بمناسبة الذكرى ال78 على اغتياله نعيد نشر:مقال تروتسكي: في ذكرى اغتياله من طرف عميل ستاليني-:بقلم ارنست ماندل

تيار الكفاح العمالى - مصر
2018 / 8 / 20

.كان يزعم انه بلجيكي يسمى جاك مورنار Jacques Mornard . وكان كاتالونيا يسمى رامون مركادير Ramon Mercader، وكان ستالين يوجه ساعده.

في اليوم الثاني و العشرين من شهر أغسطس العام 1940 حطم معول لتسلق الجبال جمجمة ليون تروتسكي اللاجئ الى المكسيك منذ العام 1937. صرح القاتل لرجال الشرطة ان اسمه جاك مورنار وانه مواطن بلجيكي. لم يكن منفذ الاغتيال هذا منظمه الوحيد. بفضل ارتباطه بالشابة التروتسكية سيلفيا أجيلوف Sylvia Ageloff ،تمكن من سيكون قاتل تروتسكي من كسب ثقة من كانوا يسهرون على أمن المنفي الشهير. فقد جرى استقباله مرارا، تحت اسم فرانك جاكسون، في منزل كويواكان المحصن (بضواحي ميكسيكو).

قبل الاغتيال باشهر، كانت محاولة اولى قد فشلت. ففي يوم 24 مايو من العام 1940، على الساعة الرابعة صباحا، قام كوماندو من زهاء عشرين رجلا بالتسلل الى المنزل، ورشق طيلة دقائق عديدة غرفة تروتسكي بالبنادق الرشاشة، والقى قنبلتين حارقتين وكذا قنبلة موقوتة. وباعجوبة لم يسقط قتيل ولا جريح. كان تروتسكي وزوجته ارتميا تحت السرير، ومثلهما فعل حفيدهما سييفا.

من كان جاكسون هذا؟ ثارت الصحافة الستالينية ونشرت فرضية أن تروتسكي إنما افتعل الاعتداء كي يثير الكلام عن نفسه وكي يفتري على الحزب الشيوعي المكسيكي وعلى ستالين. وبعد شهر من هاته الأحداث، جرى اعتقال ثلاثين شخصا، معظمهم أعضاء بالحزب الشيوعي ومن قدماء المشاركين بالحرب الأهلية الاسبانية. وكان المسؤول في حالة فرار: انه الرسام لشهير دافيد ألفارو سيكايروس، عقيد سابق باسبانيا، كان تروتسكي يعتبره عميلا للغيبيو (المخابرات الستالينية) منذ العام 1928. وسيثبت التقصي لاحقا ان سيكايروس وفرانك جاكسون كانا متعارفين منذ أيام اسبانيا.

"هوية فرانك جاكسون"

من كان إذن فرانك جاكسون هذا؟ لزم انصرام عشر سنوات لكشف هويته الحقيقية. وجدت بجيبه رسالة لتفسير دوافع ما أقدم عليه: يقدم نفسه في الرسالة كمناضل تروتسكوي خاب أمله، وتقزز من الرجل ومما يقترح عليه من إرساله الى الاتحاد السوفييتي لاقتراف أعمال تخريب، ولتثبيط همة الجيش الأحمر، ومحاولة قتل ستالين. ولانجاز هذا كله سيستفيد من دعم أمة كبيرة (يقصد الولايات المتحدة ، لأن تروتسكي لا يمكن ان يكون عميلا لهتلر بسبب المعاهدة الألمانية السوفييتية).

كل هذه الاتهامات تبنتها مختلف الأحزاب الشيوعية طيلة أربعين عاما. وفي العام 1969 كان ليو فيغريس Léo Figuères ، من قادة الحزب الشيوعي الفرنسي، لايزال يكررها في كتابه “التروتسكية، هذه الحركة المناهضة للينينية”. لما ظهرت صور القاتل في الصحافة، اعتقد العديد من قدماء الحرب الأهلية الاسبانية (لجأ الكثير منهم الى المكسيك) التعرف على المناضل الشيوعي رامون ميركادير. لكن لزم انتظار العام 1950 ليحصل التيقن المطلق من ذلك: جرى ذلك لما ذهب عالم إجرام لدى الحكومة المكسيكية للقيام ببحث في اسبانيا، مستفيدا من انعقاد مؤتمر في أوربا. قام بمقارنة بصمات جاكسون مع بصمات الشاب الشيوعي الكاتالاني رامون ميركادير المعتقل في العام 1935: كانت متطابقة تماما.

في العام 1953، سنة وفاة ستالين، حل اسم ميركادير مكان جاكسون-مورنار في كل الأوراق الرسمية. كانت والدة القاتل، كاريداد ميركادير، مناضلة معروفة في الحزب الاشتراكي الموحد لكاتالونيا، المرتبط بالأممية الشيوعية. استقطبها إلى الغيبيو المدعو جيرو Gerö---، القائد الستاليني المجري لاحقا. وكان أصبحت، عبره، عشيقة ليونيد ايتينغون Léonid Eitingon الجنرال بالمخابرات الستالينية، والمختص في تصفية الديبلوماسيين السوفييتيين المشبوهين والمناضلين غير المؤكدين.

