هرمُ الإسكندرية ... والشيخُ سيد

فاطمة ناعوت
2018 / 8 / 21




لا شكَّ عندي في أنّ مصرَ العظيمةَ كانت في بال المؤرخين الألمان؛ حين أطلقوا لقب (The Three “B” Pyramids of Germany) على ثلاثة من عظماء ألمانيا تبدأ أسماؤهم بحرف: "الباء" B. فالأهرامات المصرية الثلاثة شيءٌ حضاريٌّ فريدٌ وحصريّ، لا يخصُّ إلا مصرَ الجميلة وحدها، ربّةِ أعظم حضارات الأرض. لهذا استعارَ الألمانُ العبارةَ الرمزية: "أهرامات ألمانيا الثلاثة"، ليعبّروا بها عن قاماتٍ موسيقية أسطورية هم: (بيتهوڤن- باخ- برامز). ولكنْ، هل بالفعل لا تمتلك مصرُ إلا أهراماتٍ ثلاثةً، وفقط؟ بالقطع لا. فعطفًا على الأهرامات الثلاثة الشهيرة، وأكثر من مئة هرمٍ حجري قديم آخر شيّدها أجدادُنا المصريون القَدامى؛ لحماية مومياوات الملوك وحراستهم في رحلة "الخروج إلى النهار" حيث الموت والبعث والأبدية، ثمّة أهراماتٌ حجرية حديثة، شيّدها المصريون المعاصرون؛ تنافسُ الأهرامات القديمة عظمةً وأسطورية. في القاهرة يتمُّ الآن تشييد هرم مصريّ عالمي هائل، هو "المتحف الكبير" على هضبة الأهرام، وفي الأسكندرية ثمّة هرمٌ أسطوريٌّ عالمي هو "مكتبة الأسكندرية الجديدة"، شُيّدت على مقربة من أطلال مكتبة الأسكندرية القديمة (ببليتيكا دي لو أكسندرينا)، التي شُيّدت قبل أربعة وعشرين قرنًا، في عهد الإسكندر الأكبر وخلفائه من البطالمة، كأول وأعظم وأضخم مكتبة عامة في التاريخ، ضمّت بين جناحيها وقتئذ 700 ألف مخطوطة تاريخية نادرة، وجميع مؤلفات أرسطو وهوميروس، وتعلّم على مقاعدها عظماءُ الفلاسفة والعلوم مثل أرخميدس وإقليدس وأفلاطون وهيروفيلوس وهيباثيا وجالينوس وأبولونيوس وغيرهم، ولم يكن يُعترفُ بأي فيلسوف أو عالمٍ، في العصور القديمة، حتى يُحصِّل علومَه ويبني عقلَه من فرائد تلك المكتبة وأمّهات مجلداتها.
وكلّما دخلتُ هرمَ الإسكندرية الحديث، أطمئنُ إلى أن مجدَ أجدادي، السَّلف الصالح، موصولٌ غيرُ مقطوع، وأن أمّي العظيمةَ مصرَ، تعودُ إلى مجدها العريق يومًا بعد يوم. من الدور الخامس بالمكتبة، وبعد تناول وجبة العشاء الشرفيّ مع مدير المكتبة د. مصطفى الفقي، السياسي والمثقف الموسوعيّ، وقادة حزب الوفد، وقفتُ لأنظر من عَلٍٍ، بعين طائر، إلى معجزة معمارية تُطلُّ بوجهها على العالم عبر صفحة المتوسّط الزرقاء. 93 ألف متر مربع من خشب السنديان الثمين، تكسو أرضيات أكبر قاعة قراءة عامة في العالم. أرفعُ بصري لأعلى لأتأمل السقفَ المرفوع على 93 عمود تيجانُه زهرة اللوتس الخالدة، تخترقه نوافذُ سماويةٌ تُكَّحِلُها عواكسُ مثل جفون العيون لتكسرَ أشعة الشمس المباشرة لئلا تؤذي عيونَ القُراء على مقاعد المطالعة. أجولُ ببصري في أرجاء المكتبة وأتأملُ الفتحات المستطيلة المحفورة في جدرانها؛ تُشبه الأرففَ التي كانت تحفظُّ رولات المخطوطات النادرة في المكتبة القديمة ببليتيكا، لكنها اليوم تُشتّتُ الصوتَ وتكسِّر الصخبَ لكي تتدثّرَ المكتبةُ بثوبٍ رافلٍ من الهدوء والسكينة. وهكذا يتناغمُ الشكلُ مع الوظيفة في علاقة روحية متناغمة لتتحقق العمارةُ المثالية كما تعلّمناها في كلية الهندسة: Form and -function- should join in spiritual -union-. ترتاحُ العينُ والأُذنُ وتهنأ القراءةُ.
بدأتُ المقالَ للحديث عن الشيخ سيد، فاستلبتني المكتبةُ التي لا ينتهي الحديثُ عنها. وأمّا الشيخُ سيد، فهو أحدُ أهرامات مصر البشرية: سيد درويش عبقري الموسيقى. وأما مديرُ هرم الإسكندرية، د. مصطفى الفقي، فقد قرر أن يحتفل بمؤية ثورة 19، بطريقة مبتكرة. فأقام في مسرح الهرم/ المكتبة، حفلا غنائيًّا ثريًّا؛ دعا إليه رموزَ حزب الوفد، مُفجّر الثورة الليبرالية المجيدة، وأحياه حفيدُ سيد درويش، المطرب المهندس الموهوب إيمان البحر درويش، الذي ذكّرنا بأمجاد الجَدّ الخالد، وغنّينا معه الأغنيةَ الساحرة الماكرة التي ناجى فيها الشعبُ المصريُّ زعيمَه "سعد زغلول" في منفاه، بعدما أصدر المحتلُّ الإنجليزي وقتها فرمانًا بمنع الهتاف باسمه أو المطالبة بعودته. ومَن يقدرُ على قمع شعب مصر الذكيّ المبدع؟! على نغمات عظيم الموسيقى "سيد درويش"، غنّى الشعبُ كلمات العظيم "بديع خيري": يا بلح زغلول/ يا حليوة يا بلح/ يا زرع بلدي/ عليك يا وعدي/ يا بخت سعدي/ زغلول يا بلح/ عليك أنادي/ في كل وادي/ قصدي ومُرادي/ الله أكبر/ عليك يا سُكّر/ يا روح بلادك/ ليه طال بُعادك/ تعا صون بلادك/ زغلول يا بلح/ سعدي وقال لي/ ربي نصرني/ وراجع لوطني/ يا حليوة يا بلح.”
تحيةَ احترام لهرم الأسكندرية الشاهق، ومديره المثقف، ولأهرمات مصر الحجرية والبشرية القديمة والراهنة، وتحيةً من قبل ومن بعد لمصر صانعة الأهرامات الحضارية والإنسانية، تلك التي وقفت على أولى درجات سُلَّم التاريخ، وعلى درجات اللحظة الراهنة، وإلى درجات نهاية الزمان، بإذن الله.
***