أن تحطم صنمًا... (محفوظ وأدونيس؛ الصنم النبيل)

مختار سعد شحاته
2018 / 8 / 14

أن تحطم صنمًا... (محفوظ وأدونيس؛ الصنم النبيل)

علينا النعمة عمكم نجيب محفوظ ما هو عمي:
قرأت كثيرًا من روايات ومقالات الراحل "نجيب محفوظ"، واسمحوا لي أن أجرده من اللقب "عمنا" الذي يتصدر على الدوام قبل ذكره، لكن الحقيقة لم تربَّ ذائقتي الكتابية إثر قراءته وفقط، إذ صادف –ربما قدرًا- أن أنشأ في أسرة مضروبة بجين الكلمات و"عفاريتها"، حتى في صداقتها كانت تتشابه مع أصدقائها في ذلك الجين، والذي رآه البعض في مرحلة ما من حياتي أنه "لعنة"، بل ورجيمة. أثار "نجيب محفوظ" في بداياتي غيرة تُشبه غيرة هرٍّ صغير حين رأى نمرًا عظيمًا، كلما رأى الهرُّ النمر، ظلَّ يسأل نفسه كيف أصبح كذلك، فيما بعد عرفت السرّ، أو ما ظننته مفتاح العبور من كونك هرًّا إلى فضاء عظمة النمر وما أزال في طريقي نحوه. نقل "محفوظ" ببراعة إلى العالم تفاصيل دقيقة لحارته، وبعيدًا عن الكمّ الهائل من الرسائل العلمية حول أدب "محفوظ" والتي ربما يُستثار أصحابها بعد جملتي التالية، ومع كامل الاحترام لما قدمه في بنية اللغة الروائية، إلا أن المأسأة كانت من أهل الغابة الذين فُتنوا بألوان النمر الزاهية، ومجدوا وعبَّدوا أرض الغابة لهذا النمر، بل وجعلوه أوحدًا في كل الغابات، وللحقيقة هو أمر بالغ الاستفزاز لي، وهذا الاستفزاز له شقان، الأول ما أنتجه من مظلومية لدى البعض تعادل المظلومية التي عانها كُتاب القصة القصيرة من يوسف إدريس، وأظن صدر في العام الفائت (2017) كتابًا يحمل الاسم صراحة "ضحايا يوسف إدريس"، والأمر الآخر، هو رفع "نجيب محفوظ" إلى "إله السرد" عند المصريين في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، بينما للحقيقة وبالمعاينة حول ترجماته الكثيرة –ولنعترف بأن لها وجهًا سياسيًا له وجاهته خلال الناصرية- فروايات "محفوظ" المترجمة مثلها في العالم غير الناطق بالعربية مثل غيرها من روايات العالم "الآخر"، حيث تحول "إله السرد" إلى روائي مصري، وذلك دون أن ننس أو يأخذنا الحماس، إذ كانت روايات محفوظ بالأساس أكثر ترجماتها قبل نوبل، ومرهون بالزاوية السياسية التي رأى فيها المترجمون روايات محفوظ سياسيًا بما يخدم توجهًا سياسيًّا وقتها.

"أنا اللي جبته لنفسي":
لماذا بدأت بتلك المقدمة التي ستجر عليّ كما أتوقع حربًا لا طاقة لي بها، وسيرى البعض في جملتي تلك أنه (أنا اللي جبته لنفسي) كما يقول المثل الشعبي في مصر، لكن أليس حقي أن أعلن أن الرجل له في داخلي شجون تتداخل، أولها أنني لم أجعله يومًا –إن جاز التعبير- أبًا روحيًا لي ولكتاباتي، على الرغم من أنني أنا الآخر –وهو حق أدبي وكتابي وإنساني أقوله بملء الفيه- أكتب من منطقة الرجل اللافتة وهي التمحور حول مكانه، إذ أعترف بأنني طوال الكتابة –أينما أكون- أستثمر في المكان بكل طاقتي لأجل المكان، فالمكان وتفاصيله الدقيقة –أي مكان- أعيش فيه يصير أعظم محفزات الكتابة عندي بكل ما يحويه ويحتويه من عناصر أولها الإنسان وآخرها الجماد وبينهما حياة بكل تفاصيلها الدقيقة الخفية والظاهرة المُعلنة، ولكن المحزن في الأمر حين تجد آخرين يستثمرون المكان ذاته، لبنائهم الشخصي والأدبي، أظن تلك نقطة فارقة كانت لنجيب محفوظ وغيره من كبار الكُتاب في العالم شعرًا ونثرًا.
