في قول نيتشه : أشعر كلما تعاملت مع رجل متدين بالحاجة إلى غسل يدي

حمزة بلحاج صالح
2018 / 8 / 24

المقولة صادرة عن حقد نيتشه الدفين للمتدين و للدين ليس بالتبعية بل بالأصل و هي مقولة عنصرية...

إن حقده و حنقته على الدين تشكل جزءا من ثورته و إنقلابه على القيم السائدة و كثير منها ديني في أصله ...

و ليست هذه المقولة إلا تهاو عبثي صارخ من فيلسوف بقامة " نيتشه " و شهرته و ولع الناس به خاصة عربنا اليتامى فلسفيا ف " نيتشه" عند الكثير منهم لا ينطق عن الهوى ...

ربما يقول قائل لم تفهموا المقولة إنها تعبر عن إشمئزازه من تدين معين كتدين اليهود أو النصارى أو المسلمين فماذا يغير هذا في الأمر ...

و المقولة التي تصدر من "فيلسوف" عرف بالكتابة الشذرية l écriture fragmentaire تحسب حجة عليه و لا تحتاج إلى تأويل و لا تبرير ...

إن موقفه من " الله " و المطلق في كتاباته و شذراته هو الإطار الذي نفهم من خلاله جميع المقولات النيتشوية التي لها علاقة بالمبحث الأنطولوجي و الدين و اللاهوت و الإنسان...

لقد أبان نيتشه موقفه العدمي العابث الذي لا يختلف عن سابقيه و كل من تفلسفوا و عدوا من كبار المتفلسفين الغربيين ..

مثل "سارتر" و "ماركس" و "هايدغر" و رائدة الخطاب النسوي " سيمون دي بوفوار " صاحبة "الجنس الثاني" "le deuxième sexe" "سيمون دو بوفوار" ..

و "ألبير كامو" و "إدموند هوسرل" و حديثا "ميشال أونفري" رغم إنصافه الكبير للمسلمين ...و غيرهم كثير...

لقد كان خطابهم عدميا و عبثيا و ساخرا من الدين و الله و المطلق ...

لم يفصل و لم يترك هامشا يسمح بالتأويل و التمييز بين " الدين" و " التدين"...

بل ذهبوا إلى عمق مسألة الوجود و ليس تنظيرهم جميعا لمقولة "مركزية الإنسان" بعنوان الحرية و الإنسانية إلا زحزحة لتلك الرؤية الدينية المتناسلة عن منظومة اللاهوت ....

و خلخلة لأسسها و قواعدها و مرتكزاتها النظرية و المفاهيمية بكل مكوناتها إدراكا فينومينولوجيا أو تفكيكا بماورائية أنطولوجية " ميتافيزيقية " أو نزوعا وجوديا إلحاديا غير ديني..

لقد مثل " نيتشه" ما يسميه الكثير انقلابا على القيم كان صريحا بالنسبة للموروث القبلي الذي كان يمارس خطابا فلسفيا غير جهور فاصل و شديد و مرتفع النبرة ...

فرفع " نيتشه " نبرته و أعد مأتم إلهه و سقوطه و قتل القوة المطلقة في مسطوره ليكتب من جديد لإرادة القوة تعبيرا عن حاجة الإنسان إلى المطلق لكن مطلق أرضي و محايث...

فهو يقتل أصناما في تقديره لكن ليصنع أخرى هكذا مأسس "نيتشه" الحيرة و القلق استمرارا للقبلي السابق وجوديا أو غيره لا " تجاوزا " بمعنى القطع و القلب ...

مأسس لموت المعنى مع موت الإله و من ثمة موت القيمة ...

مأسس لحيرة عدمية لا تختلف عن حيرة المابعديات النافية نفيا عبثيا و وجوديا و عدميا و أنطولوجيا لكل مطلق...

"نيتشه " كان إنقلابا على اللاهوت السماوي لا على قيم المادة و لا على الماركسية و لا على لوغوس العقل ...

لم يكن نقدا للحضارة الغربية من داخلها بل كان نقدا لبقايا المطلق فيها و ثورة عليه...

هكذا و جب علينا أن نعيد قراءة نيتشه من جديد...

قراءة من خارج النسق...

قراءة تقلب فلسفة الفهم و تقدم نيتشه غير الذي قرأه كل الفلاسفة ...

حاول " بلانشو " قراءة نيتشه من جديد لكن هل تكفي قراءته المحتشمة التي تحاول الإنفلات من نسق الفهم الفهم النيتشوي السائد...