دموعٌ على جديلة … وآيسبرج على حُفاة!

فاطمة ناعوت
2018 / 8 / 20



ما تلك الهشاشةُ والانبطاح التي تجعلُ ذكرًا يذرفُ الدمعَ وينشجُ في النحيب؛ حين يلمحُ طرفَ جديلةٍ أطلقتها صَبيةٌ للنسيم لتتنفس؟! يبكي لأن جديلةَ تتواثبُ حول صَبيّة كما تتواثبُ فراشاتٌ حول زهرة! لونٌ مدهشٌ من التمثيل والادعاء الرخيص! وحين نعرفُ أن تلك الصبيةَ ليست ذات قُربى لذلك الذكر من قريبٍ أو بعيد، تزدادُ الدهشةُ من حجم التمثيل الهابط. وحين نعرفُ أن ذلك الذكرَ يتحوّل فجأةً من بَكّاءَ نَوّاحٍ ذرّافِ دمعٍ، إلى جبل من الجليد الصقيعيّ حين يرى قدمين مُصدّعتين بالشقوق لطفلة حافية جائعة، ترعى في صناديق القمامة، تتحوّلُ الدهشةُ في عقولنا إلى رواسبَ صلدة من الاشمئزاز من ذلك الممثل الفاشل الذي أخفق في كسب تعاطفنا مع دموعه الكذوب. نجدُ أنفسَنا أمام معادلة تشقُّ على نيوتن وقوانينه: دمعٌ ساخنٌ على خصلة في رأس فتاة، وآيسبرجُ باردٌ أمام جُرجٍ في قدم طفلة! كيف اجتمع النقيضان ال Don t mix ؟! إنها حُنكةُ التمثيل.
وفي مقابل تلك الركاكة التمثيلية، نجد نضوجًا مشهودًا في الوعي الجمعي المصري الذي رفض تصديق ذلك "الذكر" فأوسع لحيتَه المبتلّة بالدمع سخريةً، وانتفض في وجهه قائلا: للفتاة ربٌّ يحميها من هوسك الشبقيّ الذي أراق دموعَك على خيط نسيج ولم يُرقه على دمٍّ متجلّط في عروق الحُفاة من أطفال المسلمين يعيشون في عشش الصفيح ويعتاشون على حُشاش الأرض ونفايات الأغنياء، الذين أنت منهن أيها الباكي.
وثَمَّ "ذكرٌ" آخرُ ظهرَ مبتسمًا في برنامج "العاشرة مساءً" يُدافع عن دموع ربيبه قائلاً: إنما الدموعُ على "التهتك وانعدام الستر". وحين هاجمته سيداتٌ من ذوات الرجاحة والنُهى قائلات: “وأنتَ مالك؟ خليك في حالك! كلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة” انكمش في مقعده وجَبُن، وقال: “نحنُ لا نُجبر النساءَ على التخفّي في نقابٍ أو التواري في حجاب. إنما هي النصيحةُ النَّصوحُ.” كذبتَ أيها الذَّكر! إنما تزعمُ "النصيحةَ" لأنك لا تملكُ أكثر منها، في الوقت الحاضر. ولو تمكّنتم أذللتم. تحلُمون بعهد "التمكين"، وإن حدثَ لأشبعتم النساءَ وَيْلاً وسِبايةً واسترقاقًا وامتلاكَ يمين، كما فعلت داعشُ السوداءُ. تحلمون بأستاذية العالم، وإن حدث لأشبعتم البشرَ تهجيرًا وإذلالاً وذبحًا، كما فعلت داعشُ السوداءُ . تحلمون باستعمار الأرض؛ وإن حدث لنشرتم الجهل والمرض والفقر والتضخم والظلام في أرجاء المعمورة، كما فعلت داعشُ السوداءُ. أنتم "داعش" ذاتُها، ولكن دون سلطان. ينقصُكم السلاحُ وسقوطُ النظام وغيابُ القانون، فيحدث "التمكينُ" وتصبحون داعشَ. تمكَّن "طالبان" من أفغانستان ففجّر مجرمون منهم تمثاليْ "بوذا" اللذين لا يُقدّران بثمن. وفي مصرَ جاء من بين ثنايا خيامكم ذكرٌ أرعنُ اسمُه "صائمُ الدهر"، هشّم أنفَ أبي الهول. ولولا رحمةٌ من الرحمن أثارت من حوله زوبعةَ رمالِ عاصفةً؛ فارتعب المجرمُ وولّى الأدبارَ إذْ ظنَّ لجهله أنها "لعنةُ الفراعنة"، لحطّمَ التمثالَ الخالد كاملاً، ولاختفى من الوجود أثرٌ عزّ نظيرُه واستحالَ شبيهٌ، بين خوالد الحضارات. وفي عام الإخوان الأسود على مصر الطيبة، وثبَ "ذكرٌ" من أربابهم رامَ هدمَ آثار حضارتنا المصرية! لماذا؟ لأنها "أوثان" (!!!) وحين سخر المصريون منه، تراجع المجرمُ خطوةً للوراء واقترح تغطية التماثيل بالشمع؛ لكيلا تفتن البشرَ فيعبدونها من دون الله، أو يشتهونها من دون الغلمان!
أيها الذكور المنتحبون على جدائل الصبايا، ليست دموعُكم على دِين أو إيمان أو تُقًى، إنما على أطلال ممالكَ شيدتموها عقودًا وسنواتٍ في عقول البسطاء بالكذب على الله، فصدّقوكم برهةً ثم استفاقوا وانفضّوا عنكم ولفظوكم كما تلفظُ القدمُ نعلاً باليًا. ويا أيتها الصبيةُ التي أطلقت جدائلها للنسيم، كوني كما تريدين أن تكوني؛ ولا تعيري المنافقين بالاً، فاللهُ كاشفُهم وكاشفُ عيونهم الجوعى التي تُثير جنونَها الشهواتُ ولا يعبأون بالفقر والعوز والجوع والمرض والبغضاء ترعى من حولهم في مجتمعاتنا التعسة بهم.

***