أتوقع كما قلتُ أن يستفز مقالي هذا كثيرين، لكن قبل أن أتابع دعني أتذكر معكم مثالاً بعيدًا جدًا عن حقلنا الأدبي، وإن كان ثقافيًا بدرجة ما، وهو اختراع طائرة "الكونكورد" التي أدهشت العالم في سرعتها ومميزاتها، ولكن لسوء حظها –ربما- لم يُكتب لها الاستمرار، واستمرت الطائرات تجوب العالم وتطورت في زوايا اقتصادية، دون أن يُنكر أحد روعة تجربة "الكونكورد" حتى ولو فشلت فهي في النهاية كانت خطوة للأمام في عالم الطيران، ودفعت إلى المزيد من التجويد في المجال بشكل عام، وهذا ما أريد إثباته، وهو أن كل الخطوات التي تتخذها البشرية للأمام ليست ناجحة أو مناسبة لكل أوان، لكن أهميتها فيما تحدثه من مساجلات وتدويل للأفكار، وإعادة تقييم لها يكون من شأنه أن يدفع بالإنسانية نحو مزيد من اكتشاف ما يناسب العصر والإمكانيات التي تعيشها الإنسانية مهما اختلفوا حول قيمتها، سأعتز بمقالي هذا باعتباره إشارة إلى مفهوم الخطوة الأدبية أو المرحلة التي يجب أن يسير فيها الأدب في تسلسل منطقي وطبيعي.

ضدان لا يجتمعان:
أحيل القاريء العزيز إلى أزمة تأخذ شكلاً حادًا على وسائط التواصل، بل وفي الدوائر الأدبية والمناسبات حين يتم السؤال حول قيمة روائي أو شاعر، إذ ينبري البعض للقول بأن ذلك الروائي هو فلتة الزمان في كل أنواع الكتابة، وآخرون يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأجل شاعرهم الهُمام هذا، فيرونه رمزًا لكل ما هو مكتوب وليس في الشعر فقط، وهو أمر عجيب، خاصة حين يصدر عن أشخاص مهنتهم الكتابة والأدب أو تتعلق بهذا المجال مهنيًا أو أكاديميًا، إذ كما أفهم أن الرواية (النثر بشكل عام) تختلف في طبيعتها وبنائها وجمالياتها وقيمتها عن الشعر، فكلاهما وجهان مختلفان لعملة أدبية، لكنهما لا يمكن أن يُعقد بينهما مقارنة قيمة، وأيهما أعظم أو أيهما أدنى قدرًا، وهو الأمر الواضح في هذه الحرب التي تدور بين الحين والحين عن قيمة "نجيب محفوظ" الروائي، وقيمة "أدونيس" الشاعر (علي أحمد سعيد إسبر)، ويجعلني في عجب من أمر هؤلاء، إذ يجعلون المجالين الكتابيين أمرًا واحدًا واجب أن يكون فيه أعظم وأدنى. والحقيقة الناصعة أن الأديبين لم يكتبا –أو يُشتهر عن أحدهما الكتابة- في المجال الذي يكتب فيه و"يتخصص" الآخر.

