مهزلة الخلافات الحزبية .

يوسف حمك
2018 / 8 / 19

كثيرون ممن خرجوا من العمل الحزبي طواعيةً ، لا مكرهين و بمحض إرادتهم . بسبب الانشقاقات أو الخلافات الشخصية ، أو عند اضطراب الحالة السياسية و تضاؤل فرصة تحقيق طموحاتٍ من أجلها يناضل الرفاق ضمن بوتقة الحزب .
أعضاء اللجنة المركزية للحزب منهم الساذج و الواعي ، و الجبان و الشجاع ، و الأناني و المتفاني ، و المستهتر و الملتزم ، و المخلص و الخائن .
و هذا ما ينطبق على القواعد أيضاً .

تحتدم المنافسة بين الرفاق ، فتنقلب صراعاً أو كلاماً عبثياً ، لا حواراً و نقاشاً مبنياً على تبادل الاحترام .
يتبعون أساليب غير متوازنةٍ في معالجة تلك الحالات المستعصية ،
يزداد الحزب تأزماً . و الهوة تتوسع بين القيادة و قواعد الحزب .

فيبادر الرفاق بتشهير مسؤوليهم بشراهةٍ دون الأطر الشرعية ،
و خارج أسوار الحزب . مما يصبح أشد وقعاً على النفس ، و أعظم
نكسةً للمعنويات ، و أعمق حقداً في الصدور ، و أكثر انتشاراً للفوضى .

و يزداد الطين بلةً حينما تتفاقم الأزمات الداخلية للحزب أكثر من الضغوطات الخارجية .
و في مثل هذه الظروف الحرجة يزداد الصراع بين من يريد إصلاحاً
حقيقياً ، و من يريد إبقاء كل شيءٍ على حاله ، لضمان بقائه في مركزه ،
فما بالك بمن يملك سلطة القرار - و هنا أعني الصقور - و من تبوأ مركزاً
لا يستحقه .
مع أن أغلب الفاعلين لهم ارتباطاتٌ أمنيةٌ ، لا تلوي ذراعهم أية عاصفةٍ
تهب عليهم مهما كانت قويةً .

توجيه النقد من قبل العضو الحزبي للمسؤول ينقلب صفعةً على وجه الناقد ،
بإيقافه عن العمل الحزبي لفترةٍ ، أو بالفصل و الطرد ، أو إقصائه نهائياً .
و هناك يرى من الأفضل غض الطرف عن تلك الأخطاء ، و قبوله بالأمر الواقع ، ليصبح أداةً طيعةً كالعجين ، و تابعاً اتكالياً يتحتم عليه التلقين لا
الابتكار ، فيستحسن الافراط في مديح القائد الرمز .

الجميع اعتادوا على قول ( نعم ) . أما ( لا ) فقنبلةٌ موقوتةٌ إن استفحل
و غدا تمرداً جماعياً ، و يصبح وباءً لهلاك المسؤولين الذين ليس أبغض
على قلوبهم من النقد ، أو قول ( لا ) .
ففي عرفهم الناقد و الممانع فاسدان ، يستوجب التخلص منهما .

و الحزب يستبد و يطغى إن انتزع السلطة ، و حكم البلاد في شرقنا المنحوس . فيستولي على كل مفاصل الحياة ، و يصطاد صقوره
كل صغيرةٍ و كبيرةٍ .
فلا تقديم شعرةٍ أو تأخيرها إلا بإذنٍ منهم . و ما يفوق ذلك فمن اختصاص
كبيرهم و مرشدهم و ملهم أفكارهم .

علماً أن الحزب حسب دستوره و نظامه الداخلي يصارع من أجل
الديموقراطية ، و بناء مجتمعٍ ديموقراطيٍّ تعدديٍّ .
لكنه يلجأ إلى اتخاذ مواقف انتقائيةٍ حسبما تنسجم مع مصالح فئةٍ قليلةٍ ،
أو شخصٍ دون عامة الرفاق .
و تبقى الديموقراطية شعاراً براقاً يجترها قادة الحزب بخبثٍ و نفاقٍ .
و المثالية تنطلق من رؤوس الألسن ، و لا تتدفق من القلوب النقية .
أما الوطن فيتلقى طعناتهم من الخلف ، و يظل وحيداً في مواجهة
الهجمات الخارجية و الداخلية ، و يساهم الجميع في تمزيقه و تفتيته .
و الشعب أكبر كذبةٍ يتفوه أو يتفاوض باسمه القادة و المسؤولون .