كتاب الحب _ ملحق 1

حسين عجيب
2018 / 8 / 24


ملاحظات تمهيدية حول مشكلة الحب ، والشعور بشكل خاص

ما هو الشعور ، ما هو الحب ... ما هي السعادة ، أو المعرفة ؟!
الشخصية ما دون النضج والتفكير النقدي ، لا تفهم _ ولا تحترم _ هذا النوع من الأسئلة ، وخصوصا الشخصية النرجسية والدغمائية وبقية أنواع التمركز الذاتي الشديد .
يعتقد الطفل أو الشخص الطفالي ( رجل أو امرأة ) بشكل يقيني وإيمان أعمى ، أن شعوره واعتقاده الشخصي يمثل الواقع ويتطابق معه ، ولا يستطيع ان يتخيل أو يقبل من _ و ما _ يختلف مع موقفه وموقف جماعته أيضا . وتعبر عن هذا المستوى المعرفي _ الأخلاقي الأولي والمنخفض عبارة : من ليس معي ( أو معنا )...عدوي .
ذلك هو المناخ ، الملائم والموضوعي ، لنزعة التعصب والتمييز العنصري والعداء للغريب ، التي تسود عالم اليوم ....2018 ، ويمثل الإرهاب حدها الأقصى _ من الجهتين .
المفارقة الثقافية العالمية ، وليست العربية فقط ، أن المعرفة الإنسانية تتقدم في المجال السلبي والمرضي بدرجات وبشكل مضاعف ويتسارع وفق سلسة هندسية بالفعل ، عن المعرفة المقابلة في المجال الصحي والابداعي .
بعبارة ثانية ، علم النفس المرضي حاليا وعلى المستوى العالمي ، والمحلي أكثر ، على درجة عالية من التطور والدقة والشمول معا . على العكس من علم نفس الأصحاء _ الذي ما يزال في خطوته الأولى _ والتباين الكبير بينهما يتزايد _ ويمثله الاهتمام العالمي والمحلي المرتفع بالموضة مقارنة بالاهتمام المتواضع بالإبداع والمعرفة ... ويمكن مقارنته بعلم ( التنجيم ) ...وعبارة الختام مزيج من السخرية والحزن .
بطبيعة الحال يوجد تفسير أخلاقي حقيقي لذلك التباين المؤسف ، لكنه لا يكفي كما أعتقد .
وهذا ما اصطدم به من بداية هذه السلسة ، غياب المراجع في موضوعات البحث ، وهو في العربية غياب شبه تام للأسف . مثلا الفرق بين القيم والأخلاق !؟ أو بين علاقات الخوف وعلاقة الحب ....والتمييز بين السعادة والفرح ، وغيرها .
....
الشعور ثلاثي الأبعاد على الأقل ، ربما أكثر .
البعد الأول ، تمثله الحالة العصبية للفرد ، أو التشابكات الكيميائية والكهربائية في الجملة العصبية وخصوصا الدماغ ، وهو محور العلاج بالعقاقير والأدوية المختلفة .
البعد الثاني تمثله الفكرة ، أو الاعتقاد والموقف الأيديولوجي ، أو المستوى المعرفي – الأخلاقي والقيمي المتكامل للشخصية ، وهو الاتجاه الثابت للفرد (امرأة او رجل ) .
البعد الثالث تمثله العادة ، أو الحركة المتكررة ، وخصوصا العادة الادمانية التي توظف الشخصية وتقودها وليس العكس ، المتوقع والمأمول من كل فرد ...خلال عملية النضج المستمرة من الولادة إلى الموت ، وتمثلها الشخصية الحرة والمسؤولة . أو النقيض ، حيث الشخصية العدوانية والهائجة بشكل مزمن أو مقلوبها الشخصية الخاملة ودور الضحية الثابت .
صار بحكم الحقيقة ، أن حبة دواء هلوسة مثلا ، ستكون نتيجتها متشابهة إلى درجة التطابق في درجة تأثيرها على الأفراد ، ومع تغير الحالة العصبية في التشابكات الكهربائية والكيميائية في دماغ الفرد ، يتغير معها البعدان الآخران للشعور بالتزامن ( الفكرة والحركة ) .
بعبارة ثانية ، يمكن تغيير الشعور عبر تغيير أحد الأبعاد بشكل حقيقي .
وهذا مصدر ثابت للاختلاف بين الأفراد .
....
تعترضني مشكلة مستمرة خلال هذا البحث ، تتمثل بالقارئ المتوقع _ النموذجي ؟
_ من جهة وفي أقصى المجال ، أصدقائي وصديقاتي الأطباء والمعالجات النفسيات ، التبسيط الشديد مع الشرح الزائد يضجرهم ، وهم يتوقعون ويطلبون درجة أعلى في التخصص والعلمية في النص _ وهذا حقهم الطبيعي والمشروع .