وجه الاتفاق:
وحتى لا يظن البعض أنني أنفي أن بين الرجلين –رغم اختلاف تخصصهما الكتابي- ثمة أمور مشتركة، دعني أخبرك بأمر بسيط يتشابهان فيه، وهو كونهما من أكثر المبدعين العرب الذين حظوا باهتمام أكاديمي بالغ، بفضل ما قدماه في أعمالهما من سمو فوق التقاليد اللغوية، وكيف قدما اللغة وقواعدها عبر لغة بسيطة وفصيحة دون أن تخرج إلى اللهجة الدارجة أو العامية، وما لهما من مساحة التجريب في ذلك، والحقيقة هناك كم هائل حول الرجلين كتابيًا وما لهما من مكانة في مجاليهما وصلت في نظري إلى الدرجة التي جعلت من الأكاديمية تكاد تقترب من صناعة تمثالين للرجلين، وتجعل منهما محذورين من المحاذير التي لا يجب الاختلاف حولهما بما وضعته تلك الأكاديمية التي تناولتهما أدبيًا من هالة وقدسية، فبدا لي أن هناك صنمًا في الرواية يُسمى "نجيب محفوظ"، وآخرًا في الشعر يُسمى "أدونيس".
وأضيفُ أمرًا يتشابه فيه الرجلان، وهو علاقة السياسة بهما، وليس علاقتهما بالسياسة، إذ –في نظري- الرجلان أدبيًا يتم تسيسهما أكثر مما يحتملان، وهو ما يجعل البعض على سبيل المثال ينسى أن أدونيس لا يملك من أمره شيئًا -باعتباره سنه وعمره- أمام نظام الأسد أبًا وابنًا، بل لن يجرؤ على الخروج على النظام، وهو أمر مهما ادعت قصائده عكسه فلا يمكننا غير الإذعان لحقيقة واقعه. والأمر يأخذ زاوية أخرى عند نجيب محفوظ، والذي حمَّله الكثيرُ وحمَّل كتاباته كثيرًا من الرمزية وأعملوا سكاكين التأويل لتشريح نصوصه والوصول إلى قناعاتهم هم أنفسهم داخل الأعمال التي قدمها نجيب محفوظ إبان الفترة الناصرية، وحتى إن اعترف الرجلان ببعض التأويل لنصوصهما، لكن كثيرًا من التأويل إنما في حقيقته بحث عن قناعات هؤلاء المؤلين لنصوص الرجلين نثرًا وشعرًا.
ولا ننسى أن الرجلين بشكل أو آخر أبناء النظام في دولتيهما، تربيا في كنفها، وتميعت مواقفها المعلنة من السلطة؛ إذ نكاد لا نسمع موقفًا واضحًا معلنًا لنجيب محفوظ من السلطة في مصر، وهنا لن أقبل أن يحيلني البعض إلى كتاباته ويقول لي اقرأ ما كتبه في كذا وكذا، وأنه يقصد كذا وكذا، فهذه جناية في نظري من جنايات صناعة الصنم، والأمر مثله عند أدونيس الذي يبدو أنه غازل الثورة وقال في واحد من حوارته بأنه يدعم التغيير، لكنه سريعًا ما عاد يصف الثورة السورية بأنها صناعة وهابية، وأن جموع السوريين "الحقيقيين" لم يشتركوا في الثورة. ولستُ هُنا للحكم على الرجلين سياسيًا، أو إنسانيًا إذ أتفهم ذلك تمامًا حتى لو اختلفت معه، بل أراه حق كل إنسان في أن يحدد انحيازاته تبعًا لما يراه في صالحه كما يعتقد، لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يتم تصدير الرجلين باعتبارهما أكاديميًا أقانيم لا يجوز المساس بها، وهو ما يجعلني أتعجب موقفهما من السلطة في البلدين، إذ يرتبط الإبداع في تكويني وفهمي –وهو غير مُلزم لغيري وأطرحه للنقاش- بمفهوم التمرد والتغيير والخروج على النمط وتقديم الجديد حتى لو لم يكن وجيهًا في جدته، لكنه متبنٍ لكل ما يفكك الصور الذهنية والنمطية و"البرواز" بشكل عام، وهنا يبدو أنني أحاول أن أنسى هذا المجتمع الأبوي الذي نشأ فيه الرجلان وما زال يكرس لسلطة الدولة بمنطق أبوي كبير، فمثلاً في حالة "محفوظ" كان موظفًا خالصًا حتى النخاع خلال حياته، بل أرى البعض حين يتحدث عن سيرته وعاداته الشخصية ويبالغ في مدحها ناسيًا أنها ربيبة هذا الموظف الذي قضى أربعين عامًا من حياته بين الحضور والانصراف وحياة الموظف الحكومي المصري النمطية، والأمر يتشابه بشكل أو آخر مع أدونيس حتى ولو كان أستاذًا ومحاضرًا جامعيًا، فهو ملتزم ومؤطر بإطار ما، ولم يخدشه مرة واحدة في حياته، وإلا فأخبروني عن الرجلين وسيرتيهما الوظيفية كموظفين في مصالح حكومية ولو كانت مختلفة، لكنها تبقَى بأثرها وظلالها على الرجلين، وحتى إن أغفل ذلك كل الدارسين لهما، فهل يمكن أن نجد يومًا دراسة أكاديمية تحلل لنا الشخصيتين كموظفين حكوميين وكيف تأثر أدبهما بالعمر الذي قضياه في طيات عباءة الوظيفة الحكومية التي نعرف كيف حالها في البلدين العربيين، بل والعالم كله بلا مبالغة؟!!

