تجربة علي سلام غيرت واقع مدينة الناصرة

نبيل عودة
2018 / 8 / 18

تجربة علي سلام غيرت واقع مدينة الناصرة

نبيل عودة

• الاختيار الصحيح لرئيس سلطة محلية يتجاوز بقيمته وجوهره العائلية والطائفية والتنظيمات الحزبية.
• الأحزاب بدل ان تفرض أجندتها السياسية غير العائلية وغير الطائفية، أصبحت تقيم حساباتها على قاعدة عائلية وظائفية.
• اختاروا الممثل الذي يبرز كابن البلدة التي يعيش فيها وليس كممثل عائلة، ليس كممثل طائفة وليس كممثل حزب سياسي.
• أسطورة نركسوس تشرح حالة أنماط من الناس يعيشون معجبين بأنفسهم حتى لو اثبتت كل المعطيات ان اعجابهم الذاتي بأنفسهم لا أثر هام له في أوساط الأكثرية المطلقة من أبناء مجتمعهم.
*********
نحن مقبلون على انتخابات للسلطات المحلية، ما نطمح اليه ان نختار رئيسا للسلطة المحلية يكون قادرا على رعاية مصالح اهل بلده، وتوفير الخدمات المطلوبة لهم، بكل تعدداتها، وليس سرا ان السلطات المحلية هي المشغل الأكبر في الوسط العربي، وهذا يجعلها ذات دور اقتصادي -اجتماعي هام للغاية. ولا أنكر أهمية الوصول لرئاسة سلطة محلية، لكني أشد ما اراه سلبيا ان يصبح كرسي الرئاسة هو الهدف وليس الخدمات.
لا شك ان الاختيار الصحيح لرئيس سلطة محلية يتجاوز بقيمته وجوهره العائلية والطائفية والتنظيمات الحزبية. اسمع عن برايمرز داخل عائلة لاختيار مرشح لرئاسة سلطة محلية، أشعر بالأسف على هذا الدرك الذي وصلناه. ممثل العائلة قد يكون مناسبا، لكن الفكرة سلبية جدا وتقود الى ظاهرة اجتماعية عائلية تحمل الكثير من السلبيات للبلدات العربية والمجتمع العربي، نفس الأمر عند طرح مرشح طائفي .. في بلدة من طائفتين او أكثر. هذه الظاهرة سيئة وسلبية. لست ضد أي مرشح لمجرد كونه من عائلة او طائفة، لكني ضد مرشح يطرح نفسه كممثل عائلة او كممثل طائفة.
مع الأسف في السنوات الأخيرة بدأنا نلاحظ ان الأحزاب بدل ان تفرض أجندتها السياسية غير العائلية وغير الطائفية، أصبحت تقيم حساباتها على قاعدة عائلية وظائفية، أي اننا كمجتمع مدني حضاري نشد الخطى الى الوراء.
ان مراجعة ملف انتخابات السلطات المحلية العربية في إسرائيل، تبرز مسائل عديدة اثرت تأثيرا سلبيا على تواصل مجتمعنا وتعاضده لمواجهة ظواهر سلبية عديدة. ولا انفي ان بعض ظواهر العنف قد تكون نشأت على قاعدة الفوز برئاسة سلطة محلية، أي انتصار عائلة على عائلة أخرى .. بدل ان يكون الانتصار للوحدة بين العائلات.
أحيانا يطرح اسم مرشح ما كشخص أكاديمي او كشخص سياسي. لكن في التطبيق يتبين انه ملتزم أولا لمجموعته العائلية او الطائفية او الحزبية، ولا ضرورة لأوضح ان بعض السلطات المحلية (حتى أبرزها) أصبحت مقرات عائلية او حزبية.
ما الحل؟
نحن امام تجربة هامة جدا في مدينة الناصرة. وأعني ان رئيس بلدية الناصرة، الذي كان محسوبا على تنظيم سياسي، وخاض الانتخابات كشخص مستقل، وليس كممثل عائلة او طائفة او حزبا سياسيا، اثبت بالتجربة انه الأكثر اخلاصا في تعامله مع مختلف أوساط الجمهور النصراوي. أولا رئيس لا التزام عائلي له، لا التزام طائفي له ولا التزام حزبي له.
من هنا دعوتي الحارة لكل بلداتنا العربية ان يدرسوا بجدية تجربة مدينة الناصرة. اختاروا الممثل الذي يبرز كابن البلدة التي يعيش فيها، ليس كممثل عائلة، ليس كممثل طائفة وليس كممثل حزب سياسي، بل كممثل مقبول من كل العائلات، وللأسف للتنظيمات السياسية اهداف تتجاوز الخدمات الأساسية للسلطة المحلية، لذا كونوا على حذر منها. مع احترامنا لكل من يمثلون قطاعات خاصة، بإمكانهم ان يكونوا عاملا إيجابيا في إدارة السلطة المحلية، وهنا أؤكد انه لا فرق بين عضو بالإتلاف او معارض (خارج الإتلاف) التسمية لا قيمه لها، كل منتخب