_ بالمقابل وفي أقصى المجال المعاكس ، أصدقائي وصديقاتي من الكتاب والكاتبات ، حيث يتركز الاهتمام على شعرية النص وليس على أفكاره _ ولهم كل الحق بذلك .
هي العودة القسرية إلى الجدل ، والثنائيات غير القابلة للحل العملي والمباشر .
مثال على ذلك ، الفارق بين سوريا والسويد ؟
يخبرني أخي وصديقي قصي ، لا يوجد عندهم راسب وناجح في الدراسة !
( الانتقال من المعيار النوعي والدغمائي _ الثنائي _ إلى معيار القيم الكمية والدقيقة ) .
ثم يشرح لي بوضوح ، بنهاية الدراسة أو التدريب _ بصرف النظر عن التسمية _ يمنح الفرد شهادة دقيقة ( التزوير يقارب الاستحالة ) ، وهي صورة طبق الأصل عن الوقت والجهد الذي بذله في المجال المحدد ، مع تقييم المشرف _ة على ذلك .
نسيت أن أسأله ، هل فكرة وعملية " ناجح ويعيد " غير موجودة خارج سورية ؟!
مقابل من يتقدم للامتحان مرات مع الرسوب السادي عموما .
فكرت طويلا بهذا المثال ، واعتقد أنه يصلح للتأمل في الجدليات غير القابلة للحل .
في بلد مثل السويد ، التعليم مجاني ومأجور ضمن شروط يحددها دستور البلد .
ويتحدد معها الزمن ، والمبلغ المالي وغيره ، وكل ذلك واضح ومفصل .
دستور السويد يتمحور حول القيم الإنسانية ، ويحترم الأخلاق الوطنية بالطبع .
في بلد مثل سوريا ، كل شيء هجين _ والثنائية القطبية شاملة وعامة .
الدستور متناقض وسوريالي ، بنفس الوقت ، أقصى ما يرجوه عقلاء سوريا حكم القانون .
....
أيضا يشرح لي عن " سوء معاملة الأطفال " من قبل الأهل والتنمر بصورة خاصة ؟
هنا عندي حسرة شخصية تسع البحار السبعة .
التنمر في بلادنا ، يمارسه تسعة من عشرة ، أحد الأبوين حصرا ، على أطفاله ا بالطبع .
يمارسه الأطفال في علاقاتهم البينية أيضا
يمارسه الحاكم على المحكوم ، والرجل على المرأة ، والمسلم على غير المسلم ، والبعثي
على غير البعثي ....
لكن هنا توجد ملاحظة وجديرة بالتأمل والتفكير ، التباين المعرفي _ الأخلاقي ، بين الأجيال في سوريا بارز ، ويتضح أكثر خلال كل عقد أو عدد من السنوات بشكل يفوق التوقع .
على العكس تماما من أسطورة لآباء والأجداد ، أطفال سوريا ( حسب ملاحظتي المباشرة ) يحملون درجات اعلى في القيم الإنسانية من الآباء والأمهات ، ومن الأساتذة والقادة .
....
أختم هذه الملاحظات المرتجلة والعشوائية أيضا ، حول مشكلة الشعور ، مع فكرة شديدة الخطورة لجهة تأثيرها على العلاقات الإنسانية المختلفة : يجب عدم مكافأة الخطأ مطلقا .
وهذه الفكرة هي النقيض _الثالث المرفوع _ لنسبوية بوذا وأنشتاين أو عدميتهما الحقيقية .
هذه الفكرة عرضتها سابقا وهي منشورة أيضا على الحوار ، واكتفي بالتذكير بها :
الايمان العقلاني نتيجة توازن قوانين العقاب والمكافأة في الأسرة والمجتمع بالتزامن مع نمو الشخصية بشكل دينامي ومتكامل ، والعكس التعصب الأعمى وبقية أشكال الايمان اللاعقلاني ، يتكون كنتيجة مباشرة لغياب قانون متوازن يشمل المكافأة والمعاقبة بالتزامن .
وكمثال مباشر على الفكرة ، توجد تجربة نموذجية في علم النفس الاجتماعي ، تلخصها عبارة كيف تربي وحشا ؟
بعد ملاحظة أطفال صغار ، وكيفية تعاملهم مع زميل _ ة يبكي مثلا :
_ نموذج الصحة ، التعامل بتعاطف مع ألم الزميل .
_ النقيض والسلوك الوحشي ، الهجوم على الطفل ومحاولة منعه عن البكاء بالقوة والعنف .
_ النموذج المتوسط ويشمل مواقف التجنب والابتعاد واللامبالاة السلبية .
بالطبع ، كل طفل يعكس مستوى اسرته المعرفي _ الأخلاقي وسلوكها النمطي في البيت .