خرافة الصنم والأجيال المستقبلية:
أظنني لو لم أكتب هذا المقال لاعتبرت نفسي مشاركًا في صناعة هذين الصنمين اللذين يتعبد الكثيرون في محرابيهما دون أدنى اعتبار لما يفعلون من تكريس مطلق للرجلين، إذ تحول نجيب محفوظ وأدونيس إلى صنمين مقدسين لا يجب المساس بهما كأنهما إلهين من آلهة الحياة، وأن مجرد الخروج عن السرب فهو مؤول بأشياء أبسطها سيجيء باتهام الهامش الذي جئت منه أدبيًا، وأنني أود النيل من قامات كبيرة، أكرر لو أنني خفت الكتابة لكان ذلك الخوف دليل على خوفي من هذا الصنم المعبود أكثر من حرصى على عرض فكرة مغايرة تحتمل الصواب والخطأ، لكنها حق أصيل في الاختلاف حول القيمة وحول التذوق، وهو ما لا يمكن لأحد فرضه على أحد.
واستطرادًا أذكر أنني في السنوات الماضية بعد ثورة 25 يناير 2011، تعرضت لهجوم شرس حين أردت في واحد من المقالات أن أفهم هذا اللقب الذي أطلقه السلفيون على "أبو إسحاق الحويني" –شيخهم- حين وصفوه بأنه "أعلم أهل الأرض بالحديث الشريف"، تساءلتُ من يمنح هذه الألقاب؟ وكيف يمكن للتلميذ أن يحكم على أستاذه؟ أليس من المنطق أنني حين أقيّم شخصًا في مجال ما، يُفترض أن أكون أعلم منه وأكثر خبرة في ذلك المجال؟! فكيف يحكم السلفيون على الرجل –وهم في وجهة نظرهم أقل درجة منه علمًا ودينًا؟ّ ولحقيقة أنني أندهش حين أجد ردود الفعل تقول، إذ كان ذلك، فأنت غير مؤهل للحكم على هؤلاء الأقطاب، وهنا أعود لأوضح أمرًا هامًا، وهو أنني لستُ بمعرض الحكم القيمي لهؤلاء بل أنبه فقط إلى ظاهرة تحدث، وإلى صناعة صنم تمت بكل وضوح، وخوف الجميع وترهيبهم من المساس بذلك الصنم أو طرح التساؤلات حوله لحلحلة هذه الصنمية المطلقة له، وهذا لا ينفي عن هؤلاء قدرتهم الفذة وموهبتهم اللامعة، لكنه لا يستثنيهم من النقد. ببساطة ووضوح، أعود وأسأل كيف تقبل البعض مقالتي وتساؤلي حول "أبو إسحاق الحويني"، وكيف يمكن أن يرفض نفس المنطق حين أحركه نحو "نجيب محفوظ" و"أدونيس"؟! الحقيقة أن الرجلين في وجهة نظري صارا صنمًا نبيلاً، لكن ألفيتنا الجديدة تتجه إلى زمن لا مكان للأصنام فيه، ولا يوجد ما هو بعيد عن دائرة النقد والتساؤل مهما كان.