هو ممثل للسكان، ودوره ليس التخريب لأنه لم يصل الى مبتغاه، بل دفع عملية التطوير والتقدم والخدمات. بكل اسف أقول ان هذا الشرط الخدماتي البسيط، لم يتعلموه في جبهة الناصرة فاختاروا التخريب على المجلس البلدي، وكأنه مجلس يتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني ويمارس الاحتلال والعنف في المناطق المحتلة، ويسقط شرعية اللغة العربية، ويقر قانون عنصري يتنكر للحق في المساواة مثل قانون القوميات. وأقول للمعارضة التي ستكون بعد الانتخابات القادمة في السلطات المحلية، لا تكونوا عاملا مخربا لأن حزبكم او قائمتكم او تنظيمكم فشل ولم تنجحوا بالوصول الى رئاسة السلطة المحلية. بل كونوا عاملا دافعا للتطوير ودعم السلطة المحلية التي اختارها المواطنين. بذلك ترفعون من مكانتكم ودوركم في خدمة مواطنيكم وهو الهدف الأسمى لكل المتنافسين.
اعتقد ان المشكلة تبرز أساسا بظاهرة تسمى بعلم النفس ب "عقدة نركسوس". وهي اشد ظهورا بالتنظيمات الحزبية من أي ظهور آخر لها في أوساط عائلية او طائفية.
أشهر عالم للنفس عرفه التاريخ هو سيجموند فرويد أتخذ من هذه الظاهرة (عقدة نركسوس) موضوعا لإحدى نظرياته المتعلقة بالتحليل النفسي. أصل هذا التعبير "نركسوس" جاء من الأساطير اليونانية. نركسوس كان ابن الإله كيفيسيا والمرأة الفاتنة ليريوبي، كان صيادا أُشتهر بجماله، هذا جعله مغرورا وفخورًا بنفسه لدرجة تجاهله وإعراضه عن كل من يحبه، لاحظت الإلهة نمسيس تصرفه ذاك واخذته إلى بحيرة حيث رأى إنعكاس صورته على مياه البحيرة، ووقع في حب صورته دون أن يدرك بأنها مجرد صورة، لدرجة عجز عن الابتعاد عن النهر، ولم يعد يرغب بالعيش وبقي يحدق بصورته إلى أن مات. طبعا ليس شرطا ان يموت كل مغرور بنفسه او بجماعته. انما النركسوسية أصبحت في عصرنا وفي واقعنا مرضا اجتماعيا وانتخابيا وسياسيا وما شئتم، ويتسم بالغرور والعنجهية.
ان أسطورة نركسوس تشرح حالة أنماط من الناس يعيشون معجبين بأنفسهم حتى لو اثبتت كل المعطيات ان اعجابهم الذاتي بأنفسهم لا أثر هام له في أوساط الأكثرية المطلقة من أبناء مجتمعهم او شعبهم او حتى حزبهم. وتنسيهم أيضًا حبهم وإعجابهم بالآخرين، مما يقود الى انسلاخ الشخص رجلًا كان أو امرأة عن المجتمع الذي يعيش فيه، وبالتالي يكون مجرد شخص محدد القدرات الذهنية والفكرية. محدد الامكانيات لتسويق نفسه، او لا يجد حوله من يسوقه كما يرغب. انا اسمي ذاك ب "النركسوسية السياسية".. وما اكثرها في مجتمعنا ..
بصراحة: ما دفعني لهذا المقال ليس انتقاد أي مرشح يرى نفسه اهلا لرئاسة بلدية الناصرة، كمرشح قائمة او بوهم انه مرشح توافقي، لأن هذه التسمية لا تعني تغيير كبير في المكانة الانتخابية، بل قد تقود الى تراجع كبير في التأييد نتيجة ما ستقود اليه من نزاعات داخل التنظيم السياسي في حالتنا، حين يعزل شخصا منتخبا ليثبت مكانه مرشحا لا ينتمي لتنظيمه..
لو قام كل من قرر ان يرشح نفسه بفهم دوافعه الذاتية، والتجرد من ظاهرة "النركسوسية"، لأراح نفسه واستراح، لأن خوض معركة انتخابية بالاعتماد على الغرور والأوهام التي توفرها أوساطا مقربة له او حتى تنظيمات سياسية، حتى لو كان لها مكانة ما سابقا، هي عملية تقود المرشح الى صدمة الفشل المدوية، والمصاب بالنركسوسية، سيتألم جدا من فشله.. وقد يؤثر ذلك على مكانته الشخصية والاجتماعية فيما بعد.
اعملوا حساباتكم ولا تعتمدوا على حسابات الخاسرين المفلسين والباحثين عن العودة للملعب البلدي على اكتاف اشخاص لم يكن لهم أي دور سابقا، ولن يكون لهم أي تأثير الآن، خاصة بعد التجربة الناجحة جدا والرائدة جدا في السلطات المحلية العربية، تجربة علي سلام في إدارة بلدية الناصرة.
nabiloudeh@gmail.com