994 بعد توقيع اتفاق اوسلو ، عقد المجتمع الدولي أول مؤتمر للمانحين لدعم وتمويل السلطة وانشطتها وبرامجها المختلفة ، وذلك في واشنطن في ذات العام والذي خصص مبلغ 2.2 مليار دولار ، ثم توالت بعد ذلك اجتماعات المانحين بصورة دورية بهدف الاستمرار بدعم السلطة وتحت شعار " دعم عملية السلام " وتحقيق حالة من الاستقرار .
بدأت تبرز عملية الربط المحكم بين السياسة والتمويل عندما قام المجتمع الدولي بالضغط على الرئيس الراحل ياسر عرفات لإحداث تعديلات بالقانون الاساسي عام 2002 حيث جرى تقليص المساهمات من بعض الدول في اشارة لاستخدام التمويل للضغط السياسي ، ثم برز بوضوح اكبر عندما قامت السلطة بتحقيق الاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب بالأمم المتحدة عام 2012 ، حيث جمدت اسرائيل اموال المقاصة وكذلك فعلت الادارة الامريكية ولكن بصورة مؤقتة ، علماً بأن مؤتمر باريس عام 2009 والذي منح السلطة أكثر مما طلبت في ذلك الحين كان بهدف تشجيعها على الاستمرار بالمفاوضات مع حكومة اولمرت في اسرائيل آن ذاك ولتحقيق الاصلاح والبناء المؤسساتي من اجل تأهيل السلطة للقيام بمهمات الدولة المؤسسية .
قرار السلطة الفلسطينية مؤخراً برفض صفقة ترامب لإنهاء وتصفية القضية " القدس ، اللاجئين ، الاستيطان " أدى إلى استخدام المال من قبل الادارة الامريكية لمعاقبة السلطة والضغط عليها للإذعان للصفقة والتي ترمي إلى تنفيذ المشروع الاسرائيلي الهادف إلى فصل القطاع عن الضفة وتحقيق نظام من المعازل والبانتوستانات بالاستناد إلى فلسفة السلام الاقتصادي التي يتبناها نتنياهو واقطاب الحكومة اليمينية المتطرفة في اسرائيل وذلك على حساب الحقوق الوطنية و السياسية شعبنا وحقه في تقرير المصير .
وعليه فإن قرار الإدارة الامريكية بوقف دفع مبلغ 200 مليون -$- كان من المفترض ان تنفذ على مشاريع بالضفة والقطاع ومن خلال بعض المؤسسات الدولية والمحلية والقطاع الخاص ووكالة التنمية الامريكية يأتي في سياق الابتزاز السياسي واستخدام المال لفرض الشروط الخارجية " الامريكية والاسرائيلية " على حساب حقوق شعبنا ، علماً بأن هذا القرار تزامن مع وقف تمويل الاونروا والاكتفاء بمبلغ 62 مليون -$- من اصل 360مليون -$- ، وهي حصة المساهمة الامريكية في تمويل الاونروا سنوياً والتي تقدر نسبتها ب 40% من الموازنة السنوية العامة لها .
تتوافق القرارات الامريكية مع تخفيض ملموس للمساهمات المالية من قبل العديد من الدول والمنظمات الدولية سواءً لمؤسسات القطاع الخاص او الجامعات أو البلديات أو المؤسسات الاهلية ، التي تتعرض أي الاخيرة لحملة غير مسبوقة من قبل الاحتلال عبر متابعة انشطة وبرامج وفاعليات ومواقف هذه المنظمات ، وبهدف أخراجها عن كل ما يثير ازعاج دولة الاحتلال سواءً كان له علاقة بحملة المقاطعة BDS أو بملفات مجرمي الحرب أمام محكمة الجنايات الدولية او بما يتعلق بالعلاقة مع قوى التضامن الشعبي الدولي وكشف طبيعة الممارسات العنصرية الاحتلالية امام الراي العام العالمي .
يريد المجتمع الدولي ان تكتفي المنظمات الأهلية بالعمل الانساني الخيري والاغاثي بعيداً عن الرسالة الحقوقية والوطنية ، وقد برز ذلك بوضوح من خلال استجابة بعض المانحين مع الاسف للضغوطات الاسرائيلية التي قامت من خلالها بوقف التمويل للعديد من المنظمات والشركاء .
أظهر استطلاع نظمته شبكة المنظمات الاهلية في قطاع غزة بخصوص نسبة تراجع التمويل لدى منظماتها حيث تبين انها لا تقل عن 60% بالاعوام السابقة ، كما اشار مكتب تنسيق المساعدات الانسانية " الاوتشا " ان هناك تراجع حاد في نسبة التمويل لدى المنظمات المنضوية تحت مظلتها ، فعلي سبيل المثال فقد كان احتياج قطاع التعليم للعام 2018 هو 20 مليون -$- ، وما تم الحصول عليه فعلاً هو 3 مليون -$- فقط ،بما يعكس حجم هذا التراجع الكبير وبما يشير في ذات الوقت لعدم اهتمام المانحين باستمراريته رغم الازمة الممتدة في غزة والتي طالت بصورة كبيرة ، حيث اشار منسق الاوتشا بأن " العمل كالمعتاد " كما كان سابقاً قد انتهى مع المانحين الذين نجحوا على حد وصفه في تعليب واقصاء غزة جانباً بهدف اعادة صياغة العلاقة معه على قاعدة جديدة في اطار منظور اقتصادي انساني شامل بعيداً عن المؤسسات والسياسات والتوجهات السابقة ، وبما يشير بأن المجتمع الدولي اصبح يريد هياكل ومؤسسات جديدة يتعامل معها بالقطاع خارج اطار المؤسسات والاطر التقليدية مثل مؤسسات القطاع الخاص أو المؤسسات الاهلية وربما مؤسسات السلطة ايضاً .
لقد لعبت مؤسسات المجتمع المدني تاريخياً دوراً هاماً في صيانة وحماية وحدة النسيج الاجتماعي وتعزيز الصمود ، وبالتالي فإن نقص التمويل بصورة حادة سيؤدي إلى اضعاف دورها في تقديم الخدمات واسناد الفئات الاجتماعية الفقيرة وكذلك دورها بالضغط والمناصرة التي من الهام الاستمرار بالتمسك بها بهذه الاوقات بوصفها احد الادوات الهامة الرامية لمناهضة تداعيات الحصار والانقسام ومن اجل استعادة الوحدة على طريق نظام ديمقراطي تعددي .
وأخيراً فإن استخدام المال من اجل الابتزاز السياسي يجب ان يدفع الجميع بالتفكير بالبدائل .