المبدع والسياسة:
يلفت انتباهي دائمًا علاقة المبدعين بالسلطة وهرمها على مرّ العصور في حالات كثيرة يُسجلها التاريخ الإنساني وليس تاريخ الأدب وحده، وهو ما يُلفت الانتباه عندي إلى "محفوظ" و"أدونيس" وكيف تمَّ تسيسهما، واللعب بهما كورقة سياسية خفية، ولعل المثال الأنصع في مصر، حين كان الموقف السياسي الغربي ضدّ الناصرية، فقررت الآلة الغربية استخدام نموذج "نجيب محفوظ" للدعاية ضد الحقبة الناصرية، التي روجت بدورها للكاتب "يوسف إدريس" كاتبًا لمصر، وهو ما تجد له دليلاً آخر في الفترة الساداتية التي علا نجم نجيب محفوظ فيها، وتمّ تصويره وتصوير أدبه بالتحريضي والمقاوم للفترة الناصرية، وهو ما لم يقره الرجل أبدًا بنصه، لكنه في نفس الوقت لم يقم بنفيه، وأعود وأكرر بأن المؤولين سينبرون للإشارة إلى كذا وكذا، وأعود وأجيب بأن تلك التأويلات لا تُلزم، إنما تفتح الأفق لإعادة قراءة في النصوص وفي تأويلاتها، وذلك بدراسة شفافة ومحايدة من موقع الرجل من تلك السلطة الأبوية في مصر خلال نصف قرن كامل وحتى اعتزاله، وهو أمر له موازٍ من سيرة أدونيس بعيدًا عن تلك المواقف الخطابية الرنانة، وبعيدًا عن حفلات التأويل من دراويش الشاعر ومريديه.
اليوم؛ يتخلص العالم المعاصر في ظلّ هذا التسارع المعرفي والانفتاح اللامحدود من فكرة الأقانيم والحراس، ويفتح الباب على مصرعيه لإعادة قراءة من زوايا جديدة غير مطروقة، وحلحلت تلك الأصنام الإنسانية في تاريخ البشر، وعرض مواقفها بشفافية أكثر مع التخلص من نظرة الإعجاب المطلق والتنزيه المريب، وهنا لا أدعو لإزاحة ذلك المنتج الأدبي والفني والإنساني للرجلين، لكن أطرح فكرة إعادة الاكتشاف بشفافية، وفتح الباب أمام وجهات نظر مخالفة ومغايرة لتلك التي تكرس النظرة الأدبية والفنية إلى الرجلين باعتبارهما قيمة لا يجوز المساس بها أو مناقشتها، وهذا ليس دفاعًا عن الرديء، لكنه حق أصيل لكل جيل أن يُقدم أسئلته حول الأدب والفن الذي يستصيغه ويراه أكثر ملاءمة لعصره، والملاءمة هنا لا تعني بالضرورة أن يكون أسمى قيمة، فقط هو ملائم لطبيعة العصر بعيدًا عن قيمته الأدبية والفنية، وحق تلك الأجيال أن يكون لها رموزها الأدبية والفنية، وضرورة النظر إلى ذلك بتفهم لكونه مرحلة وخطوة من خطوات سير تاريخ الأدب والفن بل والإنسانية بأسرها، وبعيدًا عن مفهوم القيمة، فكما قلت ليس شرطًا أن يكون كل تقدم او كل جديد يتم تقديمه، ليس شرطًا أن يكون بقوة السالف وقيمته، لكن يجب الانتباه إلى كونه خطوة لازمة يمر بها التاريخ الإنساني، نحو مستقبله الجديد وعصره التالي، وهي خطوة لها كل الحق أن ترفض العيش في جلباب تلك الأقانيم، وأن تخالف فكرة التشابه مع الماضي دون أن تنقطع عنه، ولها كل الحق أن ترفض فكرة الأستاذية في ظل عصر تكنولوجي ضرب تلك القيمة "الأستاذية" في مقتل للأبد.