والتركيز على الطفل في بداية طريق التوحش ، هتلر الصغير ....وما أكثر أشباهه .
المناخ الثابت ( أو الحاضنة الاجتماعية للعنف والإرهاب ) ، يتمثل بسلوك نمطي في البيت :
معاقبة أو مكافأة الطفل _ة لا تتعلق بسلوكه ، بل بمزاج الأم أو الأب .
التعامل النمطي عشوائي ، بالنسبة للطفل وحتى للمراقب الخارجي ، فقد يعاقب الطفل بينما هو يستحق المكافأة بالفعل ، والعكس أيضا .
النتيجة المباشرة ، والثابتة ، لهذا السلوك أن يستخلص الطفل فكرة العدمية المطلقة .
وفقدان الثقة والايمان بالقانون أو المبادئ الأخلاقية والإنسانية .
وخصوصا الهجوم الفوري على الضعيف ، كما يفعل معه ا الأب _ الأم بشكل ثابت .
والخلاصة في هذه الفكرة والمثال ، ضرورة تحقيق التوازن الدينامي بين نقيضين ، العفوية المتلازمة مع الفوضى أو النقيض ، القانون الصارم والمتلازم مع العنف بالضرورة .
يتعذر حل هذه المعضلة بشكل نظري وفكري فقط .
غياب القانون ، ينتج شخصية تلقفية بتعبير أريك فروم ، وتعود جذورها إلى التاريخ القديم مع الصيد والتقاط الثمار ، وهي جشعة بطبيعتها ولا تعرف الشبع والكفاية أو راحة البال .
القانون الصارم ، ينتج شخصية سادية بالتعبير الفرويدي ، وهي تضحي بالرحمة وتكتفي بعبادة القانون والشعار ، وهي شخصية مهووسة بطبيعتها ، ولا تعرف الهدوء وراحة البال .
( المثال مأخوذ من كتاب الذكاء العاطفي _ سلسلة عالم المعرفة ) .
.....
الخلاصة
يمثل الشعور هوية الفرد (امرأة أو رجل ) العميقة والحقيقية ، وهو يختلف من فرد لآخر ، كما تختلف زمر الدم ولون البشرة ودرجة الطول ولون الشعر ،... وغيرها من الصفات الفردية المتباينة إلى حد التناقض . بعبارة ثانية الاختلاف الفردي أوسع واعمق من بقية الاختلافات الاجتماعية أو الثقافية أو العرقية وغيرها ، وأكثرها أهمية الشعور الفردي الثابت أو العاطفة .
العاطفة الفردية تمثل الاتجاه الثابت للشخصية ، وتجسد القطب المقابل للأحاسيس والانطباعات الآنية والعابرة التي تلتقطها الحواس بشكل عشوائي وبلا تحديد ، بينما الشعور هو المجال المتوسط والاعتيادي ، بين العاطفة الثابتة وخبرات الحواس المختلفة ( اللاواعية وغير الشعورية لا تقل أهميتها عن الوعي والشعور والإرادة في الأوضاع العادية واليومية ) .
من خلال أبحاث سابقة توصلت إلى نتيجة ، تمثل خلاصة ملاحظتي المتكررة ، وربما تصلح لتصنيف ثلاثي بين الأفراد بدلالة الشعور _ والعلاقات الثنائية خصوصا ...
1 _ المستوى الأولي ، الذي تلخصه العبارة :
مشاعرك مسؤوليتك ، ومشاعري مسؤوليتك أيضا .
بالطبع هذا الموقف النموذجي لصغار الأطفال ، ولن أدخل في تفاصيل خارج الموضوع ، لكن مع الشخصية البالغة يكون هذا الموقف _ خلال تكراره الثابت _ عرض ودلالة أكيدة على مرض نفسي وعقلي شديد التطرف والخطورة .
في هذا المستوى المعرفي _ الأخلاقي من التنظيم العقلي لشخصية الفرد ، تكون العلاقات الاجتماعية المختلفة التي تربطه بغيره من الدرجة الدنيا ، وتمثلها معادلة :
1 + 1 يساوي أقل من 1 .
أعتقد _ أن الانفصال أفضل حل مع شخصية في هذا المستوى ( لأنها تحتاج إلى معالجة متخصصة وطويلة الأجل ) .
2 _ المستوى الثاني ، الذي تلخصه العبارة :
مشاعرك مسؤوليتك ، ومشاعري مسؤوليتي _ والعكس صحيح .
هذا النموذج ، والمستوى من العلاقات تحقق خلال القرن العشرين بشكل فعلي في الدول والمجتمعات الحديثة .
وتمثله معادلة :
1 + 1 يساوي اكثر من 1 وأقل من 2 .