قضى رامون ميركادير عقوبة سجن عشرين عاما في المكسيك ، وهي أقصى ما يسمح به قانون البلد. وعند مغادرته السجن، في العام 1960، ذهب الى تشيكوسلوفاكيا عبر كوبا، ثم إلى موسكو حيث اعتبر “بطلا للاتحاد السوفييتي” ووشح “بوسام لينين”. ودفن في موسكو في العام 1978 دون أن يكون تكلم.

"أمر ستالين"

باتت أبوة ستالين في الجريمة معترفا بها حاليا من قبل الجميع، حتى السوفيات والحزب الشيوعي الفرنسي. في العام 1978، نشر فالانتان كامبا، من قادة الحزب الشيوعي المكسيكي، مذكراته. كان قد جُرد من مسؤولياته الحزبية في العام 1940 بسبب ضعف تحمسه لمشاركة حزبه في إعداد عملية الاغتيال. نشرت جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي، لومانيتيه، يومي 26 و 27 يوليو 1978، مقتطفات من تلك المذكرات، حيث يؤكد كامبا أن ستالين هو الذي أمر فعلا بقتل تروتسكي. لكنه لم يكشف أي شيء لم يكن معروفا، وبوجه خاص لم يقل من كان المنظم الرئيسي. وكان أوج السخرية ان تقديم الوثيقة أُسند الى الشيخ الستاليني جورج فورنيال. والحال ان المدرس الشاب جورج فورنيال كان قد فُضح من قبل الصحافة التروتسكية، مند فبراير 1938، بصفته عميلا لمخابرات ستالين.: كان آنذاك قد حصل على ستة أشهر من العطلة ليقوم بتمثيل نقابة أجراء التعليم في المكسيك.

مهما يكن من أمر، أُتيح للمناضلين القدامى أن يعلموا، مع تأخر طال 38 سنة، أن قادتهم المحبوبين لم يكونوا كذابين وحسب بل حتى قتلة. وستكون قيمة من مستوى آخر للكتاب المرتقب الذي يعده الجنرال فولكوغونوف، مدير معهد التاريخ العسكري للاتحاد السوفييتي الذي كتب حديثا سيرة لستالين. في مقابلة مع جريدة Stampa (عدد 26 يوليو 1990)، أكد أنه وصل إلى أرشيفات عديدة، منها الخاص بتروتسكي، الذي يضم 40 الف وثيقة و آلاف الصور، وعشرات الشهادات. وسينشر بعضها، لا سيما الأمر باغتيال تروتسكي، المؤرخ بسبتمبر 1931 و الموقع من طرف ستالين وفوروشيلوف ومولوتوف و اورجنكدزه. وقد جرى تجديده في العام 1934.

وكشف أخيرا فولكوغونوف اسم منظم عملية الاغتيال، الذي كان يعمل بأوامره، إنه ايتانغون (جنرال مخابرات ستالين الذي كانت كاريداد، أم قاتل تروتسكي، عشيقة له). يبلغ هذا الرجل خمسا وثمانين سنة من العمر وقد قضى خمسة عشر سنة بالسجن بمبادرة من خروتشوف. وقد تمكن فولكوغونوف من جعله يتكلم. كان القرار الأول بقتل تروتسكي اتخذ في شهر سبتمبر 1931، لكنه كان ذا طابع عام، بينما في العام 1934 تم تشكيل فريق خاص لمطاردة تروتسكي… كانت مهمة الفريق الخاص تصفية الخصوم السياسيين بالخارج، وليس تروتسكي وحده. كان لأخطبوط مخابرات ستالين مجساته بكل مكان . فقد كانت مخابرات داخل المخابرات محدثة لمحاربة المنفيين الذين كانوا من جانبهم يناضلون ضد نظام ستالين. كانت تلك الشخصيات خطيرة على نظام ستالين، لأنها كانت تعلم أمورا كثيرة.

طمأساة ملهاة"

مخلصا لفكر غورباتشوف، يأخذ الجنرال فولكوغونوف على تروتسكي ، مع إعجابه بأوجه عديدة من شخصيته (لاسيما مناهضته لستالينية منذ سنوات العشرين)،مأخذا أساسيا إذ يقول عنه إنه ” كان سجين فكرة خاطئة كبيرة، فكرة الثورة العالمية. فحتى قبل أسبوع من موته كتب انه يؤمن بانتصار الثورة العالمية” . نعم أيها الرفيق الجنرال، كانت لتروتسكي نقطة الضعف تلك التي كان يشتركها مع لينين الذي سيكون موضوع كتابك المقبل. وعلى العكس، منذ العام 1935، صرح ستالين لروي هووارد ان فكرة إمكان تشجيع الاتحاد السوفييتي للثورة الاشتراكية العالمية هي من قبيل المأساة الملهاة. ربما تفهم ذات يوم أنك إن كنت تستطيع تهنئة نفسك بالكتابة بحرية ، وإن كان أقران ستالين قد كُنسوا بكل مكان تقريبا بأوربا فلان الفكرة الخاطئة الكبيرة لا زالت موضوع تثير الكلام عنها.

صدر المقال بجريدة لا غوش -19 سبتمبر 1990

ترجمة: المناضل-ة المغربhttps://www.almounadila.info/wp-content/uploads/2016/08/Trotski.jpg