كل مبدع بعصره رهين:
قدم نجيب محفوظ الحارة المصرية بكل روعة وإبداع، وأفلح في نقلها من محليتها إلى العالمية، محدثًا نوعًا من الإبهار على مستويات عديدة، لكن التساؤل الحقيقي، كم من المفردات المصرية الأخرى الكثيرة التي قتلتها حارة نجيب محفوظ؟ كم من العوالم المصرية الأخرى التي تمَّ قتلها عمدًا أو بغير قصد أمام سطوة حارة نجيب محفوظ وعالمه الأدبي؟ فهل الحارة المصرية التي قدمها نجيب محفوظ هي مصر بتفاصيلها المدهشة؟ ألا يوجد عوالم أخرى غير عالم الحارة المسيطر على جلّ أدب نجيب محفوظ؟!
دعني أقدم لك مثالاً بسيطًا لما أريد؛ اعتبرها تجربة عملية، وقم بسؤال عينة من الشباب عن قراءاتهم الأدبية، ستجد الكثيرين منهم ممن لا تعنيهم حارة نجيب محفوظ، وتشغل بالهم أفكارًا أدبية أخرى غير ذلك العالم السحري الذي قدمه نجيب محفوظ، وكذلك الأمر في عالم أدونيس الشعري حين تجد العديد من اتجاهات القراءات الشعرية لشباب هو وليد عصر التكنولوجيا، ووليد عصر الانفتاح، لم يجد هؤلاء الشباب في قراءاتهم مجالاً فسيحًا لأشعار أدونيس، وهو ليس عيبًا فيهم، إنما هم نتاج طبيعي لطبيعة عصر منفتح تغيرت قيمه وآليات الحركة الإنسانية فيه، فلم يعد العالم عالم الصراعات الكبرى، إنما صارت اللعبة مغايرة تمامًا ومفرداتها شديدة التعقيد بما تقدمه التكنولوجيا كل ثانية لهؤلاء الأجيال التي تربت وتكونت في هذا العصر، وهذا لا يجعلني أندهش حين أجد هؤلاء الصاعدين من الجيل المعاصر لا يلتفتون إلى أدب نجيب محفوظ أو أشعار أدونيس، إذ هم في حقيقتهم أجيال تربت خارج إطار السلطة الأبوية التي تربت عليها ذائقة الكثيرين ممن تحزبوا للرجلين وصنعوا لهما هذا الصنم المحرم على المساس، هم أبناء جيل له صراعاته التي تخالف صراعات الأجيال السابقة التي كُنا نراها صراعات نبيلة وحالمة في كثير من الأحيان، فهم أبناء البساطة والوضوح والمباشرة، ولا حاجة لهم بتخمة الترميز والتأويلات اللامحصورة، إذ يصبح فائض الوقت لهم رفاهية غير موجودة في ظلّ ذلك العالم التكنولوجي المرقم الذي يُقدم كل لحظة جديد وجديد في كل شيء، فيُشكل وعي هؤلاء من تلك الأجيال.
أظن أن فهم طبيعة هذا العصر دون الحكم عليه بأحكام القيمة، هو أمر ضروري، ويجب أن نتفهم إلى جانبه أن طبيعي كخطوة في تاريخ خطوات الإنسانية، وبعيدًا عن جمالها أو رداءتها، إلا أنها خطوة لها أهميتها في نسق التاريخ الطويل الممتد، وهي المعبر إلى خطوات مستقبلية تالية، لا نعرف عن قيمتها أو تقديرها، لكننا نعرف أنها رفضت هذه السلطة الأبوية، وجعلت كل العالم تحت مجهر التحليل والمناقشة دون اعتبار لأي صنم تمّ صناعته في أي مجال من مجالات الحياة الإنسانية بأسرها.

مختار سعد شحاته
ريو دي جانيرو/ البرازيل
14 أغسطس 2018