أعتقد أن هذا المستوى من التنظيم العقلي والاجتماعي للعلاقات المتنوعة ، يتوافق مع مرحلة الفكر الثنائي ( القومي والديني والجنسي وغيره ) . يمثل علاقات الحاجة ، مع أنه يرتفع بدرجة حقيقية عن علاقات الخوف السابقة ، لكنه يبقى دون مستوى علاقات الحب .
3 _ المستوى الثالث ، وتلخصه العبارة :
مشاعرك مسؤوليتي ، ومشاعري مسؤوليتك _ والعكس صحيح دوما .
هي علاقات الحب ، والاحترام عتبتها الثابتة .
وتلخصها المعادلة الذهبية ، التي تمثل الشوق الإنساني الجوهري :
1 + 1 يساوي اكثر من عشرة آلاف .
....
بقيت ملاحظة تمهيدية أيضا ... الفرق بين نظام القيم الإنساني ونظم الأخلاق الاجتماعية ؟!
بعد أبحاث عديدة ومديدة حول الموضوع ، توصلت إلى نتائج خلاصتها :
_ الأخلاق عادات اجتماعية ، متناقضة بطبيعتها ، هي ضرورية لنمو شخصية الفرد وانتقالها من التنظيم الأولي للعقل ( النرجسية ) ، إلى الثنائية والجدل المنطقي .
النظام الأخلاقي دوغمائي بطبيعته : نحن نمثل الخير والصواب _ وهم الشر والخطأ .
النظام الأخلاقي دائري ، يتمركز حول المساواة والأخوة ، يشبه اللغة إلى درجة المطابقة .
_ القيم إنجاز فردي ، وهي مشتركة بين الثقافات والمجتمعات المختلفة بلا تمييز .
نظام القيم ، يتكشف بوضوح متزايد مع تطور الفرد والمجتمع .
السعر أو الثمن يمثل القيمة الموحدة في عالمنا المعاصر .
تنظيم العلاقات الاقتصادية ( المالية بالتحديد ) هو الأكثر تطورا في عصرنا ، وهو يحدد الاتجاه الثابت لحركة الانسان على المستويين الفردي والاجتماعي باتجاه الغد .... ذلك هو المنجز المعرفي الأصيل لماركس ، تفسير وفهم العلاقات الإنسانية بدلالة الاقتصاد .
....
الغد مصدر اليوم والوقت .
الغد مصدر ثابت للجديد ، والمصادفة وما هو خارج الوعي ويفوق الوصف والتخيل .
اليوم مصدر الأمس والماضي كله ، بدوره الماضي مصدر الحياة والتطور .
اليوم مصدر ثابت للسلاسل السببية التي تمثل نصف اليوم الحاضر عبر الآن _ هنا .
التوازن بين اليوم والغد مشكلة الانسان ، الفرد أولا .
يعيش الفرد حياته بين هاويتين :
_ الانفصال عن الغد ، أو الغرق في الملذات والحلول الشعورية الوهمية .
_ الانفصال عن اليوم ، أو الغرق في الخيالات والأوهام والحلول السحرية .
الانفصال عن الغد ، تمثله حياة المقامرة والطيش ....ويتضاعف يوما بعد آخر .
الانفصال عن اليوم ، تمثله حياة التعصب والتقوقع ... وينكمش يوما بعد آخر .
....
خلاصة جديدة _ متجددة
العلاقة بين الصحة النفسية وبين القيم والأخلاق ؟
توجد علاقة ثابتة ، بين الصحة النفسية وبين القيم الإنسانية المشتركة ، مباشرة ومتجانسة .
المشكلة في الأخلاق دوما ، هي مزدوجة وعنصرية بطبيعتها .
الحل في مهارة اكتساب القيم دوما .
العيش وفق القيم الإنسانية ، يحقق معادلة الصحة النفسية والعقلية الدينامية والمتكاملة :
الغد أفضل من اليوم .
العيش وفق الأخلاق ، يرجح اليوم على الغد بشكل متطرف وخطير .
على النقيض من العيش وفق معيار القيم ، يعطي الأفضلية للغد على اليوم ، ومع ذلك ليس على حساب اليوم .
يوجد توازن مدهش ويفوق التخيل ، بين القيم الإنسانية الكثيرة والمتنوعة والمختلفة !؟
بينما الأخلاق هي اعتباطية ولاعقلانية بصورة مباشرة وثابتة :
مثال على الأخلاق الختان ، أو الامتناع عن نوع محدد من الطعام وغيرها ، ... عقل طفل _ة في العاشرة يدرك ، وبسهولة ، العشوائية في التفضيل الأخلاقي بين البشر .
بينما القيم نظام معرفي _ سلوكي ، يتشابه بين الثقافات والمجتمعات المختلفة إلى درجة تقارب التطابق ....وتشبه المعجزة .
مشاعرك مسؤوليتك _ الاتجاه المشترك لنظام القيم الإنساني منذ عشرات القرون .
....
غدا أجمل